‏مرت عدة أيام على وصول "الأبطال الخمسة" وليوين إلى مدينة أوروك، وكانت تلك الأيام أبطأ من مشي الجنائز في الأزقة الضيقة. قضى الفريق جلّ وقتهم في التنقل بين أحياء المدينة،

‏يستجوبون السكان الذين بدوا كأشباحٍ حية، عيونهم زائغة وألسنتهم ثقيلة بالخوف. كانت الإجابات دائماً تدور في حلقة مفرغة ومحبطة:

"لا نعلم شيئاً"، "الجميع يختفون في جوف الليل"، "البحر يزأر والوحوش تأتي وتحمل معها من تحب".

‏كان الخوف قد ضرب جذوره في أعماق المدينة لدرجة أن الناس فقدوا القدرة على التمييز بين الحقيقة والكابوس.

‏في مساء اليوم الرابع، اجتمع الجميع في غرفة الاجتماعات داخل "نزل الزمرد". كان الجو مشحوناً بالتوتر، ورائحة شمع النحل تمتزج برائحة الأوراق القديمة والخرائط التي فرشها آرثر على الطاولة.

كان **مايكل**، أمير الإيلف

‏يقف في مواجهة النافذة، شعره الأصفر يلمع تحت ضوء الشموع الخافت، وعيناه اللتان تمتلكان حدة بصر الإيلف تدققان في كل قصاصة معلومة جمعوها خلال الأيام الماضية.

‏ساد صمتٌ ثقيل، لم يقطعه سوى صرير الخشب تحت أقدام **مايك** القزم الذي كان يتمتم بكلماتٍ غاضبة حول "رائحة النفاق" التي يشتمها في هواء المدينة.

وفجأة، استدار مايكل نحو رفاقه، ووضع يده على الطاولة بصرامة.

‏"لقد قمنا بجمع كل ما قيل لنا، وحللنا كل الإفادات،" بدأ مايكل بصوتٍ هادئ لكنه يحمل نبرة اليقين.

"والنتيجة واحدة؛ هناك شخصٌ يتلاعب بالخفاء، خيطٌ رفيع يربط بين اختفاء السكان وهدوء الوحوش المريب. "

‏"هذا الشخص يملك سلطةً مطلقة تسمح له بالتلاعب بملامح هذه المدينة وتكميم أفواه أهلها دون مجهود. ولا يوجد أحد في أوروك يمتلك هذه المفاتيح.. غير العمدة."

‏سقطت الكلمات كالصاعقة على مسامع الجميع. تجمدت يد آرثر فوق مقبض سيفه الفضي، وهوه يقول. "كلام مايكل صحيح هناك شيء غريب حول العمده"

‏في الزاوية المظلمة من الغرفة، بعيداً عن ضوء الشموع، ارتسمت ابتسامة باردة وشيطانية على وجه

‏**ليوين**. كان يراقب الجميع بالنسبة لليوين، كان من الواضح منذ اللحظة الأولى أن العمدة ليس سوى "بيدق" خائف يحاول شراء حياته بدماء الآخرين.

‏أكمل مايكل كلامه، "يجب أن نكون واقعيين. العمدة هو من يسيطر على سجلات السكان، وهو من يوجه الحراس بعيداً عن مناطق الاختفاء."

‏" لذا، يجب أن نضع شخصاً منا يراقب كل شاردة وواردة في قصر العمدة، شخصاً يستطيع الغوص في الظلال دون أن يُكتشف."

‏التفتت الرؤوس جميعاً نحو الخلف، حيث كان ليوين واقفاً كأنه جزءٌ من الجدار الأسود. نظر مايكل إليه بعينين ثاقبتين وأكمل:

‏"ليوين.. أنت الوحيد بيننا الذي يمتلك *سمة الظلام* والقدرة على التسلل دون إثارة اي خطا أنت الوحيد القادر على كشف ما يخبئه العمدة في أقبية قصره."

‏هز ليوين رأسه ببطء، وعيناه تلمعان ببرقٍ خفي. "لا بأس.. سأتكفل بأمره،" قال ليوين بصوتٍ أجش وخالٍ من المشاعر. كان في داخله يضحك؛

‏فالأبطال يظنون أنهم يكلفونه بمهمة استخباراتية، بينما هو يرى في هذه المهمة فرصة ذهبية لترتيب أحجار شطرنجه بعيداً عن أعينهم الفضولية.

‏عاد مايكل بظهره إلى الوراء، وبدت ملامحه أكثر قلقاً وهو ينظر إلى التقويم السحري. "هناك أمرٌ آخر أكثر إلحاحاً. حسب المعلومات التي استخلصناها من الصيادين القدامى، فإن الموجات الوحشية تضرب المدينة في دورات تتراوح بين عشرة إلى عشرين يوماً. واليوم،"

‏" مرّ عشرة أيام بالضبط منذ آخر هجوم مسجل. هذا يعني أننا دخلنا في 'منطقة الخطر'.. لا بد أن هناك موجةً قادمة في أي لحظة، وقد تكون الأشرس على الإطلاق بسبب وجودنا"

‏---

‏في هذه الأثناء، وبعيداً عن ضجيج البشر واجتماعاتهم العقيمة، وفي أعماق البحر المظلمة حيث لا تصل أشعة الشمس، كان هناك عالمٌ آخر يغلي بالدماء والحقد.

‏تحت جرفٍ صخري غطته الطحالب الحمراء التي تتغذى على الفضلات، كان يقع مقر الشياطين البرمائية. كان المكان عبارة عن كهفٍ عملاق تملأه رائحة الزفر والمانا السوداء المركزة.

‏في وسطه، كانت تقبع **"بذرة الشيطان"**؛ كتلة نابضة من اللحم والمانا تبدو كقلبٍ ضخم ينتظر الولادة.

‏كان الشياطين مجتمعين في حلقةٍ متوترة، وقد انقسموا إلى جبهتين متصارعتين. الشيطان الذي قابله ليوين في تلك الليلة،

‏والذي كان يُعرف بلقب "شيطان البحر"، كان يقف في الوسط، عيناه الصفراوان تطلقان شرارات الغضب.

‏"اللورد أغاروث أمرنا بذلك!" صرخ شيطان البحر بصوتٍ زلزلي. "لقد قال إن دماءنا هي الوقود الذي سيشعل فتيل البذرة ويفتح البوابة! هل ستعصون أمر اللورد؟"

‏رد عليه شيطانٌ آخر ذو مخالب ضخمة وجسد مكسو بالحراشف: "هذا جنون! اللورد لم يطلب منا أبداً تضحيةً انتحارية كهذه. هذا البشري الذي قابلك ربما كان يتلاعب بك! أنا أرفض أن أقدم قطرة دم واحدة من أتباعي لهذا الهراء!"

‏انقسمت الأصوات؛ نصف الشياطين بدأوا يتمتمون بالموافقة على التضحية خوفاً من غضب اللورد، بينما النصف الآخر، بقيادة الشياطين الأقوياء،

‏رفضوا الفكرة تماماً، معتبرين إياها مؤامرة لإضعافهم قبل الهجوم الكبير على المدينة.

‏فجأة، تغير الجو داخل الكهف. ثقلٌ مرعب هبط على الصدور، وبدأت المانا في المكان تضطرب بعنف. تقدم "شيطان البحر" خطواتٍ للأمام، وبدأت هالته تتضخم بشكلٍ مرعب حتى وصلت إلى **المستوى A+**.

‏كانت قوته تتفوق بمراحل على البقية، ومانا الرعب الصادرة منه جعلت الشياطين الأقل رتبة يسقطون على ركبهم.

‏"الولاء لا يُناقش.. بل يُثبت،" قال شيطان البحر بنبرةٍ باردة تشبه برودة القاع السحيق. وبحركةٍ برقية لم تدركها الأبصار، انطلقت مخالبة الطويلة لتمزق حنجرة الشيطان المعارض.

‏بدأت مجزرةٌ صامتة تحت الماء. كان شيطان البحر يتحرك كالإعصار، يمزق أجساد كل من تجرأ على قول "لا". لم يكن يقتلهم حباً في القتل،

‏بل كان يجمع دماءهم التي بدأت تتدفق على الأرض وتنجذب نحو "البذرة النابضة" كالمغناطيس.

‏بينما كانت أجساد الشياطين الرافضة تتساقط كالجثث الهامدة، وقف شيطان البحر فوق البذرة التي بدأت تتوهج بلونٍ أحمر قرمزي داكن،

‏وقال بصوتٍ مشحون بالجنون: "يجب أن نفعل ما يريده اللورد.. مهما كان الثمن. إذا كان دمنا هو المفتاح، فليكن البحر أحمر هذه الليلة!"

‏كان يظن أنه ينفذ وصية سيده، بينما في الحقيقة، كان ينفذ "الرهان" الذي وضعه ليوين ليدمرهم من الداخل قبل أن تبدأ المعركة فوق اليابسة.

‏---

2026/03/26 · 31 مشاهدة · 921 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026