‏---

‏لم يكن المكان الآن مجرد غابةٍ عتيقة تشهد اختباراً مدرسياً روتينياً، بل تحول في جزءٍ من الثانية، وبفعل إرادةٍ فولاذية قاهرة، إلى "منطقة انعدام قانون" مطلقة، ساحة إعدامٍ كوني حيث سقطت كل الأعراف والمقاييس البشرية. في مركز هذا الجنون، انفجرت مانا ليوين

‏ المظلمة كأنها ثقب أسود أزلي انفتق بغتةً في قلب الواقع المستقر؛

سوادٌ سائل، لزج، وكثيف لدرجةٍ مرعبة، لم يكتفِ بحجب الرؤية، بل بدأ يمتص الأكسجين والنور وحتى الأمل من المحيط بِنَهَمٍ جوعٍ وحشي، محولاً الهواء النقيب إلى سمٍ باردٍ وقاتل يخنق الرئتين ويجمد الدم في العروق قبل أن يلمس الجسد.

‏وفي المقابل، ورداً على هذا التحدي الوجودي، انتفض آرثر بهالة نورانية بيضاء مقدسة، لم تكن مجرد ضوءٍ ساطع يكشف الظلمة، بل كانت "نوراً حارقاً" وبلازما طاقة تشع بقوة شمسٍ مصغرة حُشرت في جسد بشري.

نورٌ صلب، نقي، وكأنه ألماسٌ مُذاب يصطدم بجدران الظلام الأزلي الملتفة حوله، ليحدث دويّاً صاعقاً تسبب في اهتزاز جذور الغابة تحت أقدامهما وشرخ السماء فوق رؤوسهما.

‏انطلق الخصمان نحو بعضهما البعض. لم يكن انطلاقاً بشرياً يمكن رصده بالحواس العادية، بل كان أقرب لصاعقتين متعاكستين، نيزكين محملين بالدمار يتصادمان في فراغ الفضاء.

في كل ثانية تمر، كانت تُسمع عشرات الصدمات المعدنية المتلاحقة التي صمت الآذان:

تشانغ.. تشانغ.. تشانغ

كان صدى تحطم حاجز الصوت يرافق كل ضربة، متبعاً بوميضٍ أسود-أبيض ناتج عن احتكاك الطاقات المتضادة.

‏خنجر ليوين الأسود، المغطى بظلامه، لم يعد يُرى بالعين المجردة؛ لم يكن سلاحاً بل كان يتحرك كخيطٍ غادر من العدم، نصل مستقيم من العدمية الخالصة يبحث بهستيريا عن أصغر ثغرة،

أضعف نقطة في جدار النور الصلب المحيط بآرثر ليزرع الموت فيها. وبالمقابل، كان سيف آرثر الفضي يرسم في الفضاء أقواساً من البياض المطلق والقداسة، يقطع بها الظلال الحية التي تحاول الالتفاف حول قدميه كأفاعي مانا جائعة، مانعاً إياها من لمس جسده بفضل النور اليحيط به

‏كان القتال "ندياً" لدرجة مرعبة تجمدت لها قلوب المشاهدين؛ صراعاً متكافئاً بين القوة الخام والمكر الفائق. ليوين يستخدم **[خطوة الظل]** بإتقانٍ مرعب، ليختفي تماماً في الأرض المحروقة ويظهر في الزمكان التالي من زوايا مستحيلة خلف ظهر آرثر،

مسدداً طعناتٍ قاتلة نحو القلب والرقبة. لكن آرثر، بفضل غريزته القتالية الخارقة وبصيرته النورانية، كان يطلق **[انفجار الفجر]** في كل مرة يوشك فيها نصل ليوين على ملامسته؛ وهي موجة ضغط نوري هائلة تطرد الظلال بعيداً بعنفٍ وتجبر ليوين على التراجع قسراً قبل أن يتمكن من إكمال هجومه الغادر.

‏العرق يقطر بغزارة ويتبخر فوراً بفعل الحرارة المنبعثة من هالة آرثر، والدماء تتطاير من خدوشٍ وجروحٍ طفيفة بدأت ترتسم كخريطة للألم على وجوههما وأجسادهما المنهكة،

لكن نظراتهما كانت ثابتة، جامدة، وخالية من أي مشاعر سوى الرغبة في السحق؛ كلاهما يدرك بعمق أن الخطأ الواحد، التردد لجزء من الثانية، يعني النهاية المحتومة.

‏---

‏لكن القتال الحقيقي، الصراع الوجودي الأكبر، لم يكن يدور "تحت" على الأرض الصلبة، بل كان "فوق" رؤوسهما بمسافة شاهقة، حيث نشب صراعٌ من نوعٍ آخر، صراعُ العمالقة والهالات الذي صبغ السماء بألوان الفناء والقيامة.

‏كانت هالة ليوين تتجسد على شكل "أذرع أخطبوطية" عملاقة ومنفرة من السواد المحض والعدم، تمتد بجوعٍ وحشي لا يشبع لتحيط بوهج آرثر النوراني المتماسك وتخنقه ببطء.

في كل مرة ينجح فيها الظلام في تغطية النور تماماً، كان المكان يغرق في عتمةٍ مطلقة، سكونٍ جنائزي يشل الحواس الخمس ويجمد الحركة، وكأن العالم بأسره قد كُفن بعباءة الموت الأزلي واستسلم للعدم.

‏لكن، وسط هذا السواد الحالك الذي يبتلع الأمل، كان نور آرثر "ينفجر" دوماً من الداخل بقوةٍ مضاعفة؛ خيوطٌ ذهبية وبيضاء تمزق غلاف الظلام الكثيف كأنها خناجر من البرق الصافي والقداسة،

لتشق طريقها بعنف في قلب العتمة وتعيد الضوء قسراً رغماً عن إرادة الظلام

‏كان الظلام "يبتلع" النور في دورةٍ لا نهائية من التهام الطاقة، والنور بدوره "يحرق" الظلام كالنار التي تأكل الورق. وفي الأرض،

كان صراعاً وجودياً بين بشري يجسد "النور" بكل معانيه من أمل وحياة وحرارة، وبشريٍّ آخر يجسد "الظلام الأزلي" بكل ما يحمله من غموض وموت وبرودة مطلقة.

‏الضغط الجوي الرهيب الناتج عن اصطدام الهالتين العملاقتين فوق رؤوسهما جعل الأشجار العتيقة المحيطة بساحة المعركة تتفتت وتتحول إلى ذرات من الغبار الخشبي في لمح البصر،

والصخور العملاقة تتشقق وتتطاير شظاياها كأنها زجاجٌ رخيص تحت وطأة مطرقة عملاقة خفية. كان ليوين يدفع بكل ذرة من مانا الظلام لديه لتخنق خصمه وتجمد مانه، وآرثر يرد بضخ مانا النور بكل ما أوتي من قوة لتبديد العدم وحرق جدران السواد التي تحاصره.

كان المكان يغلي بقوةٍ خارقة للطبيعة، كأن الطبيعة نفسها تصرخ من الألم تحت وطأة قدميهما.

‏---

‏على الجانب الآخر من الغابة المحترقة، وداخل القاعة الكبرى للأكاديمية، كان الصمت أثقل من الجبال المدرسون، الذين عاصروا حروباً وصراعاتٍ شتى، وقفوا متجمدين في أماكنهم كأنهم تماثيل من الملح،

وعيونهم معلقة بالشاشات العملاقة التي كانت تهتز بعنفٍ وتتشوش صورها من شدة الطاقة المنبعثة من المعركة، كأنها على وشك الانفجار.

‏في الصف الأول، وقف **كايزر**، **مايك**، **مايكل**، و**ليا**. وجوههم كانت شاحبة كالموتى، خالية من أي تعبير سوى الرعب الذهول، كأنهم يشاهدون نهاية العالم بأعينهم. كايزر، الأمير المغرور الذي كان يظن في قرارة نفسه أنه يستطيع هزيمة ليوين وآرثر ببرقه،

ابتلع كبرياءه بصمتٍ مرير، كان يشعر برعبٍ حقيقي يسري في أوصاله؛ فهو لم يرَ قط ظلاماً بهذا العمق الكوني، ولا نوراً بهذا الثبات الجبلي. أدرك في تلك اللحظة حجم الفجوة التي تفصله عنهما، وأن كبرياءه كان مجرد وهم طفولي أمام هذه القوة الخام.

‏مايكل، أمير الإيلف الحكيم، كان يراقب الرياح المحطمة والمانا الممزقة في ساحة المعركة ويدرك، بحسه العالي للطبيعة، أن مستواهما قد تجاوز حدود الطلاب بمراحل ضوئية،

بل تجاوز حدود بعض المدرسين الأكفاء. كان يرى في قتالهما توازناً كونياً خطيراً يوشك على الانفجار.

‏أما **ليا**، حبيبة آرثر وتلميذة القديسة، فكانت تمسك بيديها بقوةٍ لدرجة أن أظافرها انغرست في لحمها، ودموعٌ صامتة وحارقة تلمع في عينيها. كانت تشعر بالضغط الهائل والمسؤولية الكبرى التي يواجهه آرثر،

وبالقسوة الباردة والجوع الذي ينضح به ليوين. كان المشهد مهيباً ومرعباً لدرجة تجعل المرء ينسى أن هؤلاء المقاتلين مجرد "طلاب" في ريعان الشباب،

‏في وسط هذا الذهول العام والجمود السائد، كانت السيدة **سيليا**، سيدة الأكاديمية الحكيمة، تقف بشموخٍ أسطوري لم يهتز قيد أنملة. كانت تبتسم ابتسامة غامضة، عميقة، ومحملة بالمعاني،

وعيناها الزرقاوان الثاقبتان تلمعان بانعكاس الصراع الملحمي الدائر على الشاشة. لم تكن ترى مجرد طالبين موهوبين يقتتلان بعنف من أجل المركز الأول، بل كانت ترى برؤيتها الثاقبة "أمل البشرية" الساطع و"درعها المظلم" الصلب في أبهى تجلياتهما.

‏"انظروا إليهم جيداً، ولا ترمشوا،" قالت سيليا بصوتٍ رخيم، عميق، وهادئ، لكنه اخترق صمت القاعة كأنه رعد، "هذا ليس مجرد قتال أكاديمي سخيف على المركز الأول والامتيازات. هذا هو التوازن الكوني الذي يحتاجه عالمنا المتهالك ليستمر في الوجود."

‏التفت إليها المدرسون بذهولٍ وصدمة من كلماتها الجريئة، فأكملت وهي تشير بصرامة نحو الشاشة حيث كان ليوين وآرثر يصطدمان من جديد في انفجارٍ هائل للألوان والطاقة:

"النور الذي يقود الأمة ويمنحها الأمل في أحلك الظروف، والظلام الذي يحمي في الخفاء ويرتكب الفظائع الضرورية لبقاء هذا النور. القوة التي تمنح الأمل وتجمع القلوب، والقوة التي تقتل الخوف وتستأصل التهديد من جذوره المظلمة."

هذان الاثنان.. آرثر وليوين.. هما من سوف ينقذون هذا العالم من الموت المحتوم والدمار الشامل. هما وجهان لعملةٍ واحدة، لن يكتمل أحدهما دون الآخر، ولن يعيش النور طويلاً دون الظل الذي يحميه."

‏---

‏في ساحة المعركة، كان الضغط القتالي قد وصل لذروته القصوى. ليوين، بحركةٍ غادرة وسريعة كالبرق الأسود، سدد طعنة غادرة ومستقيمة استهدفت حنجرة آرثر بدقة قاتلة، حارمةً إياه من التنفس أو إطلاق التعاويذ. لكن آرثر، بفضل مباركة النور وغريزته التي شُحذت في الموت، مال بجسده في أجزاء من الملي ثانية،

تاركاً النصل الأسود يمر بجانبه، ليصيب كتف ليوين بجرحٍ سطحي بسيفه الفضي في حركة مضادة برقية.

‏تراجع ليوين بضع خطوات سريعة للخلف، والدم الأسود الملوث بالمانا المظلمة يقطر فوق التربة المحروقة التي تآكلت فوراً بفعل مانه الفاسدة. "لن تفوز يا آرثر؟" قال ليوين وصوته يحمل رنيناً بارداً كالثلج الأزلي،

وعيناه تلمعان بحقدٍ قديـم. "الظلام دائماً يبتلع كل شيء في النهاية، حتى النور الساطع مثلك."

‏رفع آرثر سيفه الفضي عالياً، والنور المقدس من حوله يزداد كثافة وحرارة حتى بدأ يذيب الهواء نفسه ويخلق دوامات من البلازما الحارقة. "لا يوجد غيري من سوف يفوز هنا، ليوين!"

‏انطلقا من جديد نحو بعضهما البعض، وفي تلك اللحظة الحاسمة، تحولت الهالتان الأسطوريتان فوق رؤوسهما إلى كيانين عملاقين، متجسدين من الطاقة الخالصة؛ "تنين النور الفضي" المهيب بزئيره الذي يصدع الجبال، و"غراب الظلام الأزلي" الغادر بصيحته التي تجمد القلوب،

وبدآ في تمزيق بعضهما البعض بأنياب ومخالب من ظلام ونور في سماء الغابة الملعونة التي لم تشهد مثيلاً لهذا الصدام من قبل.

‏ومع اصطدامهما النهائي والأعنف، اهتز الواقع بأسره، معلنين بداية الصدام النهائي والملحمي الذي سيكتب تاريخاً جديداً، دموياً ومجيداً، داخل هذا العالم الذي أوشك على الانفجار تحت وطأة قوتهما الجبارة.

كانت الأرض تصرخ، والسماء تبكي برداً ونوراً، والكون بأسره يحبس أنفاسه بانتظار المنتصر في هذا الصراع الوجودي بين النور والظلام.

2026/03/24 · 31 مشاهدة · 1415 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026