‏كان السكون الذي خيم على وسط الغابة ثقيلاً، لدرجة أن صوت قطرات الدم الساقطة من جثة "وحش غول الصخور" من المستوى **(B)** كانت تبدو كدقات طبولٍ جنائزية. فوق تلك الجثة الضخمة التي تحولت إلى تلة من اللحم والحجر،

‏وقف **آرثر**، وجسده يرتعش بعنف. سيفه الفضي كان مغروساً في صدر الوحش، ويداه الملطختان بالدماء كانت تنبضان بتعبٍ لم يسبق له مثيل.

‏تقدمت **ليا** بخطواتٍ متعثرة، ووجهها الشاحب يضيء بنورٍ خافت نابع من مانا الشفاء الخاصة بها. وضعت يدها برقة على كتف آرثر، وبدأت خيوطٌ ذهبية تتدفق نحو جراحه، تمسح التعب وتعيد ترميم عضلاته الممزقة.

‏"لقد نجحنا يا آرثر.." همست ليا بنبرة ممتلئة بالارتياح المشوب بالخوف، "استطعنا قتله معاً. لم يبقَ الكثير، الاختبار أوشك على الانتهاء."

‏تنفس آرثر بعمق، وأغمض عينيه لثوانٍ مستسلماً لدفء علاجها. "أجل.. بفضلكِ يا ليا، لولا دعمكِ لما صمدتُ أمام ضرباته الزلزالية. الآن، علينا فقط أن نجد كايزر ومايكل ومايك، وننهي هذا الاختبار."

‏لكن، في اللحظة التي بدأت فيها مانا الشفاء تغلغل في عروق آرثر، وفي تلك الثانية التي ساد فيها وهم الأمان، انشق نسيج الهواء. فجأة، وبدون أي مقدمات، شعر آرثر ببرودةٍ مفاجئة تضرب قفاه،

‏نية قتلٍ غريبة، حادة ومسمومة، لم يختبرها حتى أمام الوحوش الكاسرة. كانت نية قتل تقشعر لها الأبدان، تجعل الروح تنكمش داخل الجسد.

‏"ليا، ابتعدي!" صرخ آرثر وهو يستدير بغريزة المحارب، رافعاً سيفه الفضي بتركيزٍ كامل نحو خنجرٍ أسود كان ينطلق نحو رأسه كالسهم الملعون.

‏حبس آرثر أنفاسه، وجمع كل ما تبقى من مانا النور في نصل سيفه ليصد الضربة القادمة. لكن، ما حدث لم يكن ضمن حساباته. حالما اقترب الخنجر من ملامسة سيف آرثر، تلاشى فجأة كأنه دخان في مهب الريح.

‏'ماذا؟!' تملكت الدهشة آرثر، لكن عقله صرخ محذراً: 'إنه فخ!'

‏استخدم ليوين **"خطوة الظل"** في أوج براعتها، ليس ليغير زاوية الهجوم فحسب، بل لينتقل بالكامل خلف ظهر آرثر، متجاوزاً إياه ليصبح أمام الهدف الحقيقي: المعالجة التي لا تملك دفاعاً.

‏لم يستطع آرثر معالجة التغيير المفاجئ في الهجوم؛ كان جسده لا يزال مندفعاً للأمام لصد الخنجر الوهمي، بينما كان ليوين قد استقر خلفه بالفعل. وبحركة خاطفة، باردة، وخالية من أي تردد،

‏مر نصل ليوين بجانب عنق ليا. لم يكن جرحاً قاتلاً، بل كان "إقصاءً" تقنياً دقيقاً استهدف نقطة تجمع المانا لديها.

‏سقطت ليا على الأرض، وبدأ جسدها يتوهج بالنور الأبيض الخاص بنظام الأمان، لتتلاشى تدريجياً من الغابة. نظرت إلى آرثر بعينين مليئتين بالذهول والاعتذار قبل أن تختفي تماماً.

‏وقف ليوين وسط الغبار، يمسك بخنجره الأسود، وارتسمت على وجهه ابتسامة باردة وهادئة وهو ينظر إلى وجه آرثر الذي تحول إلى قناعٍ من الغضب المشتعل.

‏في تلك اللحظة، انفجر عقل آرثر بعشرات الأفكار والمشاعر المتضاربة. 'متى وجدنا؟ كيف استطاع إخفاء وجوده طوال هذا الوقت؟

‏تملكه رعبٌ خفي وهو يفكر: 'ماذا لو لم يكن هذا اختباراً؟ ماذا لو كانت هذه غابة حقيقية؟ هل كانت ليا ستموت الآن أمامي هاكذه، من دون أن أستطيع حتى الرد أو حمايتها؟'

‏شعر آرثر بانهيار كبريائه. لقد أُقصي فريقه بالكامل من دون علمه، والآن سقطت "ليا"، الشخص الذي أقسم على حمايته. وجه آرثر نظرة باردة، ممزوجة بكراهية عميقة نحو ليوين،

‏وسأل بصوتٍ متهدج يرتجف من الغضب: "من.. من أنت؟"

‏اختفت ابتسامة ليوين قليلاً، وأمال رأسه إلى الجانب وهو يفكر بعمق، وكأن السؤال قد أيقظ فيه ذكرياتٍ من عالمٍ آخر. هز رأسه ببطء، ونظر إلى آرثر بعينين تبدوان وكأنهما بئرٌ لا قاع له من الظلام.

‏"من أنا؟" كرر ليوين السؤال بهدوء مرعب، "هممم.. سؤالٌ فلسفي في وقتٍ غير مناسب. لكن، بما أننا في النهاية، سأجيبك."

‏خطا ليوين خطوة للأمام، وهالته السوداء بدأت تلتهم النور المتبقي في الساحة. "بالنسبة لأصدقائي، ولأولئك الذين يسيرون في ظلي.. أنا أخٌ شرب من نفس الكأس المرة التي شربوا منها، أنا الحامي الذي لا يراه أحد. أما بالنسبة لأعدائي، ولأولئك الذين يقفون في طريق بقائي.. فأنا الموت الذي لا يخطئ طريقه."

‏صمت ليوين للحظة، ثم تابع بنبرة تزداد برودة: "وبالنسبة لهذا العالم، ولهذه الرواية. أنا مجرد شخصية إضافية، حبرٌ زائد على الهامش، شخصٌ لم يكن من المفترض أن يتذكره أحد."

‏ثبت ليوين نظره في عيني آرثر، وانفجرت مانا الظلام من حوله لتشكل إعصاراً صامتاً. "ولكن بالنسبة لك يا آرثرأنا لست مجرد طالب. أنا الظلام الذي سيصل لعمق روحك ويبتلع نورك الزائف إلى الأبد."

‏رفع آرثر سيفه، واشتعل النور الفضي من جسده في محاولة أخيرة لاستعادة السيطرة. "سأنهي هذا الجنون هنا"

‏ضحك ليوين ضحكةً منخفضة، ورفع خنجره "النور دائماً ما يظن أنه النهاية، يا آرثر.. لكنه ينسى دائماً أن الظلام كان موجوداً قبل أن توجد الشمس، وسيبقى موجوداً بعد أن تنطفئ."

‏انطلق ليوين نحو آرثر بسرعة لا تدركها العين، وبدأ الصدام النهائي الذي سيحدد ما إذا كانت "الشخصية الإضافية مع ظلامها ستهزم البطل أم أن النور سيجد طريقاً وسط هذا السواد الحالك.

‏---

2026/03/24 · 37 مشاهدة · 765 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026