‏كان الليل في مدينة أوروك غلافاً لزجاً من الضباب المالح، سكوناً يسبق العاصفة التي لا تبقي ولا تذر. وقبل أن يخطو ليوين خطوته الأولى نحو "قصر العمدة" الغارق في الصمت المريب،

توقف في زاوية معتمة من زقاقٍ خلفي. كانت أنفاسه هادئة، وعيناه تلمعان ببرودٍ لا ينتمي للبشر. أخرج من طيات ثوبه لفافة سحرية صغيرة،

وقام بصياغة رسالة مشفرة بعناية فائقة؛ لم تكن باسمه، بل صاغها بأسلوب "آرثر" النبيل والمستغيث، موجهةً إلى الأكاديمية الكبرى.

‏كانت الرسالة تحمل طلباً عاجلاً لتعزيزات فورية، مدعيةً أن الوضع في أوروك تجاوز قدرة الأبطال الخمسة، لضمان أن تظل سمعة آرثر هي الدرع الذي يختبئ خلفه ظله.

وبمجرد أن أطلق الحمامة السحرية في جوف الليل، تلاشت ملامحه داخل عباءة الظلام، وانطلق نحو القصر كأنه شبحٌ لا يزيح ذرة غبار.

‏وصل ليوين إلى أسوار القصر العالية. لم تكن هناك حراسة، وهو أمرٌ جعل حدسه يشتعل بالريبة. تسلل عبر النوافذ العلوية،

متنقلاً بين الظلال التي بدت وكأنها ترحب به كابنٍ ضال. وعندما وصل إلى القاعة الكبرى، تسمر في مكانه فوق إحدى الركائز الرخامية المظلمة.

‏تحت، في قلب القاعة التي كانت يوماً رمزاً للنظام، كان المشهد يفوق الوصف في بشاعته. كان العمدة -ذلك الرجل الذي بدا بالأمس كعجوزٍ مكلوم- يقف بظهره المنحني،

لكن هالتة الآن كانت قد تلوثت بمانا شيطانية عفنة. لم يكن وحده؛ كان الوزراء الساقطون، الذين أداروا شؤون المدينة بفسادهم لسنوات، مكبلين بسلاسل من المانا السوداء، يرتجفون كالفئران في مصيدة.

‏بدأ العمدة يسحبهم واحداً تلو الآخر نحو فتحةٍ في أرضية القاعة تؤدي إلى "سرداب" غامض ينبض بضوء أرجواني. وبحركاتٍ آلية خالية من الرحمة، بدأ العمدة بتمزيق أجسادهم بمهارة "الامتصاص" التي حصل عليها من شياطين القاع.

لم يكن قتلاً عادياً؛ بل كانت مهارة تسحب الدماء من العروق وهي لا تزال حية، تجفف الأجساد حتى تصبح جلوداً ملتصقة بالعظام في ثوانٍ معدودة. كانت الدماء تتدفق عبر قنواتٍ محفورة في الرخام، تتجه كلها نحو الأسفل لتغذي "البذرة" الكامنة في أحشاء المدينة.

‏راقب ليوين المشهد من الأعلى ببرودٍ يضاهي برودة الموت حتى مر الوقت لما يقارب الساعتين لانتهاء العمده. كان يرى العمدة وهو يهمس بكلماتٍ غير مفهومة،

وكأنه يصلي لآلهةٍ زائفة. تمتم ليوين بصوتٍ خافت لا يسمعه سواه: 'أيها الأحمق الساذج.. تظن حقاً أن أسياد القاع سيحمونك؟ تظن أن دماء هؤلاء الخونة ستشتري لك ولعائلتك النجاة؟'

‏ضحكة صامتة ارتسمت على شفتي ليوين وهو يتذكر ما رآه في "بذرة الشيطان" في الرواية. كان يعلم الحقيقة التي يجهلها العمدة؛ عائلته التي يظن أنها في مأمن، قد تم سحقها وتحويلها إلى "قرابين أولية"

لتنشيط البذرة منذ أيام. العمدة كان يذبح شعبه ووزراءه ليحمي جثثاً هامدة تسكن قبو منزله.

‏قرر ليوين أن الوقت قد حان لإنهاء هذه المسرحية الهزلية بعد أن تم امتصاص جميع الوزراء. انسلّ من ركيزته وهبط خلف العمدة مباشرة، دون أن يصدر صوتاً، كأنه قطرة حبر سقطت في ليلٍ دامس.

‏"اذهب لتلتقي بمن تحب في الجحيم.. سيدي العمده،" همس ليوين بصوتٍ هادئ وناعم، كان وقعه على أذن العمدة كصوت النصل وهو يقطع الهواء.

‏وقبل أن يتمكن العمدة من الالتفات، اخترقت يد ليوين المغلفة بمانا الظلام الحادة ظهره، لتخرج من صدره وهي تقبض على قلبٍ لا يزال ينبض بضعف.

تجمدت أنفاس العمدة، واتسعت عيناه الملطختان بالجنون وهو يرى قلبه يذبل بين أصابع ليوين. سحب ليوين يده ببرود، تاركاً الجثة تسقط وسط بركة الدماء التي صنعها العمدة بنفسه.

‏لكن، وفي اللحظة التي سقطت فيها الجثة، لم يسد الصمت. بل انطلق صوت "جرس" ضخم من برج المدينة، صرخة معدنية مدوية هزت أركان أوروك، وكأنها تعلن نهاية العالم.

ابتسم ليوين ببرود وهوه يسمع صوت الجرس

‏---

‏على الجانب الآخر من المدينة، وتحديداً فوق السور الشمالي الذي يواجه البحر، كان آرثر وباقي الأبطال الخمسة يقفون تحت ضوء القمر الشاحب. كان الجو قد تغير فجأة؛

الرياح توقفت تماماً، والبحر تراجع لمسافة كيلومترات، كاشفاً عن قاعٍ مليء بالجثث والحطام

‏وفجأة، ظهرت "الموجة".

‏لم تكن موجة ماء، بل كانت موجة من "اللحم والمخالب". آلاف الوحوش المنبعثة من الهاوية، تندفع كالسيل العارم الذي يدمر كل شيء في طريقه. الجدران الحجرية التي صمدت لقرون أمام الأعاصير،

تهاوت كأنها ورقٌ أمام زحف هذه الوحوش. المنازل الساحلية سُحقت تحت أقدام العمالقة، وصراخ الناس الذين استيقظوا على كابوسهم الأخير ملأ الفضاء، ليمتزج بصوت تحطم الخشب والحجر.

‏نظر آرثر بدهشةٍ شلت حواسه. "هذا.. هذا مستحيل،" تمتم وهو يرى الهالات المنبعثة من الجيش القادم. لم تكن مجرد وحوش برية عادية؛ كانت الموجة كلها تتألف من وحوش لا يقل تصنيفها عن رتبة C ، وهو

مستوى يعتبر "كارثياً" لجيشٍ نظامي، فما بالك بمدينةٍ منهارة. والأسوأ من ذلك، كان يبرز من وسط الزحام وحوشٌ ضخمة من رتبة B ، تنبعث منها مانا تجعل الهواء يغلي.

‏"استعدوا!" صرخ آرثر وهو يستل سيفه الفضي، والنور بدأ يشع من جسده ليواجه المد الزاحف نحوهم، لكن صوته كان يرتجف وسط ضجيج الدمار.

كانت ليا تمسك بصولجانها ودموعها تنهمر وهي تسمع استغاثات الأطفال والناس تحت الأنقاض، بينما كايزر ومايكل و مايك اتخذا وضعيات القتال بوجوهٍ شاحبة.

‏كانت الموجة الوحشية تقترب كإعصارٍ لا يرحم، تلتهم الشوارع وتطحن البشر تحت وطأتها. وفي قصر العمدة، كان ليوين يقف فوق الجثة،

ثم قفز فوق قصر العمده من أجل أن يراقب النيران وهي تندلع في أطراف المدينة، والابتسامة لا تزال مرسومة على وجهه.

‏بالنسبة لليوين، لم يكن هذا دماراً.. بل كان "المسرح المثالي" ليبدأ عرضه الخاص، ولتكون دماء هؤلاء الأبطال والوحوش هي الثمن الذي سيجعل "بذرة الشيطان" ملكاً له وحده.

‏---

2026/03/26 · 24 مشاهدة · 872 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026