‏توقفت العربة السحرية الثقيلة أخيراً، مُخلفةً وراءها غباراً يمتزج برذاذ البحر المالح الكثيف. كان المشهد أمام "الأبطال الخمسة" وليوين يوحي بأن العالم قد توقف عن الدوران عند هذه النقطة من الساحل. مدينة

‏"أوروك"، التي كانت يوماً لؤلؤة التجارة ومنارة البحارة، تبدو الآن كجثةٍ هامدة ملقاة على حافة المحيط، تفصلها عن مياه البحر الغادرة بضعة كيلومترات من الرمال الرمادية الكئيبة التي غطاها ملحٌ جاف يشبه رماد الموتى.

‏ترجل الجميع من العربة برتابة. سحب ليوين قلنسوته السوداء فوق رأسه، مخفياً عينيه اللتين بدأتا تتوهجان ببريقٍ خافت نتيجة تفعيل مهارة "الإدراك الحسي". كان ليوين يشتمُّ في الهواء شيئاً لا يدركه رفاقه؛

‏لم تكن مجرد رائحة يود أو طحالب، بل كانت رائحة "مانا متعفنة" تشبه الرائحة التي تنبعث من جرحٍ قديم بدأ الغرغرينا ينهش في أطرافه بصمت.

‏على بُعد خطوات من البوابة الحديدية العملاقة للمدينة، وقف حارسٌ وحيد بزيٍّ عسكري رثّ تآكلت أطرافه من الرطوبة. كان يحتضن بندقيةً قديمة الطراز وكأنها طوق نجاة،

‏ووجهه شاحبٌ كالشمع، عيناه غائرتان تعكسان سهر ليالٍ طوال من الرعب الذي لا يجد كلمات لوصفه. ببرودٍ آلي،

رفع الحارس فوهة بندقيته واعترض طريقهم، مانعاً إياهم من التقدم خطوة واحدة نحو الداخل.

‏تقدم **آرثر** بخطواتٍ واثقة تنم عن نبلٍ متأصل وشجاعة فطرية. شعره الأسود كان يتطاير مع الريح الساحلية القوية، ووجهه الوسيم يحمل ملامح الجدية والقلق الصادق على أهل هذه الأرض.

‏"توقف أيها الحارس، نحن لسنا غرباء أو غزاة،" قال آرثر بصوته الرخيم الذي يحمل نبرة القيادة، ثم أخرج من جيبه "لوحة الأكاديمية" الذهبية التي تحمل شعار "كلانس" المذهب،

والذي كان يلمع رغم ضبابية الجو.

‏نظر الحارس إلى اللوحة بارتياب، ثم جال ببصره على الوجوه الشابة المتجمعة أمامه: **كايزر** الذي كان يقف بمللٍ واضح، يداعب خصلات شعره الأبيض

‏والشرارات البرقية تلمع بين أصابعه بتمرد، و**ليا** التي كانت تقبض على صولجانها الطبي بخشية، و**مايك** القزم الذي وقف في مكانه وكأنه جبلٌ بشري يحمي رفاقه،

‏وأخيراً **مايكل** الإيلف الذي كان يغمض عينيه محاولاً سماع همس الرياح التي بدت محملةً بالتحذيرات.

‏وأخيراً، سقطت عيناه على **ليوين**، الذي كان يقف في الخلف تماماً، منزوياً في ظله الخاص كأنه جزءٌ من الفراغ.

‏هز الحارس رأسه ببطء شديد، وأنزلت فوهة بندقيته وهو يفسح المجال لهم بالدخول بمرارة. "تفضلوا.. لكن انتبهوا، أوروك لم تعد ترحب بالغرباء، ولا حتى بالموتى الذين يطرقون أبوابها كل ليلة."

‏انفتحت البوابة بصريرٍ حاد مزق سكون المكان كصرخة احتضار. وبمجرد دخولهم، خيّم صمتٌ ثقيل على المجموعة.

كانت الشوارع مرصوفة بالحجر الصواني القاسي، لكنها كانت خالية تماماً من أي مظهر للحياة.

‏المحلات مغلقة بالألواح الخشبية السميكة، وعربات البضائع مهجورة في زوايا الطرقات وقد علاها الصدأ، والأجراس الكبيرة التي كانت تُقرع عادةً للترحيب

‏بالسفن، كانت معلقة بصمتٍ مريب كأنها مشانق. الهدوء لم يكن هدوءاً سكنياً طبيعياً، بل كان "هدوءاً قاتلاً"، وكأن المكان قد أُفرغ من سكان الروح فيه منذ سنوات، لا أيام.

‏"ما هذا؟" همست **ليا** وهي تقترب من آرثر وتتمسك بطرف ذوبه، "أين الناس؟ المدينة تبدو وكأنها مقبرة مفتوحة تنتظر من يدفنها."

‏رد **كايزر** بغطرسةٍ حاول من خلالها مواراة توتره المتزايد: "ربما يختبئون في أقبية بيوتهم خوفاً "

‏تجاهل ليوين حواراتهم التي رآها جوفاء لا تغني من جوع. كان يراقب بتركيز "الظلال" التي تزحف على الجدران مع غروب الشمس؛

‏كان يشعر من خلال مهاراته أن المدينة "تراقبهم" عبر ثقوب الأبواب وشقوق النوافذ. مشى الجميع بصمت نحو "قصر العمدة" الذي يتوسط المدينة. هناك، استقبلهم

‏العمدة، رجلٌ عجوز هده التعب الجسدي والنفسي، يرتدي ثياباً فاخرة لكنها بدت واسعة عليه بشكلٍ يثير الشفقة، وكأن جسده قد ذاب من الهموم.

‏تقدم ارثر ليقدم نفسة ويسئل عن ما ماحدث هنا

‏بدأ العمدة يتحدث بصوتٍ يرتجف، وعيناه تزوغان في أرجاء القاعة:

‏"أهلاً بمرسلي الأكاديمية.. كنا ننتظركم بيأس هذا الهدوء الذي ترونه ليس سلاماً، بل هو قناعٌ للخوف بسبب ماحدث منذ أسابيع، بدأت تخرج أصواتٌ غريبة من أعماق البحر،"

‏" صرخاتٌ ونحيبٌ كان الصراخ يشبه نداءات الموتى من قعر المحيط. وبعدها بدأت الموجات.. وحوشٌ تهاجمنا في أنصاف الليالي، او في الصباح ومع كل هجوم،"

‏" يتناقص عدد سكاننا بشكلٍ مرعب.. ليس هذه ماحدث فقط بل هناك من يختفون تماماً وسط المدينة ولا نجد لهم أثراً حتى."

‏هز **آرثر** رأسه بأسى عميق، ووضع يده على مقبض سيفه الفضي بقوة. "سنقوم بحل هذا الأمر، أيها العمدة. جئنا هنا بتفويضٍ من الأكاديمية لتأمين المدينة وكشف سبب هذه ."

‏أومأ العمدة بتعبٍ شديد، وأشار لخادمٍ عجوز كان يرتجف بدوره ليقودهم. "خذوا راحتكم في 'نزل الزمرد'، هو أكبر نزل في المدينة، وموقعه يطل على الميناء والساحة العامة. ارتاحوا اليوم، وغداً نبدأ بتنفيذ خططكم البطولية."

‏توجهت المجموعة نحو النزل بخطواتٍ ثقيلة. كان مبنىً ضخماً بُني من الخشب الحجري المتين، صالته الواسعة خالية إلا من صدى وقع أقدامهم. صعد كل منهم لغرفته ليضع أمتعته،

‏ثم اجتمعوا في الصالة الرئيسية حول طاولة مستديرة ضخمة، يحيط بهم ضوء شموعٍ هزيل يتراقص مع الرياح المتسربة من الشقوق.

‏كان آرثر وكايزر ومايكل يتناقشون بحدة حول كيفية توزيع الورديات الليلية لحماية الأسوار، ووضع استراتيجيات لمواجهة "موجات الوحوش" القادمة.

كانت ليا ومايك يتبادلان القلق حول نقص الموارد الطبية والمؤن التي لاحظا غيابها في السوق.

‏أما **ليوين**، فقد جلس في الزاوية الأكثر عتمة، بعيداً تماماً عن دائرة ضوء الشموع، كأنه منفيٌّ إرادي. كان يخرج خنجريه السوداوين ببطءٍ شديد، ويمسحهما بقطعة قماشٍ حريرية سوداء،

وعيناه مسمرتان على النصل الذي يبدو وكأنه يبتلع الضوء المحيط به.

‏عقله لم يكن معهم في تلك الخطط الأكاديمية السطحية. كان يتذكر كلمات أخيه "آل" في حياته الماضية عندما قال له:

‏'الحقيقة لا توجد في القصور المذهبة ولا في كلام من يملكون السلطة، بل في الأماكن القذرة التي يخشى الجميع دخولها.. هناك فقط تجد الصدق.'

‏نظر ليوين من النافذة نحو الميناء البعيد، حيث كان الضباب يزداد كثافةً وسواداً مع تقدم الليل. هو يعلم يقيناً أن العمدة أخفى الكثير من الحقائق القبيحة،

وأن "تناقص السكان" ليس مجرد قتلٍ عشوائي،

‏بل هو طقوسٌ شيطانية منظمة بدأت تنخر في أساسات المدينة.

‏'استمروا في ثرثرتكم عن الخطط والورديات،' فكر ليوين بمرارة وهو يبتسم لظله الذي بدا طويلاً على الجدار.

‏'بينما أنتم تغرقون في أحلام البطولة الزائفة، سأذهب أنا لأسمع ما يقوله البحر حقاً.. كانت تلك هي الليلة الأولى في أوروك،

‏---

2026/03/26 · 33 مشاهدة · 984 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026