توقفت الرياح فجأة في تلك البقعة الملعونة من الغابة، وكأن الطبيعة نفسها كتمت أنفاسها ترقباً لما هو آت. وقف ليوين في مركز الدائرة المظلمة، وجسده الهزيل يبدو وكأنه يمتص كل الضوء المتبقي في الأفق.
لم تعد مانا الظلام تتدفق حوله فحسب، بل بدأت تتكثف وتتحول إلى مادة سائلة سوداء غاضبة تتجمع بين كفيه المضمومتين.
"لقد استهلكت من وقتي أكثر مما تستحق يا مايك،" همس ليوين، وصوته يحمل رنيناً معدنياً بارداً.
رفع ليوين يديه، وفي تلك اللحظة، انفجر الغلاف الجوي المحيط به. انطلق [شعاع العدم المظلم] ، وهو هجوم مركز من مانا الظلام الخام اتقنه ليوين في الغابة، شق الأرض شقاً وهو يتجه نحو مايك.
كان الشعاع يلتهم كل ما في طريقه؛ الأشجار تلاشت كأنها لم تكن، والحجارة تفتتت إلى ذرات من الغبار. كان الهجوم يحمل قوة تدميرية هائلة، تهدف إلى محو "الجبل" من الوجود.
رأى مايك الموت يقترب منه في صورة ضوء أسود. لم يتردد؛ ضرب بكل قوته في الأرض، مستنزفاً كل قطرة مانا متبقية في عروقه.
[حصن الأرض الخالد]! صرخ مايك وهو يرى طبقات من الصخور البركانية الصلبة ترتفع أمامه، وتتشكل في درع كروي ضخم يغلف جسده بالكامل.
اصطدم الشعاع بالدرع الصخري. دويّ الانفجار كان مرعباً، هز أركان الغابة وأرسل موجة ارتدادية اقتلعت الأشجار من جذورها على بعد مئات الأمتار. استمر الشعاع في الضغط، والمعدن الصخري لدرع مايك بدأ يتوهج باللون الأحمر من شدة الاحتكاك الطاقي
كان مايك يزأر خلف درعه، وعضلات ظهره تكاد تنفجر وهو يسند هذا الثبات المستحيل.
تدريجياً، بدأ الشعاع يتبدد. ساد غبار كثيف ودخان أسود غطى الساحة. تراجع مايك خطوة للخلف، ودرعه الصخري قد تفحم وتصدع تماماً، لكنه كان لا يزال واقفاً. مسح العرق والدم عن جبينه،
وتنفس بصعوبة وهو ينظر عبر الضباب. "هل.. هل انتهيت؟" تمتم مايك بنبرة مجهدة، ظناً منه أنه نجح في صد أقوى هجمات ليوين.
لكن الصمت الذي أعقب الهجوم لم يكن صمت النهاية، بل كان صمت "المفترس" الذي غيّر مكانه.
في تلك الثانية التي استرخى فيها مايك ظناً منه أنه نجا، انشق الغبار الأسود. لم يخرج منه شخص، بل خرج منه "ظل". استخدم ليوين"خطوة الظل" بقوتها القصوى، متجاوزاً حدود التحمل الجسدي ليربط مسافة العشرة أمتار في زمن لا يدركه العقل.
ظهر ليوين أمام وجه مايك مباشرة، كأنه تجسد من العدم. لم يكن هناك غضب على وجهه، بل تلك الابتسامة الباردة والمستمتعة التي تظهر قبل الذبح مباشرة.
"أعينك هي نقطة ضعفك يا مايك." همس ليوين بصوت لم يسمعه سوى مايك.
قبل أن يتمكن مايك من رمش عينه، تحرك نصل خنجر ليوين ببرود مخيف. انغرس النصل بدقة جراحية في عين مايك اليمنى. لم يكن الهجوم عشوائياً،
بل كان يهدف لتعطيل الإدراك الحسي لـ "الدبابة البشرية". صرخ مايك صرخة ألم هزت الغابة، لكن ليوين لم يتوقف.
بسرعة مرعبة، سحب ليوين الخنجر وسدد ثلاث طعنات متتالية في نقاط القوة في جسد مايك؛ واحدة تحت الإبط حيث لا تصل الدروع الصخرية، وثانية في مركز البطن لتمزيق تدفق المانا، وثالثة في الفخذ لتعطيل حركته تماماً.
كان ليوين يتحرك كالجراح الذي يشرح جثة هامدة، بكل هدوء ودقة.
حاول مايك، بدافع الغريزة الأخيرة، أن يستحضر طاقة الأرض من تحت قدميه لعمل انفجار صخري مباغت يطيح بليوين بعيداً عنه. تركزت مانا الأرض تحت قدميه، وانفجرت الصخور للأعلى،
لكن ليوين لم يكن هناك. لقد اختفى في اللحظة التي بدأت فيها الصخور بالتحرك، كأنه يقرأ تحركات مايك قبل أن يفكر فيها الأخير.
في نفس الثانية، وبدون أي تأخير، ظهر ليوين خلف ظهر مايك تماماً، في "النقطة العمياء" التي خلفها فقدان العين اليمنى والجسد المنهك. وضع ليوين يده اليسرى على كتف مايك المدمى،
ومال نحو أذنه قائلاً ببرود يقطر سماً: "اذهب إلى الجانب الآخر يا مايك.. استرح في القاعة الرئيسية، وشاهد من هناك عبر الشاشات كيف سأصطاد باقي الحمقى الذين تسمونهم أبطالاً."
غرس ليوين خنجره في النخاع الشوكي لمايك، وهو المكان الذي ينهي "الوجود السحري" داخل غابة الاختبار.
بدأ جسد مايك الضخم يتوهج بنور أبيض باهت، علامة على أن "نظام الأكاديمية" قد تدخل لإنقاذه من الموت الحقيقي ونقله بعيداً. قبل أن يتلاشى تماماً،
نظر مايك بعينه المتبقية إلى ليوين بذهول ورعب؛ لم يرى طالباً، بل رأى هاوية لا قاع لها. تلاشت جثة مايك، ولم يتبقَ في الساحة سوى حطام الصخور ورائحة الدخان، وليوين الذي وقف وحيداً وسط الدمار.
---
في غرفة المراقبة، ساد صمت لم تشهده الأكاديمية منذ تأسيسها. المعلمون كانوا يحدقون في الشاشة بوجوه شاحبة. المعلم الذي كان يمتدح صلابة مايك سقط منه القلم وهو لا يشعر.
"لقد.. لقد دمر مايك،" همس أحدهم بغير تصديق، "لم يهزمه فحسب، بل حطمه نفسياً وجسدياً في أقل من عشر دقائق."
أما السيدة سيليا، فقد كانت عيناها الزرقاوان تلمعان ببريق معقد. لم تكن خائفة، بل كانت "متحمسة". وقفت من مقعدها ببطء، وهي تراقب ليوين وهو يمسح الدم عن خنجره ببرود غير بشري.
'هذا الفتى ليس مجرد موهبة،' فكرت سيليا إنه إعصار سيقتلع كل الثوابت التي وضعناها.'
---
في الغابة، لم يضيع ليوين ثانية واحدة في الاحتفال. نظر إلى السماء، حيث بدأت النجوم الوهمية للاختبار تلمع. كان يشعر بمانا الظلام داخله تتوسع؛ كلما قتل، كلما زاد تقاربه مع العنصر.
"واحد سقط،" قال ليوين وهو يتنفس بعمق، مستمتعاً برائحة الخوف التي لا تزال عالقة في الهواء. "بقي الأمير المتكبر، والإيلف المغرور، والمعالجة الجميلة.. ثم الوحش الأكبر."
أغلق ليوين عينيه لثوانٍ، مستخدماً حواسه لتعقب "مانا النور" التي كانت تشع في الأفق كمنارة وسط المحيط. كان آرثر هناك، يقاتل في الجانب الآخر من الغابة، غير مدرك أن حصنه المنيع قد سقط بالفعل.
انطلق ليوين من جديد، لكن هذه المرة لم يكن يمشي، بل كان ينسل بين الظلال بسرعة جعلته يبدو كخط أسود يشق الضباب. لم يعد مهتماً بالوحوش الصغيرة؛ لقد ذاق دم "الأبطال"، والجوع في داخله لن يشبعه سوى رؤية "النور" وهو ينطفئ.
"اللعبة أصبحت ممتعة الآن،" تمتم ليوين وهو يختفي تماماً في جوف الغابة المظلمة، متوجهاً نحو فريسته التالية.
---