‏كان الضباب في هذا الجزء من "غابة الفناء" يزداد لزوجة، ممتزجاً برائحة العفن المنبعثة من المستنقعات القريبة. في وسط فجوة دائرية خلفتها الأشجار المتساقطة، كان **مايك** يقف كطودٍ عظيم، أنفاسه تخرج كبخارٍ ساخن في الهواء البارد.

‏أمام عينيه، كان يقبع وحش "الخرتيت المدرع" من المستوى **(C)**، كائنٌ يزن أطنانًا من العضلات والصفائح العظمية، لكنه الآن كان يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد أن حطم مايك جمجمته بضربة واحدة من قبضته المغلفة بالطاقة الأرضية.

‏سقط الوحش الضخم محدثاً زلزالاً صغيراً في التربة الرطبة. مسح مايك العرق عن جبينه، وزفر بعمق، وشعور بالنصر يملأ صدره العريض. لكن، في اللحظة التي سكن فيها جسد الوحش تماماً،

‏وفي تلك الثانية التي يرخي فيها أي محاربٍ دفاعاته غريزياً، انشق السكون بفعل شيءٍ لم يكن صوتاً، بل كان "إزاحة" في الهواء.

‏بسرعة تفوق المنطق الجسدي، دفع مايك قدمه في الأرض ليرتد إلى الخلف بقوة انفجارية. شعر بشيءٍ بارد، رقيق كخيط الحرير، يمر بجانب وجهه.

‏تعثر قليلاً وهو يتخذ وضعية دفاعية، وعيناه تبحثان عن المصدر. ساد صمتٌ مريب لثوانٍ، قبل أن يشعر مايك بحرارة تسيل على خده الأيمن. رفع يده الضخمة ومسح السائل اللزج؛ كان دماً قانياً.

‏نظر مايك إلى يده بذهول. جسده الذي صُقل بسحر الأرض، وجلده الذي كان يفتخر بأنه أصلب من الفولاذ، قد تم اختراقه. لم تكن مجرد طعنة، بل كان قطعاً جراحياً دقيقاً تجاوز دفاعاته الفطرية.

‏"تسك.. كنت أريد قتلك بسرعة."

‏خرج الصوت من خلف جذع شجرة غارقة في الظلال. برز ليوين ببطء، ممسكاً بخنجره الأسود الذي كانت تتقطر منه قطرة واحدة من دم مايك. كانت عيناه باردتين كقاع المحيط،

‏وهالة الظلام تحيط به بكثافة، تلتف حول قدميه كأفاعٍ جائعة. ليوين لم يكن يبتسم؛ كان يعلم يقيناً أن القضاء على هذه "الدبابة البشرية" لن يكون نزهة، فمايك ليس مجرد طالب نبيل من عائلة كبيرة، بل هو الجدار الذي يستند إليه آرثر.

‏نظر مايك إلى ليوين، وبدلاً من الغضب، ارتسمت على وجهه الضخم ابتسامة حماسية. "أوه تجروئ على مباغتتي؟" هز كتفيه العريضين ليفك تشنج عضلاته، وتابع بنبرة ممتلئة بالتحدي:

‏"تبدو ممتعاً يا فتى.. لم ينجح أحد من رتبتي في خدشي منذ زمن. تعال، أرني ما تمتلكه خلف ذلك القناع البارد."

‏لم ينتظر ليوين رداً لفظياً. اندفع نحو مايك كالسهم الأسود، مستخدماً مهارة "خطوة الظل" لينتقل من يمين مايك إلى خلفه في طرفة عين. لكن مايك لم يكن خصماً عادياً؛ بمجرد أن أحس بخلخلة الهواء خلفه،

‏ضرب قبضته في الأرض صائحاً: **[درع الجيولوجيا]!**

‏انفجرت أعمدة من الصخور الحادة من تحت أقدام ليوين، مما أجبره على القفز في الهواء والالتفاف بجسده برشاقة بهلوانية. وفي الهواء،

‏غلف ليوين خنجره بمانا الظلام المركزة، وأطلق "نصل الظل" نحو عنق مايك.

‏تحولت يدا مايك في تلك اللحظة إلى صخرٍ بركاني داكن، صلب ولامع. رفع ذراعه الضخمة كترسٍ ليصد النصل الطائر. اصطدم سحر الظلام بالصخر في دويٍّ مكتوم، وتطايرت شرارات سحرية أرجوانية وصفراء

‏استغل ليوين لحظة الاشتباك ليهبط بصمت وهوه يرجع خنجره الى يده ثم التفت خلف مايك مرة أخرى، محاولاً طعنه في أسفل ظهره، حيث تكون مفاصل الدروع الطبيعية أضعف ما يمكن.

‏لكن مايك كان "يسمع" الأرض. أحس باهتزازات أقدام ليوين الخفيفة، فاستدار بسرعة مذهلة بالنسبة لحجمه، وألقى بقبضة صخرية هائلة نحو صدر ليوين. "بطيء جداً!" زأر مايك.

‏انحنى ليوين للخلف بزاوية مستحيلة، تاركاً القبضة تمر فوق رأسه بسنتيمترات، لدرجة أن ضغط الهواء الناتج عن الضربة مزق جزءاً من شعره الرمادي.

‏لم يتراجع ليوين؛ بل استغل اندفاع مايك ليغرس خنجره في فخذ مايك الصخري. النصل لم يخترق بعمق، لكن طاقة الظلام بدأت تتسرب داخل "عروق المانا" الخاصة بمايك، مما جعله يشعر ببرودة قاتلة تشل حركته للحظة.

‏تراجع ليوين للخلف عدة أمتار ببهلوانية، يلهث قليلاً بينما يحافظ على وضعية الهجوم. كانت المعركة صراعاً بين "المطرقة والسندان"؛

‏مايك يمثل القوة الغاشمة والصلابة المطلقة، وليوين يمثل الخفة القاتلة والذكاء التكتيكي.

‏"قوتك مذهلة.." قال ليوين بصوتٍ خفيض وهو يراقب الجرح الصغير في فخذ مايك وهو ينسد تدريجياً بفعل سحر الأرض، "لكن الصلابة ليست كل شيء. كل جبل وله صدع، وسأجد صدعك يا مايك."

‏ضحك مايك بقوة، وضرب قبضتيه ببعضهما البعض ليخرج صوتاً يشبه اصطدام الجبال. "وأنا سأحطم ظلامك هذا"

‏عاد القتال ليشتعل بضراوة أكبر. كان ليوين يتحرك كالدخان؛ يظهر ويختفي، يضرب ويهرب، يترك جروحاً سطحية هنا وهناك، محاولاً استنزاف مانا مايك. بينما كان مايك يحول الساحة إلى حطام؛

‏يقتلع الأشجار ويحطم الأرض بضرباته الزلزالية، محاولاً الإمساك بليوين أو توجيه ضربة واحدة قاضية تنهي المنافسة.

‏في غرفة المراقبة، كانت السيدة سيليا تراقب الشاشة بتركيزٍ لم يسبق له مثيل. المعلمون بجانبها توقفوا عن الكلام. لم يكن هذا مجرد اختبار للمبتدئين؛ كان قتالاً حقيقياً بين مدرستين قتاليتين متناقضتين تماماً.

‏"انظروا إلى ليوين.." همس أحد المعلمين برعب، "إنه لا يحاول الفوز بالقوة، إنه يدرس أسلوب مايك أثناء القتال. إنه يحلل التوقيت، المسافة، وحتى ثغرات التنفس. هذا ليس فتى في السادسة عشرة، هذا عقل محاربٍ مخضرم."

‏أما في الغابة، فقد بدأ التعب يظهر على ملامح مايك، ليس بسبب الجروح، بل بسبب طاقة الظلام التي كان ليوين يحقنها في جسده مع كل خدش. الظلام كان يمتص حيويته ببطء، مما جعل حركات مايك الصخرية تصبح أثقل قليلاً.

‏توقف ليوين فجأة عن الحركة، وخفض خنجره قليلاً. ساد هدوءٌ غريب. أحس مايك أن هناك شيئاً خاطئاً. الهواء من حول ليوين بدأ يبرد بشكلٍ مرعب،

‏والظلال بدأت تتجمع خلفه لتشكل ما يشبه جناحي غرابٍ ضخم.

‏"لقد انتهى وقت اللعب يا مايك،" قال ليوين، وعيناه تومضان بلونٍ أرجواني سحيق، "سأريك الآن لماذا يخشى الجميع ما يسكن في الظلام."

‏استعد مايك، وضاعف من طبقات الصخر حول جسده، مدركاً أن الضربة القادمة لن تكون مجرد خدشٍ على الخد، بل ستكون اختباراً حقيقياً لمدى صمود صلابته أمام هذه الهجوم

‏---

2026/03/24 · 49 مشاهدة · 906 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026