‏أغلق ليوين باب غرفته الخاصة خلفه، تلك الغرفة التي لم تكن مجرد سكن، بل كانت "جائزة" المركز الأول؛ تقع في أعلى طابق في برج النخبة، واسعة لدرجة مستفزة، بأثاثٍ ملكي ونوافذ تطل على كامل مساحة الأكاديمية وكأنها عرشٌ يراقب الرعايا من فوق

‏لم يلتفت ليوين لفخامة المكان، ولا لزجاج النوافذ الذي يعكس ضوء القمر البارد، بل ألقى بجسده المنهك فوق السرير الوثير، وشعر بنعومة الأغطية التي كانت تذكره بمدى ابتعاده عن قذارة وعطن عالمه القديم.

‏"لوحة الحالة،" همس بصوتٍ خافت، كأنه يستدعي شيطاناً مروضاً.

‏انبثقت أمام عينيه شاشة زرقاء شفافة تسبح في الهواء، تعكس ضوءاً فسفورياً خافتاً على وجهه الشاحب وملامحه التي نحتها التعب. استقرت عيناه على إشعار الوميض في الزاوية:

‏**[تم إكمال المهمة بنجاح: الحصول على المركز الأول في اختبار القبول. المكافأة: 5 نقاط حالة حرة.]**

‏نظر ليوين إلى أرقامه الحالية؛ القوة، السرعة، التحمل، وسعة المانا. كانت أرقاماً جيدة لفتى في سنه، لكنها بالنسبة لليوين كانت "ضعيفة" لا تكفي لمواجهة

‏الوحوش التي تسكن المقاعد العليا. لم يتردد طويلاً، ولم يحاول التخصص في سمة واحدة كما يفعل الحمقى الذين يعتمدون على قوة مفرطة في جانب واحد؛

‏فخلافاً للأبطال الذين يملكون "هالة" تحميهم، كان ليوين يؤمن بالتوازن القاتل. "وزع النقاط الخمس بالتساوي على جميع الخصائص،" أمر النظام ذهنياً.

‏في تلك اللحظة، شعر برعشة دافئة وعنيفة في آنٍ واحد تسري في عروقه، كأن مانا العالم الجديد تعيد صياغة أليافه العضلية وعصبه البصري بدقة متناهية. شعر بأن حواسه أصبحت أكثر حدة،

‏وبأن جسده صار أخف وأكثر استجابة لأوامر عقله. أغلق لوحة الحالة بضغطة وهمية، واستسلم لنومٍ عميق، نوم محاربٍ أفرغ جعبته من الكلام والموت لليلة واحدة، واستبدلهما بسكون القبر.

‏***

‏في الصباح التالي، والذي يمثل الانطلاقة الرسمية للعام الدراسي الأول، لم يستيقظ ليوين على زقزقة العصافير أو ضوء الشمس الذهبي، بل على صوت رنينٍ حاد ومستفز ينبعث من "اللوحة الذهبية" الصغيرة

‏التي استلمها من سيليا في الحفل، وهي هوية المركز الأول الخاصة به والتي تعمل كجهاز اتصال وسجل أكاديمي.

‏مد يده بكسل وضغط على اللوحة لإسكات الضجيج، ثم رفع نظره ببطء نحو الساعة المعلقة على الجدار المقابل لسريره. كانت العقارب تشير بوضوح إلى الساعة

‏**7:00** تماماً. أغمض عينيه وفتحهما عدة مرات، يحاول استيعاب الجدول الذي نُقش في ذاكرته الجديدة: الفصل الأول يبدأ في تمام الساعة **7:30**.

‏"همم.. يبدو أنني متأخرٌ كثيراً،" تمتم ببرود لا يتناسب مع حجم الكارثة في يومه الأول كطالب "نخبة".

‏نهض ليوين بهدوء لم يعتد عليه جسده الجديد، ارتدى الزي الرسمي للأكاديمية بخطوات رشيقة؛ القميص الأبيض الناصع، السترة السوداء ذات الحواف الذهبية التي ترمز للمركز الأول،

‏وربطة العنق التي خنقت رغبته في التمرد. خرج من الغرفة مسرعاً، عابراً الممرات الرخامية الطويلة التي تزينها لوحات لأبطال سابقين ماتوا وهم يظنون أنفسهم آلهة.

‏فتح اللوحة الصغيرة لتظهر أمامه خريطة تفاعلية ترسم مساراً ضوئياً نحو فصله الدراسي. ركض في الممرات، متجاوزاً الطلاب الذين كانوا يتجمعون في مجموعات صغيرة،

‏يتهامسون وينظرون إليه بريبة وحقد بعد الخطاب الذي ألقاه بالأمس. لم يلتفت لأي منهم، كان تركيزه منصباً على الوصول.

‏وصل أخيراً أمام الباب الضخم للفصل (أ-1). نظر إلى ساعته؛ لقد كانت **7:31**. دقيقة واحدة من التأخير في أكاديمية "كلانس" ليست مجرد خطأ، بل هي إهانة للانضباط العسكري الذي تفتخر به المؤسسة.

‏لم يطرق الباب، ولم ينتظر إذناً، بل فتحه ببرود ودخل دون أن ينطق بكلمة واحدة، متجهاً مباشرة نحو الصفوف الخلفية تحت نظرات الجميع التي كانت تشتعل غضباً، دهشةً، واحتقاراً صريحاً.

‏"سيد ليوين.. لماذا تأخرت؟"

‏جاء الصوت من خلفه، رزيناً، ثقيلاً، ويحمل هالة من السلطة جعلت الهواء في الغرفة يبدو أكثر كثافة. استدار ليوين ببطء ليتعرف على صاحب الصوت؛ إنه الأستاذ **بير**، أحد المدرسين من الرتبة (S+)،

‏والرجل الذي ذكرت الرواية أنه سيكون المرشد الأساسي لتطور آرثر وسيعمل على صقل موهبته وتطوره المستقبلي. كان بير رجلاً في منتصف العمر، بجرح قديم يمتد عبر حاجبه، وعينين صقريتين لا تفوتان أدنى حركة.

‏نظر ليوين في عيني بير ببرود لم يعهده المدرس في أي طالب من قبل، وقال بهدوء مستفز: "همم.. أظن أنني لم أتأخر كثيراً، يا أستاذ."

‏ضيق بير عينيه، وبدت ملامحه الصارمة وكأنها تقرأ روح ليوين وتبحث عن شقوق الضعف فيها.

‏"دقيقة واحدة كفيلة بتغيير مصير معركة، يا بني. دقيقة واحدة هي الفرق بين النجاة والتحول إلى جثة في زقاق مظلم. أيضا قد تعيد تأخرك هذا أكثر من مرة في المستقبل إذا لم تدرك قيمة الانضباط الآن."

‏ابتسم ليوين ابتسامة غامضة، ابتسامة من يعرف أن "المستقبل" الذي يتحدث عنه بير هو مجرد رماد وكارثة في ذاكرته.

‏"هذا في المستقبل يا أستاذ.. أما الآن، فنحن في الحاضر، والحاضر يقول إن الدرس قد بدأ للتو."

‏دون انتظار رد أو إذن بالجلوس، استدار ليوين وتوجه نحو المقعد الأخير في أقصى زاوية الفصل، بعيداً عن الأضواء. جلس هناك، وألقى نظرة شاملة على الوجوه الموجودة؛ كانت القاعة تضم صفوة الصفوة.

‏في الصفوف الأمامية، كان "الأبطال الخمسة" يجلسون بهيبة: آرثر، كايزر، ليا، مايكل، ومايك. كانوا يمثلون قلب هذا العالم، النخبة التي كُتبت الرواية لأجلهم، والذين كانوا ينظرون إليه بمشاعر مختلطة؛ كايزر كان يشتعل غيظاً، بينما كان آرثر يراقبه بنظرة تحليلية هادئة.

‏ابتسم ليوين لنفسه، وهمس بصوت خافت جداً: "يبدو أنني حقاً في مكان الشخصيات الرئيسية.. يا له من عرضٍ مكرر وممل."

‏بينما بدأ الأستاذ بير بشرح مقدمة معقدة في تاريخ المانا وكيفية التلاعب بتركيبة الجزيئات السحرية، لم يبدِ ليوين أي اهتمام. سند رأسه على كفه، وأغلق عينيه، مستغلاً الدرس الأول ليكمل نومه الذي قطعه رنين الهوية المزعج.

‏لم يبالِ بهمسات الطلاب الذين اعتبروا تصرفه وقاحة لا تغتفر بحق الأستاذ بير، ولا بنظرة سيليا التي ربما كانت تراقبه من خلف الكواليس. كان ليوين يحتاج لكل ثانية من الراحة، لأن عقله كان يحلل آلاف السلاسل الزمنية التي قرأها في الرواية.

‏مر الوقت ببطء قاتل، ومع رنين جرس انتهاء الدرس الأول، استيقظ ليوين ببرود، ونفض غبار النوم الوهمي عن كمه. كانت القاعة تضج بالحركة، حيث بدأ الطلاب بالتوجه نحو ساحة التدريب الكبرى.

‏لقد انتهى الدرس النظري الذي يملأ الرؤوس بالكلمات، وحان وقت الدرس الذي تبرز فيه الحقائق وتُسفك فيه الدماء.. **درس تعلم فن السيف**.

‏وقف ليوين، وتحركت يده بشكل لا إرادي نحو خصره، باحثاً عن ملمس الخنجر الذي لم يمتلكه بعد في هذا العالم، لكن ذاكرة عضلاته كانت تصرخ بالرغبة في القتل.

‏"خنجر.. احتاج إلى خنجر جيد يستمر معي طويلا ."

‏قالها وهو يخرج من الفصل، وعيناه تلمعان ببرق بارد، مستعداً لتحويل ساحة التدريب إلى مسرح جديد من مسارح سخرية المريرة.

‏***

2026/03/25 · 35 مشاهدة · 1029 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026