تجمّد نبضُ الزمن في ساحة 'أوروك' المحطمة، أو هكذا خُيّل لـ آرثر؛ إذ لم يعد العالم من حوله سوى لوحةٍ صامتة لبقايا دمار.
تلاشت حشرجة النيران المستعرة في الأبنية، واختفت صرخات الضحايا البعيدة خلف جدارٍ من السكون المطبق، كأنما ابتلعها ثقبٌ أسود في نسيج الواقع. لم يعد الهواء غازاً يمنح الحياة،
بل استحال إلى محيطٍ كبريتيّ لزج، يتسلل إلى الرئتين كسمٍّ غادر يرفض الخروج.
أمام شيطان البحر، لم يشعر آرثر بالخوف فقط بل شعر بالعدم. لم تكن 'هالة الرعب' المنبعثة منه مجرد ضغطٍ معنوي، بل كانت 'سطوةً كونيّة' غاشمة، قبضت على روحه من تلابيبها وجرتها قسراً إلى قاعٍ مظلم و سحيق لا قرار له.
هناك، حيث تسود الظلمة المطلقة، كانت الأمواج السوداء تلطم وعيه بوحشية، كأنها تمزق ذكرياته وتفكك كيانه. تغلغل بردٌ جنائزيّ في مسامه،
نخر في نخاع عظامه المنهكة حتى تجمدت الدماء في عروقه، ليجد نفسه وحيداً في مواجهة كيانٍ لا يرى فيه بشراً، بل يرى فيه مجرد فقاعةٍ توشك أن تنفجر في أعماق محيطه المظلم."
وقف شيطان البحر بهدوءٍ مرعب وسط الأنقاض، مخالبه الطويلة تقطر سائلاً أسود لزجاً يغلي ويصدر فحيحاً عند ملامسته للأرض المحروقة. نظر إلى آرثر بعينين
صفراوين تشبهان عيون الزواحف، تحملان في طياتهما برود الأبدية واحتقار الكائنات الفانية. تنحنح الشيطان، وقال بصوتٍ هادئ متموج يشبه حفيف الأمواج الغاضبة على الصخور الصماء:
"مثير للاهتمام حقاً يا فتى.. أن تخترق حدودك البشرية وتصل إلى الرتبة *B* وسط هذا الحشد من الموت والدمار. لعلها المرة الأولى في تاريخي الطويل التي أشاهد فيها بشرياً يتكيف بهذه السرعة مع رائحة الفناء. لكن، يا للأسف الشديد.. العظمة المفاجئة لا تمنحك صك الخلود، فقد حان وقت رحيلك عن هذا العالم."
لم يمنح الشيطان لآرثر حتى فرصة لاستجماع أنفاسه المتقطعة. وبحركةٍ برقية لا تدركها العين المجردة، امتدت يده اليمنى بشكلٍ غير طبيعي، وكأنها أطراف أخطبوط عملاق مشحونة بمانا مرعبة من الرتبة **+A**.
رفع آرثر سيفه الفضي بجهدٍ جهيد وبكل ما تبقى له من قوة في ذراعيه المرتجفتين ليصد الهجوم، لكن الاصطدام كان مروعاً؛ شعر آرثر كأن جبلاً قد سقط فوق نصله. طار في الهواء كأنه ريشة في وسط إعصار،
وقبل أن تلمس قدماه الأرض، ظهر شيطان البحر فوقه في كسرٍ من الثانية، مسدداً ركلةً ساحقة ومباشرة في بطن آرثر، قذفت به نحو الأرض بقوةٍ كافية لتحطيم ما تبقى من رخام الساحة الصلب.
سقط آرثر وهو يلفظ كتلة كبيرة من الدماء القانية التي لوثت صدره، وارتجف جسده بعنف بينما كانت رؤيته تتشوش وتغرق في ضبابٍ أحمر. تقدم الشيطان ببرودٍ قاتل، وبابتسامةٍ سادية شقت وجهه البشع لتكشف عن صفوف من الأسنان المدببة،
غرس مخالبه في كتف آرثر السليمه ثم سمع صرخةٌ مزقت سكون المدينة الموحش انطلقت من حنجرة آرثر، صرخة ألمٍ لم يسبق له أن تذوق مرارتها، لكن الشيطان لم يكتفِ بهذا القدر من العذاب؛
بل رفع يده الأخرى ببطءٍ متعمد، وغرسها في قدم آرثر اليمنى، مستمتعاً بنشوة الألم الخالص التي يراها تلمع في عيني "البطل" المنكسر.
"المقاومة اليائسة هي ما تجعل الصيد ممتعاً في نهايته،" قال الشيطان وهو يميل برأسه بفضولٍ مقزز.
وفي قمة ذلك العذاب الرهيب، وبينما كان وعيه يتلاشى، وبشرارةٍ أخيرة من العناد البشري الذي لا ينطفئ، جمع آرثر ما لديه من مانا متبقية في جسده وفجر كتلة من الهجوم النوري المركز مباشرة في وجه الشيطان القريب.
تراجع شيطان البحر خطوتين إلى الوراء وهو يبتسم ابتسامة مقززه، صاداً الهجوم بذراعه المتقشرة ببرودٍ تام وكأنها مجرد نسمة هواء باردة. "جيد جداً.. الفريسة الجريحة لا تزال تملك بعض الأظافر لخدش الجلد"
وقف آرثر بصعوبةٍ بالغة، مستنداً بكامل ثقله على نصل سيفه الذي حمله بيده اليسرى—تلك اليد التي نهشها الشيطان الصغير في وقتٍ سابق وكان يشعر فيها بخدرٍ مميت. كان يشعر بثقلٍ لا يطاق، وكأن السيف قد صُهر من جبالٍ من الرصاص،
لكنه لم يستسلم لغواية السقوط. في تلك اللحظة، لم يكن يفكر في النصر المستحيل، بل كان تركيزه كله منصباً على استشعار هالة رفقائه البعيدة. وعندما أحس بنبضات مانا **مايك** اصبحت غير موجوده في المدينة، مؤكدةً أنه نجح في إخلاء الجرحى ومغادرة حدود المدينة المنكوبة،
ارتسمت ابتسامة شاحبة، دامية، وواثقة على وجه آرثر الملطخ بالتراب.
"الآن.. يجب أن أفكر بطريقة النجاة" همس آرثر بصوتٍ يكاد لا يُسمع.
في اللحظة التاليا استجمع آرثر شتات روحه الممزقة، ونبش في أغوار جوهره عن آخر شرارات الحياة التي لم تنطفئ بعد. وبصرخةٍ لم تكن حنجرته هي من أطلقها، بل كيانهُ بأكمله، حرّر الهجوم الأقوى لديه: [تنين النور الفضي الكامل].
انفجر النورُ من نصل السيف الفضيّ كانفجار مستعرٍ أعظم واستحال المعدنُ المرتجف إلى فكٍّ هائجٍ لـ تنينٍ أبيضٍ عملاق. انطلق الكيان النوراني بصرخةٍ كونيةٍ مزلزلة، صرخةٍ لم تهز أركان 'أوروك' فحسب، بل صدّعت جدران الواقع نفسه.
بجناحين من الضياء الساطع الذي أحال دمار المدينة إلى نهارٍ قسري، اندفع التنين كأنه حُكمٌ سماويٌّ أخير، مما أجبر شيطان البحر "
على التراجع والتركيز التام لصد هذا الهجوم الذي فاق توقعاته. وسط الهجوم المدمر، لم ينتظر آرثر ليشهد النتيجة؛ بل انسحب بجسده المحطم نحو الطرف الآخر من المدينة للهروب
وسط الدمار الناتج وبما تبقا من من مدينة نتيجة الهجوم السابق، وقف شيطان البحر شامخاً كأنه جبلٌ من الكوابيس. كان جسدهُ لوحةً مرعبة من الدمار؛ إذ ترك 'تنين النور' خلفه فجواتٍ غائرة في جسده
وأحرق أجزاءً كاملة من ملامحه حتى برز العظمُ الأبيض تحت اللحم المتفحم نتيجة الاصطدام المباشر الذي كان كفيلاً بمحو جيشٍ بأكمله.
لكن، وبشكلٍ يثير القشعريرة في الروح، لم يسقط
بدأت خيوطٌ سوداء لزجة، تشبه أطرافاً مجهرية لكيانٍ بحري غامض، تنسلّ من حواف جراحه المفتوحة. بدأت المانا المظلمة تغلي فوق جسده الممزق،
وهي تعيد رتق اللحم المحترق ببطءٍ مرعب وممنهج. صوت تجدد خلاياه كان أشبه بحشرجةٍ في أعماق المحيط، معلناً ببرودٍ قاتل أن أقوى هجمات آرثر لم تكن سوى خدشٍ عابر في جسدِ شيطان يرفض الفناء.
شاهد شيطان البحر هروب آرثر اليائس ببرودٍ شديد، ونفض الغبار عن حراشفه المشتعلة، وتقدم ببطءٍ وثبات لينهي هذه المطاردة المملة.
لكن، بمجرد أن خطى خطوة واحدة في اتجاه آرثر، اهتزت الأرض تحت قدميه بعنفٍ غير مسبوق جعل المباني المجاورة تنهار.
انفجرت التربة لتخرج منها سلاسل معدنية ضخمة، مشبعة بسحر الأرض القديم والمانا الجبلية، قيدت حركة الشيطان وشلت أطرافه لثوانٍ معدودة. وفي تلك اللحظة الخاطفة،
ظهر **مايك** من العدم بسرعةٍ جنونية، وحمل آرثر المدمر بين ذراعيه القويتين واختفى من المكان في لمح البصر مستخدماً كل المانا لديه للهروب
دمر شيطان البحر السلاسل والأرض من حوله بزئيرٍ غاضب تردد صداه وسط الدمار، ونظر إلى الفراغ حيث اختفيا، لكنه لم يعد يهتم بمطاردتهما كثيراً؛ فالجوع لمانا "البذرة" كان أقوى من رغبته في القتل.
"هربتم الآن.. لكن البذرة هي الجائزة الأهم التي ستفتح البوابة الكبيرة لتجعلني ملكاً،" تمتم وهو يستدير بجسده الضخم ليعود نحو قصر العمدة.
لكن في تلك اللحظة بالذات، تجمد الشيطان في مكانه وكأن صقيعاً قد أصاب مفاصله. هالةٌ قوية و كثيفة بشكلٍ مرعب سقطت من السماء كأنها صاعقة إلهية حطمت حاجز الصوت.
رفع الشيطان رأسه بذهولٍ تام، ليرى رجلاً يقف في الفراغ فوقه مباشرة، تتدلى عباءته بوقارٍ ملكي؛ إنه **الأستاذ بير**، من المستوى أو رتبة **+S**.
كان الأستاذ بير ينظر للأسفل بعينين باردتين كالثلج القطبي، محاطاً بدوائر سحرية عملاقة تملأ سماء المدينة وتطرد الدخان الأسود.
"لقد تأخرتُ قليلاً عن موعدي.. أليس كذلك؟" قال بير بصوتٍ رزين، عميق، ومخيف يبعث الرهبة في قلوب العمالقة. وبإشارةٍ بسيطة وشبه غائبة من يده،
تفعّلت الدوائر السحرية لتسحق شيطان البحر تحت ضغطٍ مادي وجاذبي نتيجة الهجمات الساحقه بشكل هائل جعله يغوص عشرات الأمتار في أعماق الأرض الصلبة.
هبط الأستاذ بير بهدوءٍ ملكي على الحطام، ونظر حوله بتنهيدةٍ خفيفة مليئة بالأسى إلى الدمار الشامل الذي حل بمدينة "أوروك". كان المشهد يدمي قلب أكثر الرجال قسوة؛
بيوتٌ تحولت لرماد، وشوارع كانت تضج بالحياة أصبحت مخضبة بدماء الأبرياء. رفع رأسه مرة أخرى لينظر بنظرة احتقار إلى الشيطان الذي حاول النهوض بجسده الممزق والحطام يغطيه.
لم يستمر القتال الذي تلا ذلك سوى بضع ثوانٍ معدودة؛ كانت حركات الأستاذ بير فنية، دقيقة، وسريعة لدرجة أن الشيطان من الرتبة +A لم يستطع حتى استيعاب ماهية السحر الذي يقتله. بضربةٍ واحدة من سحر "التحلل الجزيئي"، انتهى وجود شيطان البحر تماماً وتحول إلى ذرات من الرماد الأسود.
مسح الأستاذ بير الغبار عن كتفه ببرود، ثم استدار بوقارٍ يتجه نحو الموقع الذي شعر فيه ببقايا مانا آرثر والبقية، ليطمئن بقلبٍ مثقل على ما تبقى من طلابه وسط هذا الركام المأساوي الذي سيذكره التاريخ طويلاً.
---