---
كان المشهد يغلي بالدم والرماد وسط المدينة. وقف آرثر ومايك وليا يلهثون بأنفاسٍ محترقة، أجسادهم ترتجف بعنف تحت وطأة الإجهاد القاتل والجروح التي لم تتوقف عن النزف. كان آرثر يستند بثقله على سيفه المغروس جزئياً في الأرض لكي لا يسقط،
بينما كان مايك يلفظ أنفاساً مثقلة بصوت حشرجة الصدر، واجسادهم المحطمة تئن مع كل حركة.
لم تعد الدماء التي تغطي أجسادهم مجرد سوائل لزجة، بل تحولت إلى أثقالٍ تجر أرواحهم المنهكة نحو قاع اليأس. كان مايك، القزم الذي لا يتزعزع، يرتجف الآن بعنف؛ لم يكن خوفاً من الموت،
بل لأن ألياف عضلاته الممزقة لم تعد تقوى على حمل جسده بينما كانت ليا قد استنزفت كل قطرة مانا في عروقها وهي تحاول يائسة رتق جروح رفاقها التي لا تتوقف عن النزيف.
توقف الوحشان من الرتبة B عن التقدم. سكنت حركتهما الثقيلة أمام الأبطال الثلاثة مباشرة، وبرزت ملامحهما الصخرية البشعة تحت ضوء الشمس التي خرجت كأعمده من الموت الصامت.
كان هذا التوقف إشارة مرعبة؛ إذ انطلقت في اللحظة ذاتها وحوش الرتبة +C و وحوش رتبة C المجاورة كالسيل العارم، تنهش الأرض بأظافرها وتزحف بسرعة جنونية لتضرب كل من ارثر ومايك وليا
في ثوانٍ معدودة، وجد آرثر ورفاقه أنفسهم وسط حلقة من الأنياب المسمومة والعيون الصفراء التي تضيق عليهم الخناق من الأمام،
بينما يقف العملاقان في المواجهة كجدارٍ أخير يمنع أي بصيص للأمل، منتظرين لحظة الانقضاض النهائي لمحو ما تبقى منهم
في تلك اللحظة الحرجة، لم يكن الألم الجسدي المبرح هو ما يعذب آرثر؛ بل كان تصادم الأفكار المظلمة في دهاليز عقله.
كان يلوم نفسه بصمتٍ يمزق الروح، وكل قطرة دم سقطت من رفاقه كانت بمثابة مسمارٍ يُدق في نعش كبريائه المثالي.
'أنا السبب.. أنا من ترك الثغرة من أجل وهمٍ ساذج.. أنا من قتلتهم بحماقتي التي لا تصلح لهذا العالم البشع،' همس لنفسه والظلام يكاد يطبق على بصيرته تماماً.
لكن، ومن أعماق ذلك الرماد النفسي والحطام الأخلاقي، حدث شيءٌ تجاوز حدود المنطق السحري.
انفجرت من جسد آرثر طاقة نورانية بيضاء ناصعة، لم تكن تشبه النور الدافئ الذي اعتاد إطلاقه؛ بل كانت مانا نقية، باردة، وكثيفة لدرجة أنها أزاحت الوحوش
والأنقاض المحيطة بهم بضغطة جبارة، وكأن إعصاراً من الضياء الصافي قد ضرب مركز الساحة. تغيرت هالة آرثر في ثوانٍ؛ تلاشت الرعشة من يديه القابضتين على السيف، واستقام ظهره المنحني كأنه عمود
وانبعث من عينيه ضوءٌ فضي نافذ وحاد، جعل الوحوش من الرتبة B تتراجع بذهولٍ غريزي، وهي تشعر بضغطٍ غير مرئي يطحن عظامها ويخنق أنفاسها الكريهة.
---
على قمة قصر العمدة المظلم، بعيداً عن ضجيج السيوف وقريباً من النجوم الباردة التي تراقب المأساة بصمت، كان ليوين يجلس بوضعيةٍ مريحة فوق إحدى الشرفات الرخامية،
يراقب الدمار المستعر وصراخ الناس ببرودٍ يثير الرعب في النفوس.
لم تهتز شعرة واحدة من جسده وهو يرى الانفجار النوراني ينبعث من جسد آرثر، بل على العكس، ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة،
خالية تماماً من أي عاطفة بشرية، وكأنه يشاهد فصلاً متوقعاً في رواية مملة.
"انظروا إليه.. 'البطل' يستيقظ في اللحظة الأخيرة كما هو مفترض في كل القصص المبتذلة،" تمتم ليوين بصوتٍ خافت ضاع في هبوب الرياح.
"الناس، وحتى هؤلاء الحمقى من الوحوش، يظنون أن سبب عدم هزيمة آرثر هو نقاء روحه، أو سعة المانا الهائلة لديه، أو ربما تلك الأسلحة الأسطورية التي يحملها.. كلا، الأمر أعمق وأكثر بشاعة من ذلك بكثير."
أغمض ليوين عينيه لثانية، مستحضراً في ذهنه صفحات النهاية من الرواية الأصلية التي حفظ تفاصيلها. "عندما هزم آرثر ملك الشياطين أغاروث في المعركة الختامية، "
"
كان آرثر هو الطرف الأضعف في بداية الحرب استطاع أن يشاهد قوة ملك الشياطين المرعبة استمر نضاله إلى ما يقارب ال 10 ثواني فقط حتى كاد يموت لو لا تدخل والده"
"الذي قاتل ملك الشياطين بكل قوة حتى مات أمامه؛ بعد ذلك، عندما شاهد موت والده أمام عينيه، انفجرت قوته مجدداً. "
"
فبعد أن كان مجرد 'كيس رمل' يتلقى اللكمات، أصبح قادراً على رؤية ضربات (أغاروث) القادمة،"
" بل واستطاع صد بعض الضربات الحرجة وتحمّل الأخرى. لكن، رغم ذلك، لم يستطع هزيمة أغاروث في حينها،"
"
إلا أنه تمكن من النجاة من الموت حتى التقى به مجدداً في نهاية الحرب. هناك، استمر قتالهم لساعات طويلة، حتى حسم النصر لصالحه بفضل قدرته الخاصة على التكيف."
فتح ليوين عينيه، ونظر نحو الساحة بحدةٍ كأنها نصل: "هذه هي موهبة آرثر المرعبة؛ التكيف القتالي المطلق . "
"إنه لا ينمو بالتدريب الهادئ، بل ينمو بالنزيف والاحتراق. كلما تم خنقه ليوضع في الزاوية، ينفجر ويتطور ليتجاوز العدو الذي أمامه بمراحل. إنه كائنٌ صُمم للفوز في اللحظات التي يجب أن يخسر فيها."
"لكنه حالياً لا يزال لا يعرف طريقة استخدامها بطريقة صحيحة. قد تمنحه هذه القدرة فرصة للنجاة من الموت الآن، لكنها بالتأكيد لن تمنحه الفوز في معركة كهذه."
---
عادت الصورة إلى الساحة، حيث كان آرثر يتحرك الآن كبرقٍ فضي لا تدركه العين البشرية. لم يعد يقاتل وحوش الرتبة C+ بصعوبة،
بل أصبح يمزق أجسادهم الصخرية بضرباتٍ دقيقة وقاتلة لا تترك مجالاً للصد.
ومع صرخةٍ هزت أركان المدينة المحترقة، تجسد النور المنبعث من نصل سيفه على شكل تنين أبيض عملاق ؛ تنين النور الفضي الذي ظهر لأول مرة بكامل هيبته وسلطانه.
"تلاشوا في الضياء!" صرخ آرثر بصوتٍ رعدي، لينطلق التنين محطماً كل ما يقف في طريقه، محولاً جيش الوحوش المتدفق وعلى رأسهم وحشين رتبة B إلى رمادٍ تذروه الرياح الساخنة. ساد هدوءٌ مريب لثوانٍ،
وقف فيها آرثر يلهث بعنف، يقطر عرقاً ودماً، وهو يظن -في نفسه أن الكابوس قد انتهى أخيراً.
لكن الهدوء لم يكن سوى ستارٍ لشيءٍ أكثر شراً.
فجأة، شعر آرثر بهالةٍ غريبة.. هالة لم يشعر بمثل قذارتها وثقلها من قبل في حياته كلها. كانت كثيفة لدرجة أن طعم الهواء في فمه أصبح كالمعدن الصدئ،
والجو من حوله بدأ يتجمد ببرودةٍ غير طبيعية. تجمدت الدماء في عروق آرثر، والتفت ببطء ورعب نحو مايك وليا الذين كانوا ينظرون إليه بذهولٍ شله الخوف.
"مايك! خذ ليا.. وتحرك فوراً! اذهب لخلف الجدار، خذ كايزر ومايكل الذين تركتهم هناك! ارحلوا من هنا الآن! اهربوا بأقصى سرعة ولا تنظروا خلفكم!"
صرخ آرثر بجنون، وعروق رقبته برزت من شدة الرعب والضغط النفسي.
لم يفهم مايك سبب هذا الهلع المفاجئ بعد "الانتصار"، لكن الإجابة لم تتأخر. من وسط غبار الانفجار الأخير، انشق الدخان ببطء ليكشف عن كائنٍ ذو جلدٍ أسود لامع،
حراشفه حادة كالشفرات، وتنبعث منه مانا مرعبة من الرتبة A . لقد كان شيطان البحر ،
الذي وقف ببرودٍ تام وسط الدمار، ينظر إلى آرثر وكأنه مجرد عقبة صغيرة في طريق هدفه الأسمى. الضغط الصادر منه كان كافياً لجعل الأرض تحت أقدام آرثر تتشقق.
فوق قمة القصر، وقف ليوين ببطء، ونفض الغبار عن ثيابه السوداء ببرود، وهو ينظر إلى شيطان البحر الذي دخل أخيراً إلى ساحة الصراع الكبرى. تلاشت ابتسامته الساخرة لتعوضها نظرة تركيزٍ حادة ومظلمة.
"أخيراً.. لقد ظهر اللاعب الثقيل الذي كنت أنتظره،" همس ليوين وهو يتحقق من خناجره المخفية. "حان الوقت لترك هؤلاء الأبطال يتسلون مع الشيطان ويستنزفون قوته.. بينما أذهب أنا للحصول على الجائزة الحقيقية؛ البذرة. اتمنا أن يصل الدعم بشكل أسرع من أجل إكتمال الخطة من دون أي عوائق"
---
ط