‏خيّم الليلُ على مدينة أوروك بشكل كثيف وثقيل كأنه غطاءٌ من الرصاص يمنع الأنفاس من التصاعد نحو السماء.

لم يكن الليل في هذه المدينة الساحلية المنكوبة كأي ليلٍ آخر؛ فالسكون هنا لم يكن راحةً للمتعبين أو

‏سكينةً للعاشقين، بل كان تربصاً مفترساً يسكن في زوايا الشوارع الخالية التي غسلها الملح والدموع. داخل "نزل الزمرد"،

كان الأبطال الخمسة قد استسلموا أخيراً لإرهاق الرحلة الطويلة والتوتر النفسي الذي خلفه منظر المدينة الجنائزي عند دخولهم.

‏آرثر، كايزر، مايكل، ومايك.. كلٌ منهم غرق في نومٍ مضطرب، تحرسه أحلام البطولة الوردية أو تلاحقه هواجس الفشل المرة.

‏إلا ليوين.

‏كان ليوين يجلس في غرفته المظلمة تماماً، ظهره للمقعد الخشبي القاسي وعيناه مسمرتان على النافذة التي تطل على أفق الميناء البعيد. لم يكن يرمش إلا نادراً،

وكأنه جزءٌ صامت من الأثاث القديم. كان عقله يراجع "لوحة النظام" بصمت، يراقب توزيع نقاط الخصائص التي جناها مؤخراً،

‏في تمام الساعة الثالثة فجراً، وهي "ساعة الشيطان" التي يُقال إن الحواجز بين العوالم تضعف فيها وتهمس فيها الأرواح بأسرارها،

نهض ليوين ببطءٍ شديد. لم يصدر عن حركته أي صرير؛

‏فحتى الهواء لم يشعر بتمزقه أمام جسده الرشيق. سحب قلنسوته السوداء فوق رأسه، وتفقد خنجريه المستقرين في غمديهما تحت سترته،

وشعر بذبذبتهما الباردة ترحب بفعله القادم. ثم، بلمحة بصر، انزلق من الباب كأنه طيفٌ عابر لا ينتمي لعالم الأحياء.

‏في الغرفة المجاورة، كانت **ليا**، تتقلب في فراشها بعصبية. بسبب عدم مقدرتها على نوم

أحست ببرودةٍ مفاجئة تسري في ممر النزل، برودة لا تشبه ريح البحر الرطبة، بل كأن مانا غريبة ومظلمة قد عبرت

‏الرواق واختفت في العدم.

‏فتحت عينيها ببطء، ونظرت نحو الفتحة الضيقة أسفل باب غرفتها؛ لم تلمح أي ضوء، لكن حدسها الروحي المرهف كان يصرخ بوجود خطبٍ ما.

‏"هل هو كابوس آخر؟" تمتمت لنفسها وهي تمسح العرق عن جبينها. نهضت من فراشها، وأسندت جسدها على الباب الخشبي،

ثم فتحته بهدوء حذر ونظرت نحو ممر الغرف الطويل المظلم الذي كانت تسكنه أشباح الصمت.

‏كان باب غرفة ليوين موارباً قليلاً، وهو أمرٌ غريب ومريب؛ فليوين كان يقدس الخصوصية والتحصين. اقتربت ليا بخطواتٍ حذرة كأنها تخشى إيقاظ الوحوش الكامنة في الجدران،

‏ودفعت الباب لتجده فارغاً تماماً. السرير كان مرتباً بدقة مريبة كما لو أن أحداً لم يلمسه منذ الصباح، والنافذة كانت مفتوحة على مصراعيها تسمح لنسيم البحر المالح بالدخول وتداعب الستائر الرثة التي بدت كأجنحة خفافيش في الظلام.

‏"إلى أين ذهب في هذا الوقت القاتل؟" همست ليا بذهول، وشعرت بقشعريرة حادة تسكن عمودها الفقري.

فكرت لوهلة في إيقاظ آرثر لتبلغه، لكنها تذكرت نظرات ليوين الباردة وتلك القوة الغامضة التي بدأت تظهر عليه مؤخراً.

‏"ربما خرج ليستطلع المكان وحده بأسلوبه الغريب.. ليوين دائماً ما كان خارجاً عن نطاق فهمنا،" هزت رأسها محاولةً طرد الأفكار السوداء، وعادت إلى فراشها،

لكن النوم لم يعد يطرق جفنها، فبقيت تساؤلاتها معلقة في هواء الغرفة الخانق والبارده، تراقب السقف وتنتظر عودة ذلك "الظل" الذي يسكن معهم.

‏---

‏على الجانب الآخر من المدينة، كان ليوين يشق طريقه عبر أزقة أوروك الملتوية كالأفاعي. لم يكن يمشي في منتصف الطرقات كالأبطال الذين يبحثون عن المديح،

بل كان يتحرك بين الظلال العميقة التي تمنحها له جدران ‏المنازل المتهالكة،

‏مستخدماً ظلام الخاص به. كان يشعر بكل حركة خلف تلك الجدران؛ أنفاس السكان الخائفين، وقع أقدام الحراس المرتجفة،

‏وحتى أصوات الفئران التي تهرب من رائحة الموت القادمة. كان يعرف طريقه جيداً؛ فالخريطة في عقله لم تكن مجرد خطوط على ورق،

بل كانت نبضاً حياً يقوده نحو المصدر، نحو تلك النقطة التي يشعر فيها بتركيز المانا الفاسدة التي تلوث نقاء الهواء.

‏وصل أخيراً إلى حافة المياه، حيث تلتقي الرمال الرمادية بأمواج البحر السوداء التي كانت تلطم الشاطئ بصوتٍ رتيب يشبه النحيب المكتوم لآلاف الغرقى. توقف ليوين على بعد أمتار قليلة من ملامسة الماء،

‏ويداه في جيوبه ببرود لا يتناسب مع رعب المكان، ونظراته تخترق الضباب الكثيف الذي يغطي الأفق كستارٍ مسحور يخفي خلفه أهوالاً لا توصف.

ابتسامة ساخرة، حادة كشفرة الحلاق التي تذبح الصمت،

‏ارتسمت على شفتيه وهو ينظر إلى الانعكاسات الباهتة للقمر فوق الأمواج المتلاطمة التي بدت وكأنها تغلي من الغضب.

‏"يا له من مياهٍ قذرة.." قال ليوين بصوتٍ هادئ ومنخفض، لكنه كان يحمل رنيناً قوياً في هذا السكون المطلق، وكأن كلماته تزن أطناناً من الكراهية.

‏"رائحة العفن والفساد تفوح من أعماقك حتى وصلت إلى أنفي وأفسدت طعم الهواء... فتخرج"

‏لم تمضِ سوى ثوانٍ معدودة حتى بدأت المياه تضطرب بشكلٍ غير طبيعي، وكأن بركاناً في القاع بدأ بالثوران الصامت.

فقاعاتٌ ضخمة بدأت تخرج من الأعماق، ثم برز ظلٌ أسود طويل ومنفر من قلب الموج.

‏كان الكائن يزحف نحو الشاطئ بحركاتٍ انسيابية تشبه حركة الزواحف، ومقززة في آنٍ واحد، وكأن عظامه مصنوعة من غضاريف مرنة. عندما استقام الكائن،

ظهر كمزيجٍ كابوسي مرعب بين شيطانٍ وكائن بحري سحيق؛ جسدٌ بشري طويل ونحيل جداً،

‏جلده لزج يقطر مخاطاً أسود يترك أثراً محترقاً على الرمل، وذراعاه طويلتان تصلان إلى ركبتيه وتنتهيان بمخالب سوداء لامعة. عيناه كانتا تشعان بنورٍ أصفر باهت،

حدقتان عموديتان تخلوان من أي ذرة رحمة أو مشاعر بشرية، تحيط بهما هالة من طاقة شيطانية التي تجعل البشر العاديين يرتجفون رعباً.

‏نظر الشيطان إلى ليوين بصدمةٍ واضحة لم يستطع إخفاءها خلف ملامحه الوحشية المتصلبة، وزفر هواءً بارداً ومسموماً من خياشيم جانبية في رقبته الطويلة.

‏"أنت.." قال الشيطان بنبرةٍ خشنة تشبه احتكاك الأحجار الصدئة في قاع البحر.

‏"كيف استطعت اكتشاف وجودي بهذه السهولة؟"

‏رد ليوين ببرودٍ قاتل وهو يميل برأسه قليلاً لليمين، وكأنه يتفحص حشرة تافهة تحت المجهر:

‏"الاختباء في المياه الضحلة والظلال الرخيصة لا ينفع عندما يكون خصمك يرى ما تحت السطح بوضوحٍ. مانا الفساد التي تنضح منها تزكم الأنوف، ولم يكن من الصعب العثور على مصدر القذارة في مدينة تحتضر."

‏ضيق الشيطان عينيه الصفراوين، وتقدم خطوة نحو اليابسة، مخلفاً وراءه أثراً أسود يغلي على الرمل الرمادي.

‏"يا فتى.. من السيء جداً أن تقول شيئاً كهذا عن منزل أحدهم فما بالك أمام شيطان سوف يلتهمك الآن."

‏ابتسم ليوين قليلاً، ابتسامة لم تصل أبداً إلى عينيه الباردتين اللتين ظلتا تراقبان كل حركة للشيطان، حتى نبض عروقه السوداء.

‏"حسناً، ربما معك حق بشأن 'المنزل'.. فالمنازل تليق بأصحابها، وهذه القذارة تليق بك تماماً. لكن لنترك هذه المجاملات السمجة جانباً، فالوقت يضيق بنا جميعاً. لدي سؤال مهم لك،"

‏رفع الشيطان ذراعه الطويلة التي تنتهي بمخالب حادة كأنها أنياب خناجر، وبدأ يداعب مخالبه ببعضها البعض بصوتٍ معدني حاد أثار صدىً مزعجاً في المكان.

‏"أوو.. وما هو هذا السؤال الذي يجعلك تخاطر بحياتك وتواجه شيطان البحر وجهاً لوجه في هذا الوقت المظلم؟ هل جئت لطلب الرحمة لعائلتك، أم لتبحث عن طريق للهروب؟"

‏ثبت ليوين نظراته الثاقبة في عيني الكائن، وقال بنبرةٍ ثقيلة ومحملة بالمعاني التي هزت أركان المكان: "**بذرة الشيطان**.. تلك التي زرعتموها في أحشاء هذه المدينة.. هل نضجت بالفعل كما هو مخطط لها؟"

‏تجمد الشيطان في مكانه تماماً، وتوقفت مخالبه عن الحركة وصمت صريرها. تلاشت النبرة الساخرة من صوته فوراً، وحل محلها ذعرٌ خالص حاول إخفاءه خلف زمجرته المكتومة. وهو ينظر لليوين وكأنه يرى كياناً مرعباً يرتدي قناع بشر،

‏"كيف.. كيف تعرف عن هذا ؟ هذا الأمر لا يعلمه إلا من ساروا في طريق اللورد العظيم ووقعوا بدمائهم على ميثاق الفناء..

‏"كيف لبشري تافه مثلك أن ينطق بهذا الاسم المقدس وهذا السر في مكان قذر كهذا؟"

‏لم يرمش ليوين، بل ظل ثابتاً كالجبل، يحيط به هدوء العاصفة. "لا تقلق، أنا صديق ولست عدواً كما تظن في عقلك المحدود،" قال ليوين بصوتٍ يحمل ثقةً مرعبة تجعل الشيطان يشك في ولائه لنفسه

‏. "لقد أرسلني **اللورد أغاروث** شخصياً إلى هذا العالم الضعيف لأكون عينه ويده التي لا تُرى، لمساعدتكم على فتح البوابة النهائية لدخول لورد اغاروث"

‏انخفض توتر الشيطان قليلاً، وبدأ يتفحص هالة ليوين المظلمة التي كان يتعمد ليوين إظهار جزءٍ بسيط وخانق منها ببراعة، هالة كانت تشبه مانا الشياطين لكنها أكثر نقاءً ودموية.

‏"هممم.. بما أنك تعلم بشأن اللورد أغاروث وتلك الخطط الكبرى لفتح البوابة، فلا بد أنك صادق في دعواك، فلا أحد يجرؤ على انتحال هذا الاسم.. أو أنك مجنونٌ انتحاري يبحث عن حتفه بأسرع طريقة ممكنة."

‏تنهد الشيطان بنبرةٍ محبطة وأكمل بصوت منكسر: "ولكن كلا.. حتى الآن لم تنضج البذرة بعد. مازلنا نحتاج إلى المزيد من التضحيات البشرية، "

‏أطرق ليوين برأسه متظاهراً بالتفكير العميق والأسى، كأنه يهتم فعلاً بمصير مشروعهم. "هممم.. هذا مؤسف حقاً، كنت أتوقع أنها شارفت على الاكتمال الورد لن يعجبة هذه التأخير."

‏ثم استدار ليوين ببطء وكأنه يهم بالمغادرة، لكنه توقف فجأة ونظر للخلف من فوق كتفه بنظرة جعلت دم الشيطان يتجمد.

‏"هناك أمرٌ خطير يجب أن تعلمه وتنقله لرفاقك الشياطين في الأعماق. هؤلاء الأبطال الخمسة الذين جاءوا معي اليوم.. لم يأتوا للاستطلاع الساذج كما تظنون. لقد جاءوا بتعليمات سريه لأنهم يشكون بوجود شيء غريب هنا و لإفساد الخطة تماماً، "

"ولن يترددوا في قتل كل من يقف في طريقهم."

‏اقترب ليوين من الشيطان خطوة واحدة، وهمس بصوتٍ خافت كأنه فحيح أفعى سامة في أذن ضحيتها، صوتاً جعل الهواء من حولهما يبدو وكأنه يتجمد:

‏"وأيضاً.. كانت هناك وصية ورسالة أخيرة من اللورد أغاروث قبل رحيلي من جانبه. قال إنه لضمان نضج البذرة بشكلٍ مبكر، "

"يجب وضع دم جميع الشياطين الحاضرين هنا في أوروك، ومزجه بدم البشر داخل قلب البذرة ذاتها. "

‏"اللورد يرى أن دماءكم فيها من القوة ما يكفي لاختصار أسابيع من التضحيات البشرية الضعيفة. هذا المزيج من دماء الشياطين والبشر هو المفتاح الوحيد لتسريع نمو البذرة"

‏نظر الشيطان لليوين بتساؤل ودهشة عارمة، وبدأ عقله الشيطاني المحدود يحلل هذه "الوصية" الانتحارية التي تتعارض مع غريزة البقاء لديه.

"دم الشياطين أيضاً؟ هل اللورد يطلب تضحيتنا نحن المخلصين الذين خدمناه لقرون؟"

‏"اللورد يطلب النتيجة النهائية والمجد الأبدي، ولا يهتم بالوسائل،" رد ليوين ببرود قاتل وهو يبدأ بالاختفاء ببطء في الضباب الكثيف المحيط بالميناء، وكأن جسده يذوب في الظلام.

‏"والنتيجة تتطلب دماً قوياً وتضحية تليق بعظمته لتفتح أبواب عالمكم الجديد. لا تتأخر في التنفيذ وإبلاغ البقية.. فالرهان الحقيقي على هذا العالم قد بدأ، "

"والوقت لن ينتظر المترددين الذين يخشون الموت في سبيل الغاية الكبرى."

‏غادر ليوين الشاطئ بخطوات صامتة تماماً لا تترك حتى أثراً على الرمل، تاركاً الشيطان يقف وحيداً وسط الأمواج السوداء، غارقاً في تساؤلاته وشكوكه القاتلة التي بدأت تنخر في ولائه،

بينما كانت ابتسامة ليوين تتسع تحت القلنسوة لتكشف عن أنياب مكره.

‏لم يكن يساعدهم أبداً، بل كان يزرع بذور الفتنة والمجزرة المتبادلة بينهم ليحصد هو "الثمار" والنقاط في الوقت المناسب،

ويضمن أن ينضج كل شيء وفقاً لخطته الخاصة مهما كان الثمن من دماء الشياطين أو البشر على حد سواء.

‏"في البداية، كان الشيطان يشك في كلام ليوين وفي كونه حليفاً لا عدواً، وكان ينوي مهاجمته لاختباره؛ لكن بعد أن سمعه وهو يُفشي خطة أصدقائه، ويذكر اسم سيد الشياطين الصريح -الذي لا يعرف اسمه الحقيقي إلا قلة قليلة جداً- تراجع عداؤه وخفّ توتره."

2026/03/26 · 31 مشاهدة · 1714 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026