---
كان الظلامُ في غرفت ليوين ليس مجرد غيابٍ للضوء، بل كان كياناً حياً يلتفُّ حول جسد ليوين كوشاحٍ مألوف، باردٍ وناعمٍ في آنٍ واحد. في تلك اللحظات الفاصلة بين النوم واليقظة،
حيث يرتخي العقل وتسقط الدروع النفسية التي يبنيها الإنسان في وضح النهار ليواجه نفاق العالم،
وجد ليوين نفسه يطوف في فضاءٍ سرمدي لا قرار له. لم يكن خائفاً؛ فالخوف شعورٌ مخصص لأولئك الذين يملكون شيئاً ليخسروه، أما هو، فقد تعمّد مصادقة هذا السواد منذ زمنٍ بعيد، محولاً إياه من فجوة تثير الرعب إلى مرآة تعكس حقيقته المجردة التي لا يراها أحدٌ غيره.
وسط هذا السكون المطلق، انبعث صوتٌ خافت، ليس صوتاً خارجياً، بل كان نبضاً ينبعث من جدران الفراغ المحيط به.
لم يفتح ليوين عينيه في الحلم، بل ركز حواسه على ذلك الصدى النابع من أعماقه،
كأن روحه كانت تتحاور مع ظلها في لغةٍ قديمة لا تفهمها الحنجرة البشرية. ابتسم ليوين ابتسامةً شاحبة،
ابتسامة من وجد ضالته وسط التيه، وتمتم بصوتٍ هزيل كأنه يناجي رفيقاً قديماً لم يخذله يوماً:
"أجل.. أيها الظلام، أنت هو صديقي.. أنت هو الصديق الرابع الحقيقي الذي لم يتركني طوال الحياتين اللتين عشتهما. وحدك من سترت عيوبي عندما انكسرت، ووحدك من شهدت نزيفي دون أن تطلق أحكاماً تافهة أو تطلب مقابلاً للولاء. كنت أشعر بك دائما تغضب لغضبي تتعاطف مع عطفي تبتسم عندما كنت اضحك كل مرة سقطتُ فيها،"
"كنتَ أنتَ القاع الذي يستقبلني برحمة، والغطاء الذي يحجب النور عن إظهار جروحي."
شعر ليوين ببرودة الظلام تلامس وجنتيه كأنها يدٌ حانية، وكأن الفراغ يردُّ عليه بوفاءٍ صامت لا يملكه البشر.
وفي تلك اللحظة، انفتحت بوابة الذاكرة اللعينة، لتقذفه نحو حياته الماضية..
العودة إلى اللحظة التي لم يكن فيها "ليوين" طالب الأكاديمية العبقري، بل كان مجرد "حثالة" في أزقة مدينةٍ ميتة، اللحظة التي شهدت **اللقاء الأول** مع من سيصبحون قدره وعائلته الحقيقية مع نور الذي كان ينير طريقه النور الوحيد الذي احبة ليوين
---
رأى ليوين نفسه صبياً هزيلاً، يبدو أصغر من عمره الحقيقي بسنوات بسبب سوء التغذية الحاد. كان ملقىً في زقاقٍ ضيق يفوح برائحة القمامة المبللة والمطر
الحامض الذي ينخر في عظام المدن المهملة. كان محاطاً بعشرة صبية أكبر منه سناً وأضخم جسداً، عيونهم تلمع بحقدٍ طبقي لا يرحم، حقد ينمو في أحشاء الفقراء ليأكل بعضهم بعضاً.
لم يكن ذنبه سوى أنه تجرأ على سرقة رغيف خبزٍ يابس من سلتهم المليئة بالمسروقات ليطفئ نار جوعه.
"أتعتقد أنك تستطيع العيش على حسابنا يا جرذ الزقاق؟" صرخ أحدهم، وهو يوجه ركلةً عنيفة لبطن ليوين الصغير جعلته ينكفئ على وجهه فوق الوحل الأسود المختلط بالدم.
انطوى ليوين على نفسه كجنينٍ ميت، محاولاً حماية رأسه بيديه النحيفتين اللتين بدتا كأغصان يابسة في مهب الإعصار. كانت الكدمات تغطي جسده كخريطة للألم،
وقلبه يدقُّ بيأس وتعب. في تلك اللحظة، شعر ليوين بوحدةٍ قاتلة، فكر أن العالم كله، بكل شمسه ونجومه،
قد اجتمع في هذا الزقاق المنسي ليحطمه.. حتى انشق السواد عن صرخةٍ لم تكن بشريّة، بل كانت صرخة كبرياء جريح.
من خلف أكوام النفايات الحديدية، اندفع فتىً لم يره ليوين من قبل. كان جسده صغيرا مثله عمره يتراوح من 17 حتى 20، لكن عينيه كانتا تشتعلان بنورٍ غريب وقوة جامحة. كان هذا هو **"آل..."**،
الأخ الأكبر الذي يقدره ليوين أكثر من أي كيان آخر. لم يقل كلمة واحدة؛ بل طار في الهواء وركل زعيم الصبية ركلةً سمع ليوين صدى تحطم فكه في كسرٍ من الثانية.
كانت حركاته خشنة وقاتله، لكنها مليئة بالصدق
"ارفع يدك عنه.. أو سأطعم أصابعك للكلاب الضالة في الشارع القادم!" زمجر "آل..." وهو يمسح الدم عن قبضته ببرود. كان هذا لقاؤهما الأول؛ "آل..." الذي لم يكن يملك شيئاً في هذه الحياة سوه عائلة واختة الصغرى،
قرر في تلك اللحظة أن يمتلك "أخاً" يدافع عنه حتى الموت.
وعندما حاول البقية الهجوم الجماعي على "آل..." لاستعادة هيبتهم المنكسرة، ظهر، النور الثاني.. **"مـ...."**. هبط كأنه قطٌّ بري، صامتٌ، رشيقٌ،
ومميت. لم يستخدم قبضةً عادية، بل أمسك برأس أحد المهاجمين وضرب وجهه بالحائط الحجري بقوةٍ جعلت الوعي يغادر الضحية قبل أن يلمس الأرض.
التفت "مـ..." نحو ليوين الملقى في الطين، ومنحه نظرةً سريعة وثاقبة كانت كافية لتقول له: "لا تخف، لن تموت في مكان قذر كهذا وأنا هنا."
كان ليوين يراقب بذهول؛ لماذا يخاطر هذان الغريبان بحياتهما من أجل "حثالة" مثله؟ وفي وسط المعمعة، وبينما كانت العظام تُكسر وتتطاير الدماء في الهواء البارد،
اقترب منه طفلٌ صغير، كان أصغر من ليوين بعامين أو ثلاثة ملامحه بريئة لكن عينيه تحملان حزن دهرٍ كامل. كان هذا هو **النور الثالث**، الصبي الذي سيصبح قلبه النابض وضميره المستتر.
انحنى الطفل بجانب ليوين، وأخرج من جيبه قطعة قماشٍ رثة مبللة بماءٍ نظيف، وبدأ يمسح الوحل والدم عن وجه ليوين برقةٍ تناهز رقة الأم. "اسمي هو ن..."
همس الطفل بنبرة دافئة كأنها اللحن الوحيد الجميل في هذا العالم الموحش. "وهذان هما إخوتي.. آل.. و مـ... ومنذ هذه اللحظة، نحن إخوتك أيضاً. لن تجوع وحدك بعد اليوم."
كان ذلك المشهد هو الولادة الحقيقية لروح ليوين. لم يكن لقاءً عابراً تذروه الرياح، بل كان ميثاقاً أبدياً كُتب بالدم والدموع في زقاقٍ منسي تحت المطر. في تلك اللحظة،
عرف ليوين لأول مرة معنى "النور" الذي لا يأتي من الشمس، بل من قلوب البشر الذين لا يملكون شيئاً سوى ولائهم وحبهم لبعضهم البعض.
---
استيقظ ليوين في غرفته الفاخرة بـ "أكاديمية كلانس" والدموع جافة على وجنتيه كأثر لنهرٍ نضب منذ أمدٍ بعيد،
لكن الابتسامة لا تزال مرتسمة على ثغره، دافئةً وغريبة على ملامحه الباردة.
تنهد بعمق وهو ينظر إلى سقف الغرفة المزخرف بالذهب، وتمتم بصوتٍ مسموع شق سكون الفجر الهادئ:
"أجل.. أنتم الأربعة، أنتم أصدقائي وإخوتي الوحيدين في كل العوالم. الظلام هو من جمعنا تحت سقفه الرحب، وهو من سيحفظ ذكراكم مقدسةً بداخلي مهما تغيرت الأزمان."
قطع حبل أفكاره الدافئة صوتُ طرقٍ قوي ومنتظم على باب الغرفة، طرقٌ يحمل صدىً معدنياً رزيناً. نهض ليوين من سريره بخفة فهدٍ جريح،
مشى حافي القدمين فوق الرخام البارد نحو الباب، وفتحه ليجد طرداً خشبياً ضخماً ملفوفاً بجلدٍ خشن داكن أمام عتبته.
اتسعت ابتسامته لتصبح أكثر حدة وخطورة. حمل الطرد للداخل، وضعه على الطاولة، وبدأ بفك الأربطة الجلدية بحذرٍ كأنه يفتح تابوت عدوٍ قديم.
وعندما انزاح الغطاء، لمع نصلان أسودان كقطعتين من ليلٍ خالص لا يعكس الضوء بل يبتلعه. كانت خناجر "باراك" الأسطورية التي نُحتت بمرارة المنفى وقوة الصبر.
قبض ليوين على مقبضيهما، وشعر بذبذبةٍ مألوفة وعنيفة تسري في عروقه، وكأن الخناجر قد وجدت أخيراً الروح التي تليق بدمويتها الصامتة. "أربعة أيام من الانتظار،" قال ليوين وهو يؤدي حركةً دائرية خاطفة بالخناجر في الهواء،
ليصدر النصل صفيراً حاداً يمزق السكون. "لكن الأمر استحق كل ثانية. أنا الآن مستعدٌ تماماً لما سوف يحدث في أوروك."
أدخل الخناجر في أغمادها المخفية تحت سترته السوداء القاتمة، ونظر إلى النافذة حيث بدأت أولى خيوط الشمس تشرق بنفاقها المعتاد على الأكاديمية. في هذا العالم،
قد لا يملك إخوته بجانبه جسدياً، لكنه يملك ذكراهم التي تشتعل في صدره، ويملك هذين النصلين اللذين سيكونان ألسنة لهبه، ويملك رهاناً مع النظام لا ينوي خسارته مهما بلغت الأثمان.
لم تكن رحلة أوروك القادمة بالنسبة لليوين مجرد بعثة تدريبية مدرسية مملة، بل كانت الميدان الذي سوف يتعلم منه آرثر وباقي الحمقى أن الحياة لا تدور حول المكانة والسمعه بل حول القوى الخام فقط
---
خرج ليوين من غرفته، وكانت خطواته على أرضية الأروقة الرخامية تصدر صدىً خافتاً ينمُّ عن ثقةٍ متجذرة لا تهزها الأعاصير. كل زاوية في هذه الأكاديمية كانت تذكّره بالزيف الذي يمقته؛
الستائر الحريرية، التماثيل الرخامية للأبطال الذين لم ينزفوا يوماً من أجل رغيف خبز، والطلاب الذين يرتدون زيّ النخبة وهم يتبادلون الضحكات الساذجة.
عند وصوله لساحة الانطلاق الكبرى، كان الهواء الصباحي يحمل برودةً لسعت وجهه، لكنها كانت برودةً منعشة أعادت لذهنه صفاءه القاتل. الأبطال الخمسة كانوا هناك، يتلألأون في دروعهم وتحت أسلحتهم الفاخرة التي لم تُجرب في قتالٍ حقيقي بعد.
"ليوين!" ناداه آرثر بنبرةٍ تحاول أن تكون ودودة رغم الحواجز غير المرئية التي يضعها ليوين.
"لقد تأخرت قليلاً. هل أنت مستعد لمدينة أوروك قالت المديرة اننا الوحيدين الذين سوف نذهب لهناك من أجل الاستطلاع."
لم ينظر ليوين إلى آرثر، بل ركز نظره على الأفق البعيد حيث تتجمع الغيوم السوداء كأنها نذيرٌ للشؤم.
تجاهل ليوين تمتمات كايزر الغاضبة وصعد إلى العربة السحرية، جالساً في الزاوية الأكثر عتمة وانعزالاً. كان عقله يراجع "لوحة النظام"؛ كانت أرقامه تتصاعد بصمت، وقوته بدأت تقترب من نقطة التحول الكبرى.
أوروك لن تكون مجرد مهمة استطلاع بل ستكون "المذبح" الذي يضهر للناس الحقيقة لهذه العالم وهذه الحياة التي يعيشونها
بينما كانت العربة تتحرك مبتعدةً عن أسوار الأكاديمية الحصينة، عاد ليوين بذاكرته إلى صوت أخيه الصغير في ذلك الزقاق البعيد: 'نحن هنا الآن.. ولن يلمسك أحد.'
ابتسم ليوين بمرارة تحت قلنسوته السوداء. الآن، هو من سيقول هذه الجملة لنفسه، وهو من سيحمي ذكرى إخوته في هذا العالم الجديد المليء بالنفاق، حتى لو اضطر
لإحراق هذه العالم بأكملها ليعيد إخوته و ليفوز برهان الذي وضعه النظام.
كانت العربة تشق طريقها نحو الساحل، ومع كل ميلٍ تقطعه، كانت رائحة الملح تزداد نفاذاً، ومعها.. رائحة الموت التي بدأ ليوين يستشعرها بعد بضع أيام فقط سوف يصلون إلى مدينة أوروك لتبدأ اول بداية حقيقية لهذه رواية
---