‏بعد الانفجار المجلجل الذي زلزل أركان الغابة الملعونة، وأحدث فجوة في نسيج المانا نتيجة تصادم "تنين النور الفضي" و"غراب الظلام الأزلي"، ساد صمتٌ مرعب ومفاجئ في ساحة المعركة. كان صمتاً ثقيلاً كالجبال، وكأن الطبيعة نفسها قد أصيبت بالذهول وحبست أنفاسها هلعاً مما ستسفر عنه هذه المواجهة الانتحارية.

انقشع الغبار والشرارات السحرية ببطءٍ شديد، لتكشف عن مشهدٍ تدمى له القلوب وتقشعر له الأبدان؛ مشهدٍ لجسدين بشريين رفضا الانحناء أمام قوانين المنطق.

‏كان آرثر وليوين يترنحان في مكانهما كأشجارٍ ضربتها العاصفة ولم تسقط. ثيابهما التي كانت يوماً تمثل فخر الأكاديمية تحولت إلى مزقٍ بالية مخضبة بالدماء، والجروح والخدوش غطت كل إنشٍ من جسديهما المنهكين.

كان التنفس يخرج من صدورهما كفحيح الأفاعي، وكلاهما بالكاد يقف على قدميه بفعل الإنهاك الذي وصل إلى نخاع العظام وتجاوز حدود التحمل البشري بمراحل.

‏وفجأة، وسط ذلك السكون القاتل، سُمع صوت"تـك" حاد وواضح، كان وقعه كصوت انكسار قلب العالم.

‏نظر ليوين ببطء، وعيناه المثقلتان بالدم تبحثان عن مصدر الصوت، ليرى خنجره الأسود -الذي طالما كان ظله الوفي ورفيقه في كل اغتيال وصراع- قد انكسر من المنتصف تماماً. سقط النصل العلوي المكسور على الأرض الموحشة بصوتٍ معدني حزين،

تاركاً في يد ليوين مجرد قبضة ونصف نصل. لم يكن الانكسار ناتجاً عن ضعفٍ في مهارة ليوين القتالية أو وهنٍ في عزيمته، بل كان نتيجة حتمية للضغط الجوي الهائل والاصطدامات المتكررة ضد سيف آرثر الفضي،

الذي صُقل بسحر القداسة وبأيدي أعظم حدادي الإمبراطورية، مقارنةً بخنجر ليوين الذي، رغم مهارته، ظل معدناً من الدرجة الثانية لا يقوى على مجابهة الأسلحة الموجوده للأبطال.

‏توقف آرثر عن الهجوم فوراً، وهو ينظر إلى الخنجر المنكسر بعينين تملؤهما الحيرة والتعب الشديد. في تلك اللحظة، لم يشعر آرثر بلذة الفوز أو نشوة الانتصار؛ بل شعر بغصةٍ مريرة في حلقه طغت على ألم جروحه. كبرياؤه كفارسٍ وسياف لم يجعله يحتفل بنصرٍ كان سببه

"جودة المعدن" وليس "قوة الساعد" أو "تفوق الروح". أدرك آرثر، بمرارة، أن ليوين استطاع أن يصمد أمام سيفه المشبع بالمانا المقدسة باستخدام سلاحٍ رديء، وهو ما جعل هذا التعادل يبدو في عين "البطل" هزيمةً نفسية ساحقة.

‏نظر ليوين إلى بقايا خنجره الملقى في التراب، ولم يظهر على وجهه المشوه أي أثر للحزن أو الندم أو حتى الغضب. بل على العكس، ارتسمت على شفتيه الداميتين ابتسامة هادئة، غامضة، ومستفزة في آنٍ واحد.

مسح الدماء عن شفته السفلى بظهر يده، وقال بصوتٍ مبحوح يحمل حشرجة الموت: "لقد انتهت رحلتك معي هنا.. لقد قدمت أكثر مما طُلِب منك. فلتسترح الآن في سلام."

‏رمى ليوين مقبض الخنجر المتبقي بعيداً باستهانة، ثم فعل شيئاً لم يتوقعه أحد، لا آرثر ولا حتى المدرسون خلف الشاشات. ضغط على قبضتيه بقوة حتى برزت عروقه، ورفع ذراعيه أمام وجهه بوضعية "الملاكم" الشرس الذي يستعد لقتالٍ شوارعي لا رحمة فيه ولا قواعد.

في تلك اللحظة، اختفت المانا تماماً من الجو، وتلاشت الهالات السحرية بسبب الاستنزاف الكلي لمخزون الطاقة لدى الطرفين، ولم يبقَ في الساحة سوى الرجل وقبضته الملطخة بالدماء.

‏نظر آرثر إليه بذهولٍ لثوانٍ، ثم، وبابتسامةٍ صادقة تملؤها الاحترام المتبادل بين خصمين لا يلتقيان إلا في الموت، غرس سيفه الفضي في الأرض بقوةٍ جعلت المقبض يهتز. لم يعد آرثر بحاجةٍ للسحر أو السلاح؛

لقد أراد أن ينهي هذا الصراع بكرامة متساوية، كفارس ضد فارس. اتخذ آرثر وضعية الملاكم أيضاً، ووقف شامخاً رغم كدماته التي بدأت تتحول للون الأرجواني الداكن.

‏نظر ليوين إليه وضحك بخفوتٍ هز جسده المتألم: "يا لك من أحمقٍ نبيل يا آرثر.. هذه كانت فرصتك الوحيدة والذهبية لهزيمتي بالسيف وإنهاء هذا العبء. لماذا تخليت عن ميزتك الوحيدة مقابل قتالٍ قد يحطم عظامك؟"

‏رد آرثر بصلابةٍ هزت الصمت: "كلا.. لن أعترف بمثل هذا الفوز الرخيص. السيف الذي يكسر خنجراً رديئاً لا يستحق أن يُرفع في وجه محارب صمد أمامي بهذه القوة. اليوم، سنقرر من هو الأفضل بأيدينا العارية."

‏---

‏وهكذا، وبدون سابق إنذار، بدأت "الجولة الثانية" من الجحيم. بدون طاقة مانا، وبدون دروع سحرية، وبدون حيلٍ غيبية. انطلق ليوين كالنمر الجريح الذي فقد مخالبه ولم يفقد غريزته،

وسدد ضربة يمينية مستقيمة وقوية استقرت مباشرة في فك آرثر، ليرتد رأس "البطل" للخلف بقوةٍ جعلت أسنانه تصطك. لم يتراجع آرثر قيد أنملة؛ بل رد فوراً بلكمة يسارية مدوية سحقت وجنة ليوين وأعادت لونه للون الدماء.

‏واستمر الأمر على هذا المنوال البشع. لأكثر من عشر دقائق متواصلة، كان الصوت الوحيد المسموع في الغابة الملعونة هو صوت "اللطمات" الجسدية العنيفة وتحطم اللحم فوق العظام. ضربة بضربة، ولكمة بلكمة.

كانت وجوههما تتحول تدريجياً إلى كتلة مشوهة من الكدمات والانتفاخات. لم يعد هناك فنٌ قتالي راقٍ، بل كان "صراع بقاء" وجودي يختبر من يملك إرادةً أصلب من جسده.

‏خلف الشاشات في الأكاديمية، ساد ذهولٌ مطبق. الطلاب الذين كانوا يهتفون لآرثر والذين كانوا يخشون ليوين، وقفوا جميعاً صامتين. لم يعد الأمر قتالاً بين "نور" و"ظلام"،

بل تحول إلى عرض مرعب للعناد البشري. كايزر، الذي كان يفتخر دائماً بأساليبه السحرية المتطورة، شعر بالخجل وهو يرى هذين الاثنين يمزقان بعضهما البعض بأيدٍ عارية. أما ليا، فقد كانت تبكي بصمت، يديها ترتجفان وهي ترى "النور" الذي تحبه يتلطخ بالدماء والطين، و"الظلام" الذي تخشاه يرفض أن ينكسر رغم انكسار سلاحه.

‏سدد آرثر ضربة أخرى بكل ما تبقى له من قوةٍ في ذراعه المرتجفة، لكن ليوين، بغريزةٍ قتالية فذة، أمسك بذراعه المندفعة ببراعة. حاول آرثر تسديد ضربة خاطفة بذراعه الأخرى، فصدها ليوين أيضاً بيده الثانية. تشابكت أيديهما الآن في صراع قوةٍ يدوية،

وضغط كل منهما على الآخر بجهدٍ جهيد جعل عضلاتهما تتمزق. لم يعد أي منهما قادراً على تحريك ذراعيه أو تسديد لكمة واحدة.

‏---

‏هنا، وبدون كلمة واحدة، بدأت "الجولة الثالثة والأخيرة".

‏باعتمادٍ كلي على العناد الصرف، قدم ليوين رأسه بقوةٍ هائلة ونطح جبهة آرثر. **"بام!"** دوت النطحة في أرجاء المكان كأنها ضربة مطرقة فوق سندان. لم يتراجع آرثر، ولم يسقط؛

بل حبس أنفاسه، وأرجع رأسه للخلف ثم دفعه بكل قوته، ناطحاً جبهة ليوين في المقابل. نطحة، مرتين، ثلاث، أربع.. استمرت النطحات المتبادلة حتى توقف كلاهما عن العد.

‏كان المنظر مرعباً. وجه آرثر تشوه بالكامل، وعينا ليوين كادتا تنغلقان تماماً من أثر النزيف، لكنهما كانا يضحكان وسط الألم الفظيع. كان الضحك مبحوحاً، خارجاً من صدور مهشمة، لكنه كان صادقاً.

في تلك اللحظة، تلاشت الفوارق الطبقية، وتلاشت خطوط القدر؛ لم يعد هناك "بطل مختار" و"شخصية جانبية"، كان هناك فقط محاربان وصلا إلى قمة الوجود من خلال الألم.

‏---

‏وفجأة، وسط هذا التلاحم الدموي، انشق الضباب الكثيف وكأنه يهاب من القادم. ظهرت السيدة **سيليا**، سيدة الأكاديمية العظيمة، بهيبتها التي تجعل الوحوش تخضع.

كان وجهها الصارم يحمل مزيجاً نادراً من الإعجاب العميق والقلق. رفعت يدها بحركةٍ رشيقة لتعلن نهاية هذا الجنون.

‏توقف ليوين وآرثر عن النطح بصعوبة، ونظرا إليها بعيونٍ بالكاد تفتح وسط تلالٍ من اللحم المتورم. وبصوتٍ واحد، خرج من حنجرتين ممزقتين بالألم، صرخا بتمرد: "كلا! أستطيع الاستمرار!"

‏هزت سيليا رأسها برفضٍ قاطع: "يكفي هذا الهراء. هذا القتال انتهى هنا وبالتعادل الإجباري. لقد تجاوزتما حدود التحمل البشري، وأي ضربة أخرى قد تعني عاهةً مستديمة أو موتاً لا أريده لكما."

‏اعترض ليوين وهو يتنفس بصعوبة: "سيدة سيليا.. لقد قلتي بنفسكِ إن الاختبار لن ينتهي حتى يبقى شخص واحد فقط واقفاً في الغابة.. ولكن هذه الغابة مازال فيها شخصان واقفان يرفضان السقوط. لم تكتمل المهمة بعد."

‏وافق آرثر بجهدٍ جهيد، وهو يمسح الدم الذي غطى رؤيته: "سيدة سيليا.. أرجوكِ، هذه معركتنا نحن. لا تتدخلي"

‏نظرت سيليا إليهما بعمق، وظهرت على وجهها ابتسامة غامضة جداً، ابتسامة فخرٍ مرير بالأجيال التي صنعتها بيديها. لم تقل كلمة واحدة أخرى،

بل بحركةٍ خاطفة وسريعة كسرعة البرق، ضربت كلاً من ليوين وآرثر في نقطةٍ معينة خلف رقبتيهما بضربة مانا مركزة أفقدتهما الوعي فوراً.

‏"لقد فعلتما ما يكفي ليومٍ واحد، بل ولعمرٍ كامل،" همست سيليا بصوتٍ حنون وهي تنظر لجسديهما الملقيين جنباً إلى جنب على الأرض المحروقة، حيث امتزجت دماؤهما بالتراب.

‏أشارت سيليا ببيانٍ حازم لمساعديها والمسعفين الذين ظهروا من خلفها: "احملوهما إلى المستشفى السحري فوراً. استخدموا أعلى لفائف الشفاء. وضعوهما في غرفة واحدة.. أريد لهما أن يستيقظا وهما ينظران لبعضهما البعض، ليدركا أن العالم أكبر من مجرد مركزٍ أول."

‏بينما كان المسعفون يحملون آرثر وليوين بحذرٍ شديد، توقفت سيليا لوهلة. نظرت إلى سيف آرثر الفضي المغروس بكرامة في الأرض، وإلى خنجر ليوين المنكسر الملقى في وحل الهزيمة والانتصار،

تمتمت لنفسها وهي تبتعد: "ممتع حقاً.. إلى أي مستوى مرعب من القوة سيصل هذا الجيل يا تُرى؟"

‏---

2026/03/24 · 45 مشاهدة · 1330 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026