‏ساد صمتٌ جنائزيٌّ في القاعة الملكية الكبرى لأكاديمية "كلانس"، صمتٌ لم تكسره سوى حفيف الستائر المخملية وبرودة النسيم المتسلل من النوافذ الشاهقة التي تعكس ضوء القمر الشاحب. وقف ليوين على المنصة، وحيداً تحت الأضواء الكاشفة،

‏وكأنه هدفٌ منصوبٌ للرماية في ساحة إعدام. في يده، كانت تقبع تلك الورقة البيضاء، خطاب "المركز الأول" الذي أعدته الإدارة بعناية فائقة ليكون مخدراً لعقول الجيل الجديد، ووسيلة لتلميع صورة المؤسسة أمام الممولين من أباطرة القارة.

‏التفت ليوين ببطء نحو الجانب، حيث تقف المديرة **سيليا**. كانت نظراتها تخترق جسده كأنها نِصالٌ من الجليد الأزرق، تحذيرٌ صامتٌ ونهائيٌّ بأن أي خروج عن النص المرسوم سيعني سحق مستقبله وروحه قبل جسده.

‏استقبل ليوين تلك النظرة ببرودٍ غريب، برود شخصٍ رأى الموت مراراً لدرجة أن تهديدات الأحياء لم تعد تحرك فيه شعرة.

‏وبحركةٍ مفاجئة اتسمت بالاستخفاف المطلق، بدأ بتمزيق الورقة ببطء. كان صوت تمزق الألياف الورقية يتردد صداه عبر الميكروفون السحري، ليملأ القاعة بضجيجٍ مستفز حطم هيبة الموقف.

‏نثر القصاصات تحت قدميه كأنها رفاتُ حكايةٍ تافهة، ثم استدار بكامل جسده ليواجه الجمهور بظهره للمديرة، في إشارة واضحة لعدم الاكتراث بسلطتها.

‏بدأ بتوجيه نظراته أولاً نحو صفوف التلاميذ الجدد، أولئك الذين كانت عيونهم تلمع بالطموح الزائف والخوف المستتر، ثم رفع رأسه ببطء نحو "المقاعد العليا". هناك، حيث يجلس **كبار القوم**؛

‏الملوك بعباءاتهم المرصعة، الجنرالات بندوبهم التي يحملونها كأوسمة، وأباطرة القوة الذين يحكمون القارة من خلف ستور الذهب والدم.

‏انفرجت شفتا ليوين عن ابتسامةٍ غامضة، ابتسامةٍ باردة لم تصل إلى عينيه السوداوين الساكنتين اللتين تشبهان ثقوباً في جدار الزمن.

‏"لقد كانت هذه الورقة.." بدأ ليوين، وصوته ينساب في القاعة بهدوءٍ مرعب،

‏"تحتوي على مديحٍ مطولٍ حولكم. كانت تخبرني أن أقول إنكم الجيل القادم الذي سيحمل القارة نحو آفاقٍ جديدة، وأنكم الأمل الذي سيضيء عتمة المستقبل. خطابٌ كتبه شخصٌ يجلس في مكتبٍ مكيف، لم يلمس يوماً نصل سيفٍ ملوثاً بدم "

‏توقف ليوين فجأة. ساد هدوءٌ مريب لثوانٍ، قبل أن تنفجر منه ضحكةٌ جافة، ضحكةٌ تقطر ازدراءً وسخريةً، اهتزت لها أكتافه وهو ينظر إلى الوجوه المحتقنة أمامه. كان صدى ضحكته يرتد من الجدران الرخامية ليشعر الجميع بالمهانة.

‏"أنتم؟" سأل بنبرةٍ ساخرة وهو يشير بإبهامه نحو الحاضرين، "أنتم مجرد حمقى.. تظنون أن الحياة تدور حول المكانة والمنزلة، حول رتبٍ تافهة تضعونها على صدوركم لتشعروا بأنكم متميزون. تظنون أن العالم سينحني لكم لمجرد أنكم ورثتم أسماءً رنانة، أو لأنكم تملكون مانا تفيض من أجسادكم كالدخان بلا فائدة."

‏تلاشت ضحكته فجأة، وحل مكانها برودٌ قارس جعل درجة حرارة القاعة تبدو وكأنها انخفضت تحت الصفر. تقدم نحو حافة المنصة،

‏وأشار بيده نحو الطلاب الذين لا يزالون يرتدون ضمادات جراحهم، والذين بدأت ملامح الصدمة والذهول ترتسم على وجوههم.

‏"في الاختبار الماضي، رأيتكم تموتون.. واحداً تلو الآخر. والأسوأ من ذلك، أنكم متّم وأنتم لا تعلمون حتى كيف قُتِلتم. كانت الضربة تأتي من الظلام، تخترق حناجركم بينما كنتم لا تزالون تفكرون في 'بروتوكول القتال' أو 'جمالية المهارة'.

‏"لقد سُحقتم كالحشرات لأنكم آمنتم بكذبة أن الرتبة تحمي صاحبها، أو أن المدرسين سينقذونكم في اللحظة الأخيرة. الحقيقة هي أن الموت لا يهتم بتصنيفك الدراسي."

‏اختفت الابتسامة تماماً من وجه ليوين، وصار صوته خشناً يحمل مرارة السنين التي قضاها وسط جثث عالمه القديم.

‏"أيها الحمقى.. برأيكم، لو كانت هذه أرض حربٍ حقيقية، وانتم تموتون بهذا الشكل المخزي.. ألن يكون عاراً على البشرية مجرد وجودكم؟ القوة ليست لقباً يُمنح في احتفالٍ منمق، بل هي غريزة بقاءٍ افتقدتموها جميعاً في زحمة غروركم بالانتماء لهذه الأكاديمية اللعينة."

‏تعالت همسات الاستنكار في القاعة. رأت العيون المذهولة طالباً مجهولاً يهين تاريخ "كلانس" العريق. لكن ليوين لم يتوقف، بل استدار ببطء ليصوب نظره نحو "الأبطال الخمسه" الجالسين في الصدارة:

‏آرثر بملامحه المتفاجئة، كايزر بوجهه المحتقن، ليا التي تجمدت أنفاسها، ومايكل الذي كان يضغط على قبضة كرسيه بقوة. ثم رفع إصبعه مشيراً إليهم أمام أعين آبائهم الجالسين في الأعلى. مايك الذي كان جالس بصمت

‏"وهؤلاء الحمقى الخمسة.." قال ليوين بصوتٍ مرتفع تردد صداه في كل ركن، "هم ورثة كبار الشخصيات الذين يجلسون خلفكم كالأصنام. الموهبة العظيمة، الدماء النبيلة، والمستقبل المشرق.. هكذا يصفونهم، أليس كذلك؟"

‏في تلك اللحظة، حدث شيءٌ مذهل. اهتز الهواء في القاعة فجأة بفعل ضغطٍ هائل. انفجرت **نية قتل** جماعية من كل زاوية؛ المديرة سيلفيا التي بدأت

‏خصلات شعرها تتطاير بفعل طاقتها، المدرسون رتبة (S) الذين استعدوا للتدخل، وكبار الشخصيات في المقاعد العليا الذين شعروا بإهانة لم يسبق لها مثيل.. الجميع أطلق هالته القاتلة نحو ذلك الفتى الواقف على المنصة.

‏كان الضغط كفيلاً بجعل أي طالبٍ عادي ينهار باسطاً يديه على الأرض من شدة الرعب والضغط النفسي، لكن ليوين ظل واقفاً، جسده لم يرتجف، بل وزادت ابتسامته اتساعاً وهو يشعر بأنظارهم التي تريد تمزيقه إرباً.

‏"على الرغم من مكانتكم الكبيرة وموهبتكم التي لا تُضاهى،" أكمل ليوين وهوه يقصد بكلامة ورثاء العائلاة النبيلة الخمسه ببرودٍ لم يتأثر بضغط الهالات،

‏"إلا أنه تم التلاعب بكم كالحمقى على يدي. برأيكم.. لو كانت هذه حرباً حقيقية، ألن يكون من العار أن نتبع أشخاصا مثلهم؟"

‏نظر مباشرة إلى كايزر ومايكل اللذين كانت ملامحهما تغلي غضباً يوشك على الانفجار.

‏"طوال الاختبار، كان هؤلاء الخمسه يفكرون في صورتهم، في نقاطهم، وفي كيف يبدون كأبطال مثاليين أمام العدسات. لم يهتموا أبداً بباقي الشخصيات الموجودة حولهم من زملائهم لأنهم كانو يضنون أن بمكانتهم وقوتهم لن يجرؤ أحد على قتالهم"

‏انفجر الغضب في المقاعد العليا. نهض **والد كايزر (غضب السماء)**، وتشكل رعدٌ أزرق عنيف في كف يده، محولاً الهواء من حوله إلى شحنات كهربائية مميتة. كان وجهه أحمر قانٍ من شدة الإهانة،

‏وعيناه تلمعان ببرقٍ حقيقي. كان على وشك إبادة المنصة بمن عليها، لولا أن **سيليا** تحركت بسرعة البرق، ووقفت أمام ليوين مباشرة، وهي ترفع يدها لتكبح جماح رعد الجنرال بهالتها الخاصة التي غلفت المكان بضغطٍ جليدي.

‏"يكفي!" صرخت سيلفيا بصوتٍ هادئ لكنه يحمل سلطة مطلقة خمدت لها ثورة البرق.

‏التفتت سيليا نحو ليوين، وكانت عيناها تشتعلان بلهيبٍ مكتوم من الغضب والفضول المرعب في آنٍ واحد. قالت بصوتٍ منخفضٍ يصله هو وحده، يحمل وعيداً لا رجعة فيه:

‏"ليوين.. لقد صنعتَ عدواً من العالم كله في خمس دقائق. بعد انتهاء هذا الاحتفال، تعال إلى لقائي في مكتبي فوراً.. ولا تحاول الهرب، لأن الأرض لن تسعك."

‏لم يرد ليوين بكلمة، ولم يظهر أي ندم. استدار ببرودٍ تام، ونزل من المنصة بخطواتٍ موزونة واثقة، مخلفاً وراءه قصاصات الورق الممزقة التي كانت تذروها الرياح فوق السجاد الأحمر.

‏سار في الممر الطويل وسط القاعة، تحت أنظار مئات العيون التي كانت تقطر حقداً وغضباً ودهشةً. مر بجانب آرثر الذي كان ينظر إليه بعمق، وبجانب كايزر الذي كاد يمزق مقعده من الغيظ.

‏خرج ليوين من الأبواب الضخمة للقاعة، تاركاً وراءه فوضى عارمة واحتفالاً تحول إلى جنازةٍ للكبرياء. استنشق هواء المساء البارد، ونظر إلى السماء المظلمة التي تذكره بليلة حريقه الكبير.

‏وضع يده في جيبه، ملامساً تلك القوة التي تنمو بداخله، وهمس لنفسه: 'ن، م، الـ.. لقد رأيتموهم؟ العظماء يرتجفون من كلمة، والأبطال يغرقون في عارهم. '

‏'لكن ما لا يعلمه هؤلاء الحمقى أن نهايتهم قادمة؛ في الرواية ذُكر فوز آرثر وقتله لملك الشياطين، وانتهت الحرب الكبرى بفوز البشرية، لكن هذه ليست الحقيقة الكاملة. بعد انتهاء الحرب، أولئك الذين بقوا على قيد الحياة هم بضع مئات من الناس فقط، أي أن أكثر من 98% من البشرية قد مُحيت من الوجود.. إذن، أين الفوز في هذا؟'

‏مشى ليوين مبتعداً عن القاعة، بينما كان صدى صوته لا يزال يطن في رؤوس الحاضرين كالجرس الجنائزي،

‏---

2026/03/25 · 44 مشاهدة · 1183 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026