انتهى الحفلُ المشؤوم بعد ساعات من خطاب ليوين، لكنَّ صداهُ لم يغادر الجدران العتيقة لأكاديمية "كلانس". بقيت القاعة تئنُّ تحت وطأة الكلمات التي ألقاها، بينما انسحب كبار الشخصيات بوجوهٍ تشتعلُ حنقاً،
وعيونُ المدرسين تلاحق ظلَّ الفتى ذي الشعر الرمادي بنظراتٍ تجمع بين الريبة والرغبة في السحق. مرت ساعاتٌ ثقيلة، كان فيها ليوين يسيرُ وحيداً في ممرات الأكاديمية الطويلة،
وصوتُ وقعِ خطاه المنتظم هو الموسيقى الوحيدة التي تشقُّ سكون الليل المريب.
لم يهرب، ولم يتوارَ عن الأنظار. بل كان يتجه بخطىً واثقة نحو "برج الإدارة"، حيث يربضُ مكتب المرأة التي تحكم هذا الصرح بيدٍ من حديد. وصل ليوين إلى الباب الخشبي الضخم،
المزخرف بنقوشٍ سحريةٍ تحاكي تنانين العصور الغابرة. رفع يده، وطرق الباب ثلاث طرقاتٍ هادئة، باردة، ومستفزة في ثباتها.
"ادخل."
جاء الصوتُ من الداخل حاداً كشفرة الحلاقة، يحمل برودةً تتجاوز صقيع الشتاء. فتح ليوين الباب ودخل، لتقابله رائحةُ بخورٍ عتيقٍ ممزوجةٍ برائحة "المانا" الخام التي كانت تملأ الغرفة بضغطٍ غير مرئي. خلف مكتبها
العريض المصنوع من خشب الأبنوس، كانت **سيليا** تجلس بوقارٍ ملكي، عيناها الزرقاوان كانتا تنظران إليه بجمودٍ مخيف، لكن خلف ذلك الجمود، كان هناك بركانٌ من الغضب المكبوت يوشك على الانفجار.
ساد الصمتُ لعدة ثوانٍ، صمتٌ كان ليوين يستمتع به وهو يراقب ملامحها. كسرت سيليا الصمت بكلمة واحدة، خرجت كأنها حكمٌ بالإعدام: "تكلم."
هزَّ ليوين رأسه ببطء، وملامحه خالية من أي تعبير، وردَّ بنبرةٍ تساءلت ببراءةٍ مصطنعة: "أتكلمُ عن ماذا؟"
في تلك اللحظة، انقطع خيطُ الصبر لدى سيلفيا. وبدون حراكٍ جسدي، انفجرت منها هالةٌ مرعبة من المانا
الجليدية. شعر ليوين فجأة بوزنٍ هائلٍ يضغط على رأسه وكأنَّ جبلاً سقط فوق كاهله، أُجبرت قدماه على الانغراس في السجاد الفاخر، بينما بدأ نصفُ المكتب الخشبي
والجدران المحيطة به يتجمدون حرفياً، مغطاةً بطبقةٍ رقيقة من الكريستال الجليدي الذي يعكس ضوء الشموع الخافت.
"عن الهراء الذي قلته!" صرخت سيليا، ووقفت من مقعدها لتندفع نحو وجه ليوين، وهالتها تخنق الأكسجين في المكان.
"لماذا سخرتَ من الجميع؟ لماذا أهنتَ اسم الأكاديمية أمام العالم؟ بل وتماديتَ باستفزاز قادة الممالك الكبرى وعوائل النخبة؟ هل تظنُّ حقاً أن هذه الجدران ستحميك من غضبهم؟"
اقتربت أكثر، حتى صار نَفَسُها البارد يلامس وجهه، وتابعت بصوتٍ يقطر حزماً:
"الأكاديمية ليست مهتمةً بأشخاصٍ مثلك كثيراً. على الرغم من موهبتك الكبيرة، إلا أن المقابر مليئةٌ بالمواهب التي لم تعرف قدرها. حتى لو خسرنا، فلن تنقص القوة البشرية شيئاً مع وجود آرثر"
" الذي يملك موهبةً تضاهيك وربما تتجاوزك بمراحل. لا يوجد سببٌ واحدٌ يمنعني الآن من تسليمك لقادة الممالك ليقطعوا رأسك ويريحوا العالم من لسانك السليط."
كان الضغطُ السحري كفيلاً بتحطيم عظام أي طالب، لكن ليوين، وبطريقةٍ أثارت صدمة سيليا الداخلي، بدأ يبتسم. لم تكن ابتسامة خوف، بل كانت ابتسامةً بدأت تتسع حتى تحولت إلى ضحكةٍ مجنونةٍ وباردة تردد صداها في أرجاء المكتب المتجمد.
"هاهاها.. هذا حقاً مخيف، سيدة سيليا،" قال ليوين وهو يمسح دمعةً وهميةً من طرف عينه، والضحك لا يزال يرتجف في صوته.
"تسليمي لقادة الممالك لقتلي؟ في الحقيقة، كاد قلبي أن يسقط من الخوف."
فجأة، انقطعت الضحكة كما لو بُترت بسكين. اختفت كل مشاعر السخرية وحلَّ مكانها برودٌ كوني، نظرةٌ حادةٌ وسوداء جعلت سيليا تتراجع لا إرادياً خطوةً للوراء.
نبرةُ صوته الآن لم تكن نبرة طالب، بل نبرة شخص لا يملك ما يخسره.
"سيدة سيليا.. هناك سوءُ فهمٍ كبيرٍ هنا،" بدأ ليوين، وصوته يخرج هادئاً كفحيح الأفعى.
"أنا لستُ تابعاً لكِ، ولا لقادة تلك العوائل الكبرى، ولم أطلب يوماً حمايةً منكِ أو من جدرانكِ هذه. هل فهمتِ؟ وصدقيني، مهما حدث الآن أو في المستقبل، لن أطلب منكِ أي مساعدة."
صمت ليوين قليلاً، تاركاً كلماتهِ تنزلق ببطءٍ لتستقر في مسامع سيلفيا المذهولة، ثم تابع: "أولئك الذين أستطيعُ طلب المساعدة منهم وأنا مرتاح البال، يُعدون على أصابع الكف الواحدة.. وأنتِ لستِ واحدةً منهم، ولن تكوني أبداً."
استدار ليوين ببطء، متجاهلاً هالة الجليد التي كانت لا تزال تملأ الغرفة، وقال وهو يمشي نحو النافذة ليراقب القلاع البعيدة:
"أما بشأن أنَّ هناك من هو أكثر موهبةً مني.. فهذا مضحكٌ حقاً. يبدو أنكِ نسيتِ من هو صاحب المركز الأول هنا. إنه انا. أنا الذي قتلتُ وتلاعبتُ بأولئك الحمقى الذين ترونهم عباقرة. آرثر؟ إنه مجرد طفلٍ يتبع نصاً لم يكتبه، بينما أنا أكتبُ قدري بيدي."
التفت إليها مرةً أخرى، ونظرةُ الاحتقار في عينيه كانت أوضح من أي وقتٍ مضى.
"سيليا.. هل تظنين أنني خائفٌ من أولئك الحمقى في الخارج؟ لديَّ عشرات الطرق للهروب منهم، وعشرات الطرق لجعل عوائلهم تبكي دماً قبل أن يلمسوا طرف ثوبي."
تقدم ليوين نحو الباب بخطواتٍ رزينة، ووضع يده على المقبض المعدني البارد. قبل أن يفتح الباب، ألقى كلماته الأخيرة ببرودٍ قتل ما تبقى من سلطة سيليا في تلك اللحظة:
"سأذهبُ إلى غرفتي الآن. إن لم يعجبكِ كلامي، أو لم تطق شخصيتي.. فأرسلي لي 'بطاقة الطرد' في الصباح. حينها، سأغادر هذا المكان دون أن ألتفت خلفي، وسنرى من الذي سيخسر الآخر حقاً."
خرج ليوين وأغلق الباب خلفه بهدوء، تاركاً سيليا واقفةً في وسط مكتبها المتجمد، تنظر إلى الفراغ بذهول. لم يكن غضبها هو الذي يسيطر عليها الآن،
بل كان شعوراً الصدمة.. ، وفتىً لا يرى في ملوك الأرض سوى حمقه
بينما كان ليوين يسيرُ في الممر المظلم، همس لنفسه بخاطرةٍ أخيرة: جميعكم سوف تموتون في نهاية هذه الرواية.. وأنتم لا تزالون تتحدثون عن الموهبة والرتب؟ ياللسخرية.'
--