أكثر الأشياء التي غيّرتني في حياتي، لم تبدأ بأحداث كبيرة.
لم تكن اعترافات طويلة، ولا مواقف تستحق أن تُروى أمام الجميع.
كانت أشياء صغيرة جدًا.
نظرة استغرقت ثانية أطول من المعتاد، كلمة قيلت بنبرة مختلفة، رسالة وصلت في وقت لم أتوقعه… تفاصيل قد تمرّ على أي شخص دون أن يلتفت إليها.
أما أنا، فكنت أحتفظ بها.
ليس لأنني أحب المبالغة، كما كان البعض يظن، وإنما لأنني كنت أؤمن أن التفاصيل الصغيرة تقول أحيانًا ما لا يستطيع الناس قوله بصراحة.
وهذه كانت مشكلتي.
أو ربما كانت ميزتي.
لم أقرر بعد.
في ذلك الصباح، استيقظت قبل أن يرن المنبه بقليل.
بقيت للحظات أحدّق في السقف، أراقب الضوء المتسلل من النافذة، وأحاول أن أتذكر ما الذي أيقظني.
لم أجد جوابًا.
مددت يدي نحو هاتفي.
لا رسائل جديدة.
أغلقت الشاشة، ثم تركته جانبًا.
وقفت أمام المرآة للحظات، أتأمل وجهي وكأنني أبحث فيه عن شيء لا أعرف اسمه. رتبت شعري بهدوء، ثم غادرت الغرفة.
كان البيت هادئًا في ذلك الوقت من الصباح.
وجدت أمي منشغلة بأعمالها، فجلست قليلًا قبل أن أخرج.
نظرت إليّ وسألت:
«هل نمتِ جيدًا؟»
ابتسمت.
«نعم، أنا بخير.»
هزّت رأسها وعادت إلى ما كانت تفعله.
كانت إجابتي بسيطة.
لكنني كنت أعرف أن كلمة «بخير» لا تعني دائمًا أن كل شيء بخير.
أحيانًا نقولها لأننا لا نملك الطاقة لشرح ما بداخلنا.
وأحيانًا نقولها لأننا أنفسنا لا نعرف كيف نشرحه.
خرجت من البيت، وكان الصباح يشبه كل صباح آخر.
الناس يمشون في طريقهم، والسيارات تمرّ، والأصوات تختلط ببعضها حتى تصبح مجرد ضجيج بعيد.
كنت أحب مراقبة الناس.
ليس لأنني أعرف قصصهم، بل لأنني كنت أتساءل دائمًا عن الأشياء التي لا تظهر عليهم.
هل الشخص الذي يضحك كثيرًا سعيد فعلًا؟
هل من يمشي صامتًا يفكر في شخص ما؟
وهل هناك أشخاص آخرون مثلي، يخفون داخلهم أشياء لا يعرف عنها أحد شيئًا؟
ربما.
وصلت إلى المكان الذي ألتقي فيه بصديقتي، فوجدتها تنتظرني.
ما إن رأتني حتى قالت:
«لقد تأخرتِ.»
ابتسمت.
«لم أتأخر كثيرًا.»
«بل تأخرتِ، لقد انتظرتك طويلًا.»
ضحكت.
«حسنًا، لكنني وصلت في النهاية.»
هزّت رأسها وهي تبتسم، ثم بدأنا نمشي معًا.
تحدثنا عن أشياء عادية.
عن يومنا، وعن الناس، وعن مواقف صغيرة حدثت في الأيام الماضية.
كنت أضحك معها، وأشعر للحظات أن رأسي أصبح أخف.
كانت من الأشخاص القلائل الذين لا أحتاج أمامهم إلى التفكير في كل كلمة قبل أن أقولها.
لكنها، كعادتها، لاحظت شرودي.
قالت فجأة:
«أنتِ شاردة اليوم.»
نظرت إليها.
«أنا؟»
«نعم، أنتِ.»
ابتسمت محاولةً تغيير الموضوع.
«لا شيء، أنا بخير.»
نظرت إليّ قليلًا، ثم قالت:
«لم أقل إن بكِ شيئًا.»
سكتُّ.
كانت تعرفني أكثر مما أحب أحيانًا.
قلت:
«إنه مجرد بعض التعب.»
لم تجادلني.
اكتفت بهز رأسها، ثم عادت إلى الحديث عن شيء آخر.
وأحببت فيها ذلك.
لم تكن تحاول إجبار الناس على الكلام.
كانت تعرف أن بعض الأشياء تحتاج إلى وقت حتى تخرج.
مرّ اليوم بشكل عادي.
أو هكذا ظننت.
عندما عدت إلى البيت، دخلت غرفتي وجلست على سريري.
أخذت هاتفي دون تفكير.
كانت هناك رسالة جديدة.
توقفت يدي.
قرأت اسم المرسل.
هو.
شعرت بشيء صغير يتغير داخلي.
ليس فرحًا تمامًا.
وليس خوفًا.
شيء بين الاثنين.
فتحت الرسالة.
كانت قصيرة جدًا.
قرأتها مرة.
ثم مرة ثانية.
لم تكن تحتوي على شيء واضح يمكن أن يبرر كل هذا التفكير.
ومع ذلك، شعرت أن هناك شيئًا مختلفًا.
نبرة مختلفة.
مسافة لم تكن موجودة من قبل.
أو ربما كنت أنا التي أبحث عن شيء غير موجود.
كتبت ردًا.
قرأته.
ثم مسحته.
كتبت ردًا آخر.
ومسحته أيضًا.
وضعت الهاتف جانبًا.
«حسنًا، لن أفكر في الأمر أكثر.»
قلت ذلك لنفسي بثقة.
مرّت ثوانٍ قليلة.
عدت إلى الهاتف.
ابتسمت بسخرية.
كنت أعرف نفسي جيدًا.
لم أكن أستطيع ترك سؤال بلا جواب.
حتى لو كان السؤال مجرد إحساس.
وفي الوقت الذي كنت أفتح فيه المحادثة من جديد، وصلت رسالة أخرى.
هذه المرة لم أبتسم.
قرأت الكلمات ببطء.
ثم بقيت أنظر إلى الشاشة.
لم يكن فيها اعتراف.
ولا تفسير.
ولا شيء يمكن أن يجعلني متأكدة من أي شيء.
لكنها كانت كافية لتجعلني أشعر أن ما حدث لم يكن مجرد وهم.
وضعت الهاتف على السرير، وأسندت ظهري إلى الحائط.
للحظة، فكرت في تجاهل الأمر.
أن أتصرف وكأنني لم ألاحظ شيئًا.
لكنني كنت أعرف أنني لن أستطيع.
لطالما كنت أبحث عن المعنى خلف الأشياء.
وربما كانت هذه أكثر صفة أتعبتني في نفسي.
كنت أقرأ ما بين السطور، وأحلل نبرة الصوت، وأتذكر الكلمات التي قالها الناس قبل أيام، فقط لأعرف إن كانت تعني شيئًا آخر.
وفي أغلب الأحيان، كنت أصل إلى أكثر من احتمال.
ثم أصدق أسوأها.
ليس لأنني أحب الحزن.
بل لأنني كنت أخاف من أن أكون آخر شخص يعرف الحقيقة.
في تلك الليلة، فتحت ملاحظات هاتفي وكتبت:
«ربما ليست المشكلة في الأشياء الصغيرة… ربما المشكلة في قلبي الذي يشعر بها أكثر مما ينبغي.»
قرأت الجملة مرة.
ثم أغلقت الهاتف.
كنت أظن أن الأمر سينتهي هنا.
رسالة.
ثم سؤال.
ثم ليلة من التفكير.
لكنني كنت مخطئة.
لأن بعض الأشياء تبدأ صغيرة جدًا…
ثم تكبر بهدوء، إلى أن يصبح تجاهلها مستحيلًا.
ولم أكن أعرف أن تلك الرسالة ستكون أول شيء يجعلني أنظر إلى شخص أعرفه منذ مدة…
وكأنني أراه للمرة الأولى.