---
كانت ساحة التدريب الكبرى في أكاديمية "كلانس" تُشبه مديناً رومانياً قديماً نُحت من صخور الجبال الصماء. جدرانٌ شاهقة تُحيط بساحةٍ رمليةٍ شاسعة، رمالها سحرية رمادية اللون تمتصُّ الصدمات وتخمدُ أصوات الأقدام،
وكأنها أُعدت لتكون مقبرةً صامتة للأوهام. اصطفَّ الطلاب بزي التدريب الأسود الضاغط، والأسلحة الخشبية في أيديهم تعكس ضوء الشمس الحارق الذي يتسلل من فتحة السقف المستديرة.
في المنتصف، وقف المدرب "فارون" ، جبلٌ من العضلات والندوب. يده اليسرى كانت مفقودة، وحلَّ مكانها ذراعٌ ميكانيكي سحري مصنوع من الفولاذ الأسود،
يخرج منه أزيزٌ خفيفٌ من المانا المستقرة.والرجل الذي لا يؤمن بالكلمات بل بصلابة العظام ونقاء النصل.
"اليوم ليس درساً في الإتيكيت أو الرقص النبيل،" صرخ فارون بصوتٍ أجش زلزل أرجاء الساحة.
"اليوم سنرى من منكم يستطيع الحفاظ على رأسه فوق كتفيه. تقدموا وخذوا أسلحتكم التدريبية."
تحرك الطلاب نحو رفوف الأسلحة بانتظام. أخذ آرثر سيفاً خشبياً طويلاً بتوازن مثالي، ممسكاً به بوقار الفرسان. اختار كايزر سيفاً يشبه سيف آرثر في الحجم والشكل. أما ليوين، فقد توجه مباشرة نحو الزاوية
المخصصة للأسلحة القصيرة. لم تكن صدمة الطلاب هذه المرة من اختياره لـ الخناجر الخشبية ، فقد شاهدوه يمزق الوحوش بها في اختبار القبول، لكن الصدمة كانت في "البرود" الذي يقترب به من الموت.
التقط ليوين قطعتين خشبيتين قصيرتين، غليظتين وحادتين في أطرافهما. أدار الخنجرين بين أصابعه بسرعةٍ مذهلة جعلتهما يبدوان كشفراتٍ حقيقية تخرق الهواء بصفيرٍ خافت.
بفضل النقاط الخمس التي وزعها بالأمس، شعر ليوين بأن مفاصله صارت أكثر ليونة، وبأن وزنه اختفى تقريباً، وكأن العالم صار يتحرك ببطءٍ شديد أمام عينيه.
"أيها الطالب،" ناداه فارون بنبرةٍ ساخرة، وعيناه الصقريتان تلاحقان حركة أصابع ليوين.
"لقد رأينا ما فعلته في الاختبار بتلك السكاكين الصغيرة.. لكن القتال في ساحة مفتوحة وبدون اي مانا مختلف كثيرا هل تنوي حقاً مواجهة السيوف الطويلة بهذه العصي؟ خذ سيفاً يمنحك فرصةً للبقاء."
التفت ليوين ببطء، ونظرة "الازدراء" لا تزال عالقة على ملامحه. "السيف الطويل مخصص لمن يخشون الاقتراب من عدوهم، يا مدرب،" رد ليوين بصوتٍ هادئ يقطر ثقةً مستفزة.
"أنا أفضل أن أسمع دقات قلب خصمي قبل أن يلفظ أنفاسه."
ساد الصمتُ الساحة. كانت نظرة ليوين باردة، خالية من أي رغبة في التباهي. لم يكن يحاول أن يبدو قوياً، كان "هو القوة" بحد ذاتها.
"كما تشاء،" قال فارون بابتسامةٍ وحشية كشفت عن أنيابه. "لنتحقق من تلك الفلسفة إذن. كايزر! تقدم سوف تقاتل ليوين اليوم "
تقدم كايزر بخطواتٍ ثقيلة، وعيناه تشتعلان برغبةٍ عارمة في الانتقام. قبض على سيفه الخشبي بكلتا يديه. كان يريد تحطيم ليوين أمام الجميع، ليرسل رسالة لوالده بأنه لا يزال "البطل".
لم يتخذ ليوين أي وضعية قتالية. وقف بجسدٍ مرتخٍ تماماً، بدا وكأنه فريسة سهلة، لكن آرثر، الذي كان يراقب من بعيد، شعر بانقباضٍ في صدره؛ لقد لاحظ أن ليوين لم يترك أي ثغرة، بل كان ينتظر "اللحظة الصفر".
"ابدأوا!" صرخ فارون.
اندفع كايزر بسرعة مدوية، مسدداً ضربةً رأسيةً عنيفة. لم يتراجع ليوين خطوة واحدة. في اللحظة التي كان فيها النصل الخشبي على وشك ملامسة رأسه،
مال ليوين بجسده سنتيمترات قليلة جهة اليمين بحركةٍ انسيابية تشبه انزلاق الظل. مَرَّ السيف بجانبه مخلفاً تياراً هوائياً، وفي تلك اللحظة، تحرك ليوين.
اخترق ليوين "المسافة الآمنة" لكايزر في طرفة عين. وبحركةٍ صاعقة، ضرب بيده اليسرى معصم كايزر ليشل حركته تماماً، بينما ارتفع الخنجر الخشبي في يده اليمنى ليتوقف تماماً عند تفاحة آدم في حنجرة كايزر.
توقف الزمن في الساحة. كايزر تجمد، وعيناه جاحظتان من الصدمة. شعر ببرودة الخشب تضغط على قصبته الهوائية.
"السرعة، الموضع، والقتل،" همس ليوين في أذن كايزر بصوتٍ بارد. "سيفك الطويل مجرد قطعة حطب زائدة عندما أكون داخل أنفاسك."
تراجع ليوين ببرود، تاركاً كايزر يرتجف من الغضب والإحراج. صمت فارون لثوانٍ، ثم صاح: " جيد المبارزة التالية! آرثر ضد مايكل!"
تقدم البطل "آرثر" ومايكل "ابن العاصفة". كانت هذه المبارزة مختلفة تماماً؛ كانت صراعاً بين المهارة الفائقة والسرعة الريحية. تحرك مايكل كالإعصار، سيوفه
الخشبية كانت تضرب من كل اتجاه، لكن آرثر كان يصدُّ كل ضربةٍ ببراعةٍ هادئة. كان قتالهما يشبه الرقص، جميلاً، منظماً، ومملاً بالنسبة لليوين الذي كان يراقبهم بعينين ناعستين من المقعد الخلفي للساحة.
انتهت مبارزتهما بفوز ارثر بفارق بسيط بعد أن أظهر كلاهما مهاراتٍ استثنائية، ونالوا تصفيقاً حاراً. لكن ليوين كان يفكر في شيءٍ آخر: 'كل هذه الحركات مخصصة للعروض.. لا أحد منهم يضرب ليقتل. كلهم يضربون ليفوزوا بالنقاط.'
ذهبت ليا لتطمئنَّ على آرثر، وذهب مايك ليواسي مايكل قليلاً ثم
بعد ساعاتٍ من التدريب الشاق، أعلن فارون نهاية الدرس. تفرق الطلاب بإنهاك نحو قاعة الطعام الكبيرة. دخل ليوين القاعة، كانت تعجُّ بالضجيج والضحكات والأبطال الذين يحيط بهم المعجبون.
توجه ليوين نحو منصة الطعام، أخذ وجبته البسيطة؛ بضع قطعٍ من اللحم وخبزٍ صلب، ثم بحث عن أبعد زاويةٍ مظلمة في القاعة.
جلس ليوين وحيداً على طاولةٍ معزولة في الطرف البعيد. بدأ يأكل ببطء، وعقله يراجع تحركات الطلاب، يحلل نقاط ضعفهم، ويحسب كم ثانية سيحتاج لقتل كل واحدٍ منهم إذا لزم الأمر.
لم يكن يشعر بالوحدة، بل كان يشعر بالسكينة التي يفتقدها الجميع.
فجأة، خيم ظلٌّ طويل فوق طاولته. رفع ليوين رأسه ببرود ليجد آرثر واقفاً أمامه، بملامحه المثالية وابتسامته التي تحاول أن تكون ودودة رغم التوتر الواضح في القاعة.
"ليوين،" بدأ آرثر بصوتٍ هادئ، "هل يمكن أن أجلس هنا؟"
لم يكمل آرثر جملته. فبمجرد أن بدأ "البطل" بالحديث، التقط ليوين صينية طعامه ببرودٍ تام، ونهض دون أن ينطق بكلمة، ولم ينظر حتى في وجه آرثر. وبكل بساطة،
مشى ليوين مبتعداً نحو الطرف الآخر من القاعة، تاركاً آرثر واقفاً في ذهولٍ وسط الهمسات الصادمة من الطلاب الذين لم يتخيلوا أن أحداً قد يجرؤ على معاملة "آرثر" كأنه هواء.
جلس ليوين في مكانٍ جديد، وواصل تناول طعامه بهدوء، وكأنه يوصل رسالةً واضحة أنا لستُ هنا لأكون صديقاً لأبطالكم، أنا هنا لأكون الكابوس الذي يوقظكم من أحلامكم
بقي آرثر واقفاً في مكانه، يراقب ظهر ليوين بفضولٍ يمتزج بالرهبة. لقد أدرك آرثر في تلك اللحظة أن ليوين ليس مجرد طالبٍ متمرد.. إنه كائنٌ غريبٌ يعيش في عالمٍ مختلفٍ تماماً، عالمٍ لا مكان فيه للأبطال ولا للصداقات الزائفة.
---