‏كانت السماء فوق مدينة "أوروك" قد كُفنت بسحبٍ كبريتية من الدخان الرمادي الكثيف، واختفى ضوء القمر الشاحب خلف غبار الأبنية المنهارة، ليحل محله وهجٌ برتقالي جحيمي ينبعث من الحرائق التي بدأت تلتهم أحشاء المدينة التاريخية.

‏بالنسبة لـ **آرثر** كان الأمر أشبه بنهاية العالم التي قرأ عنها في المجلدات القديمة، لكنها الآن تتجسد أمام عينيه بصرخاتٍ بشرية حقيقية، ودماءٍ حارة تلطخ درعه الفضي الذي كان يوماً ما ناصعاً.

‏تجمع الأبطال الخمسة في ساحة "النصر" التي تحولت في دقائق إلى مقبرة مفتوحة تعج بالأشلاء. وقف آرثر في المركز، سيفه الفضي يشع بنورٍ متقطع كأنه يصارع للبقاء،

‏وإلى جانبه **ليا** التي كانت تمسك بصولجانها المقدسة بيدين ترتجفان بعنف، بينما اتخذ **كايزر** و**مايكل** و**مايك** وضعيات قتالية دفاعية يائسة. كانت الموجة الأولى قد اقتحمت الساحة بالفعل؛

‏مئات من الوحوش من الرتبة **C** و **+C**، كائنات برمائية مشوهة بجلود لزجة وأنياب تقطر سماً أسود، يندفعون كالسيل العارم الذي لا يعرف التعب أو الخوف.

‏"تماسكوا! لا تسمحوا لثغرة واحدة بالظهور في هذا التشكيل!" صرخ آرثر، وصوته يحمل بحة الخوف الذي يحاول كبحه بكل قوته. كان يشعر بضغط المانا في الجو يزداد ثقلاً، وكأن الهواء نفسه أصبح عدواً يخنق الرئتين.

‏بدأ القتال برتمٍ وحشي ومستنزف. كان آرثر يطيح برؤوس الوحوش بنور سيفه القاطع، لكن في كل مرة يسقط فيها عشرة، يظهر مكانهم عشرون آخرون من العدم. كانت الرتبة **+C** تشكل ضغطاً جسدياً ونفسياً هائلاً؛

‏جلودهم القاسية كانت تمتص صدمات السيوف المعدنية، مما أجبر الأبطال على استنزاف مانا أكثر بكثير مما كان مخططاً له. رأى آرثر العرق يتصبب على جبين مايكل، والشرر يتطاير من درع مايك، وأدرك أن القوة الخام وحدها لن تكفي لصد هذا المحيط من الموت.

‏تراجع مايكل الإيلف خطوة للخلف، شعره الأصفر أصبح مغطى بالرماد والدم، وعيناه الخضراوان تشعان بضوءٍ غاضب ويائس. "كايزر ادمج برقك مع العاصفة خاصتي"

‏أومأ كايزر برأسه، والبرق الأزرق بدأ يرقص حول جسده بعنفٍ غير مسبوق. رفع مايكل يده نحو السماء المظلمة، متمتماً بلغة الإيلف القديمة التي تجبر الطبيعة على الخضوع، لينفجر منه **[إعصار الفناء المدمر]**؛

‏ريحٌ عاتية بدأت تدور بسرعة جنونية، تقتلع حجارة الرصيف وتمزق أجساد الوحوش كأنها ورق. وفي اللحظة ذاتها، أطلق كايزر مهارة **[برق السماء الثالثة]**، لتنزل صواعق زرقاء ضخمة وتحل في قلب الإعصار الدوار.

‏تحول المشهد إلى لوحة من الجحيم الجميل والمرعب؛ **عاصفة كهربائية** عملاقة أحاطت بنصف الوحوش الموجودة في الساحة، تحرق اللحم وتفتت العظام بصوت رعدٍ صمّ الآذان وهز جذور الأرض. لكن الثمن كان باهظاً ومأساوياً؛

‏قوة الانفجار الناتج عن دمج المهارتين لم تدمر الوحوش فحسب، بل سحقت ما تبقى من بيوت "أوروك" المحيطة بالساحة. رأى آرثر بمرارة كيف تهاوت الأسقف فوق رؤوس ساكنيها الذين لم يجدوا وقتاً للفرار،

‏وكيف تحولت المعالم التي جاء لحمايتها إلى ركامٍ من الخشب المحروق والحجر المهدم بفعل قوتهم هم. كان النصر مراً، بطعم الرماد.

‏وسط هذا الضجيج الكوني وصوت انهيار الجدران الذي يفطر القلب، نفذ إلى أذني آرثر صوتٌ اخترق فؤاده وأوقف نبضه للحظة؛ صرخة طفلٍ صغيرة، حادة، ومليئة بالاستغاثة.

‏توقف آرثر عن الحركة لثانية، وعيناه تجوبان الركام المحترق بلهفة. هناك، تحت أنقاض عربة تجارية محطمة تشتعل فيها النيران، رأى يداً صغيرة تلوح بيأس. "هناك طفل عالق!" صرخ آرثر لرفاقه، لكن أصواتهم غابت وسط زئير الوحوش المتدفقة من كل جانب.

‏لم يستطع آرثر، بطل النور والمثالية، أن يتجاهل ذلك النداء. وبدفعٍ من غريزته التي كانت دائماً بوصلته، ترك مكانه المركزي في التشكيلة الدفاعية واندفع نحو الأنقاض، متجاهلاً صراخ كايزر الغاضب

‏قفز فوق حطام مشتعل، ورفع الرافعة الخشبية الثقيلة بقوة مانه التي بدأت تنفد، ليكشف عن طفلٍ صغير، لا يتجاوز الخامسة، بملابس رثة ووجهٍ مغطى بالتراب والرماد.

‏انحنى آرثر وحمله برفق، محاولاً بث الطمأنينة في قلبه. في تلك اللحظة، وبينما كان يضم الصغير إلى صدره، لاحظ آرثر شيئاً غريباً جعل القشعريرة تسري في عموده الفقري؛

‏رغم الصراخ العالي الذي كان يصدره الطفل، إلا أن عينيه كانت جافتين تماماً من الدموع.

‏لم تكن نظراته نظرات رعب بشري، بل كانت نظراتٍ ثابتة، عميقة، ومظلمة بشكلٍ لا يوصف، كأنها بئر لا قاع له. لم يهتم آرثر كثيراً في تلك الثانية، ظناً منه أن الصدمة النفسية قد ألجمت بكاء الصغير.

‏"أنت بأمان الآن.. لن أدع أحداً يؤذيك،" همس آرثر وهو يشدد قبضته على الطفل.

‏وفجأة، اتسعت ابتسامة الطفل لتصل إلى أذنيه بشكلٍ غير طبيعي، ابتسامة بشعة لم تكن تنتمي لجنس البشر أبداً. وبحركة خاطفة ووحشية، غرس الطفل أسنانه الحادة كالخناجر في كتف آرثر.

‏لم تكن عضة عادية؛ فقد أحس آرثر ببرودةٍ شيطانية تنهش لحمه وتمتص طاقته، وانفجرت موجة من الدم القرمزي من كتفه لترش وجهه المصدوم.

‏في لمح البصر، تحول ذلك الجسد الصغير الناعم إلى مسخٍ بشع؛ شيطان قزم بجلدٍ رمادي متقشر وعيونٍ حمراء جاحظة تفيض بالحقد.

‏نظر الشيطان إلى وجه آرثر المذهول وضحك بصوتٍ مقزز يشبه كشط المعدن الصدئ، قبل أن يقتله آرثر بغريزةٍ قتالية عمياء، مغمداً سيفه في صدر المسخ الصغير الذي تبخر كالدخان الأسود.

‏سقط الشيطان ميتاً، لكن الصدمة التي هزت كيان آرثر كانت أعمق بكثير من الجرح الغائر في كتفه. نظر حوله ليدرك حجم الكارثة التي تسبب بها؛

‏اختفاؤه من التشكيلة لثوانٍ معدودة أدى إلى تزلزل الدفاع بالكامل، وفتح ثغرة قاتلة استغلها العدو بذكاء مرعب.

‏------

‏[منظور كايزر]

‏كان كايزر يشعر بحرارة المانا البرقية وهي تحرق عروقه، كان جسده يعمل كموصلٍ فائق للطاقة، وعيناه تلمعان بوميضٍ أزرق برقي حاد وهو يراقب الوحوش وهي تتفتت داخل تشكيلتهم

‏ كان يعلم أن هذا الاستنزاف هو مقامرتهم الأخيرة، وأن نجاح التشكيل يعتمد كلياً على ثبات آرثر في القلب ليصد أي اختراق جسدي بينما يفرغان هم طاقتهم السحرية لضرب الوحوش

‏وفجأة، وسط ضجيج الرعد، رأى كايزر ما لم يصدقه عقله. لمح آرثر، يلتفت بجسده بعيداً عن الجبهة المشتعلة. رأى نظرة "المثالية" الساذجة تلمع في عيني آرثر وهو ينظر نحو كومة من الركام المحترق.

‏"آرثر! اللعنة عليك، إلى أين تذهب؟!" حاول كايزر الصراخ بشكل أقوى، لكن مجهود الحفاظ على البرق المنهمر كان يمزق جسده

‏بكل بساطة، ترك آرثر مكانه. انكسر "القلب"، وبخروجه، اصبحت هناك ثغرات في تشكيلة شعر كايزر بفراغٍ قاتل يحل مكان هالة آرثر، وفي تلك اللحظة، استغلت الوحوش الثغرة.

‏ انقضت موجة من الكائنات البرمائية على مايكل الأعزل بينما كان في منتصف إطلاق رياح على وحش اخر اضطر كايزر لقطع تدفقه البرقي لإنقاذ رفيقه، مما أدى إلى ارتداد مانا قوية عليه بقوة عكسية.

‏انفجر الهواء حول كايزر ليخرج وحش كبير يسدد ضربة قذفته بعيداً ليرتطم بأساسات الساحة المحطمة. تصدعت ضلوعه بصوتٍ مسموع،

‏وغامت الرؤية أمام عينيه. ومن وسط غبار الانهيار، ظهر وحشان من الرتبة C عمالقة بشكل بشع تخترقها النبال.

‏بينما كان يصارع غياب الوعي، وبحركة يائسة ومثقلة بالألم، رفع كايزر بصره نحو الأعلى.. نحو البناء الذي كان يطل على الساحة من بعيد بشموخٍ صامت: قصر العمدة.

‏توقفت أنفاس كايزر للحظة، ليس بسبب الألم التي تمزق جسده، بل بسبب المشهد الذي تجمدت أمامه عيناه الداميتان. فوق سطح القصر، وسط ألسنة اللهب التي كانت تلتهم المدينة،

‏ وقف ظلٌّ هادئ، ظل فتى بشعرٍ رمادي خفيف يرفرف ببطء مع رياح. كان ليوين، يقف هناك بكل برود، كأنه يشاهد عرضاً مسرحياً ممتعاً من مقاعد الدرجة الأولى.

‏لم يكن هناك أي أثر للذعر أو القلق في ملامحه، بل كانت عينيه المظلمتين تلمعان ببريدٍ جليدي ومستفز، وكأن فناء المدينة وموت رفاقه لا يعنيانه بأي حال من الأحوال،

بل وكأنه يستمتع بكل صرخة ألم وبكل قطرة دم تراق في الساحة. التقت عيناهما لثانية واحدة، ثانية تجمد فيها الزمن، لم يرمش ليوين، ولم تهتز ابتسامته الباردة التي نضحت بالاحتقار.

‏واجه كايزر تلك النظرة بقلبٍ يشتعل بالغضب والعجز، وقبل أن يغوص في ظلام الإغماء التام، صرخت أفكاره بصدمةٍ ومرارة جعلت فمه يقطر دماً إضافياً: ' ليوين أيها العاهر اللعين.. أتستمتع وأنت تنظر إلينا ونحن نموت؟! '

‏-------

‏[ منظور ارثر ]

‏"كايزر! مايكل!" صرخ آرثر برعب وهو يرى وحشين من الرتبة **B** —شياطين عمالقة بقرون حجرية وجلود لا تخترقها النبال— قد اقتحما الدائرة الدفاعية المنهارة.

‏رأى كايزر ومايكل ممددين على الأرض، ملابسهم ممزقة والدماء تغطي وجوههم بعد أن تلقوا ضربة مباشرة من أحد الوحوش بسبب ارتباك التشكيلة المفاجئ. اندفع وحشٌ ثالث نحوهما ليضع نهاية لرحلتهما،

‏لكن آرثر، مدفوعاً بمزيجٍ من الذنب الحارق والغضب العارم، أطلق هجوماً انتحارياً من النور الصافي، **[نصل الفجر القاطع]**، ليمزق جسد الوحشين معا إلى نصفين قبل أن تصل مخالبه لرفاقه.

‏حمل آرثر كلاً من كايزر ومايكل بسرعةٍ تفوق طاقته، وجرهما خلف بقايا جدارٍ مائل ليخفيهما عن أعين الوحوش الهائجة التي بدأت تنتشر في الساحة كالنمل. ثم التفت يبحث بقلبٍ يرتجف عن البقية.

‏في الجانب الآخر من الساحة، تحت ظلال احده البيوت المحترقة، كان المشهد يمزق نياط القلب. **مايك**، القزم الصلب الذي كان يمزح دائماً بشأن قوة جسدم، كان يقف الآن كالجبل المنخور.

جروحه كانت بليغة لدرجة أن العظام بدأت تظهر تحت اللحم الممزق،

‏والدم يقطر من جسده بغزارة مرعبة، لكنه كان يرفض السقوط بصلابةٍ أسطورية. كان يقف كحارسٍ أخير أمام **ليا** التي كانت جاثمة على ركبتيها، تحاول بيأسٍ قاتل استخدام سحر الشفاء لإغلاق جروح مايك،

بينما كانت الوحوش تحيط بهما من كل جانب كالغربان الجائعة التي تنتظر لحظة الموت.

‏انطلق آرثر كالصاعقة، سيفه يرسم أقواساً من الموت النوراني في ظلام الساحة. في ضربة واحدة مشحونة بكل ما تبقى له من مانا وكرامة، أباد دائرة الوحوش المحيطة بهما في انفجارٍ من الضياء.

‏وقف آرثر أمام مايك وليا، جسده يرتجف، لاهثاً، والدماء تسيل بغزارة من كتفه المعضوض ومن جروحٍ أخرى في صدره لم يشعر بحرارتها إلا الآن.

‏ليا، رغم ذعرها وبكائها الصامت، بدأت على الفور بتوجيه مانا الشفاء نحو كتف آرثر. نظر مايك إلى آرثر بعينٍ واحدة مفتوحة بجهد، والأخرى مغطاة بطبقة من الدماء المتخثرة، وبوجهٍ عابس يملؤه العتب المرير والألم الجسدي،

‏قال بصوتٍ مبحوح يخرج من بين أسنانٍ مكسورة: "لماذا.. لماذا تركت التشكيلة يا آرثر؟ كدنا أن نموت جميعاً بسببك.. "

‏خفض آرثر رأسه، والدموع الحارة امتزجت بالدماء الباردة على وجهه الشاحب. "آسف.. حقاً آسف.. كنت أريد مساعدة طفل.. ظننت أنه.." كان صوته مختنق بالمرارة والندم.

‏لم يستطع إخبارهم أن مثاليته العمياء كانت الخنجر الذي كادت تذبح رفاقه قبل أن تفعله الوحوش.

‏لم يمنحهم القدر اللعين وقتاً أطول للعتاب أو تضميد الجراح. من وسط أدخنة الحرائق الكثيفة، خرج وحشان من الرتبة **B** ببطءٍ مرعب.

‏كان طولهما يتجاوز الثلاثة أمتار، وتنبعث منهما هالة خضراء سامة جعلت الهواء ثقيلاً والتنفس ضرباً من العذاب. بدأ القتال من جديد، لكنه كان قتالاً يائساً بكل المقاييس.

‏مايك، رغم جراحه التي قد تقتل رجلاً عادياً، كان ينخفض قريباً من الأرض، مستخدماً ما تبقى من المانا لصنع جدار صلب و ثقيل لصد ضربات الوحوش الهائلة التي كانت تزلزل الأرض بوقع أقدامها،

محاولاً بكل جوارحه حماية آرثر وليا خلف ظهره.

‏أما آرثر، فقد كان يشن هجوماً تلو الآخر، يفرغ ما تبقى من روحه في نصل سيفه، لكنه صُدم بالحقيقة المرة التي تحطم الكبرياء؛ هجماته النورانية التي كانت تبيد وحوش الرتبة C بلمحة بصر،

كانت تترك مجرد خدوش بسيطة وسطحية على الجلود الصخرية لوحوش الرتبة B.

‏كانت الضربة الواحدة من هراوات الوحوش تعادل قوة انفجار صخري، وكان آرثر يشعر بعظامه تتصدع مع كل تصادم معدني.

نظر حوله في لحظة تجلٍ مرعبة؛ إلى المدينة التي تحولت لركام، إلى رفاقه المحطمين،

‏وإلى الدماء التي لا تتوقف عن النزيف من كتفه، وشعر لأول مرة في حياته ببرودةٍ غريبة تزحف نحو قلبه.. ظلمة تهمس له بوضوح أن النور وحده، والمثالية الساذجة، لا يكفيان لإنقاذ هذا العالم من وحشية الواقع وخبث الظلال.

‏---

2026/03/26 · 25 مشاهدة · 1816 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026