‏---

‏بينما كانت مدينة "أوروك" فوق الأرض تئن تحت وطأة الموت وتستقبل بزوغ فجرٍ كاذب على يد الأستاذ بير، كان العالم في أعماق السرداب تحت قصر العمدة قد انفصل تماماً عن مفهوم الزمن والمكان. هنا، في هذا القبو السحيق حيث الرطوبة تفوح برائحة المعدن الصدئ والدماء المتخثرة التي لم تجف بعد،

‏كان **ليوين** يقف وحيداً، شاخصاً ببصره أمام البذرة الشيطانية. كانت الكتلة اللحمية الضخمة تنبض بإيقاعٍ وحشي ومنتظم، عروقها البنفسجية المتوهجة تمددت كأذرع أخطبوطٍ كابوسي لتلتف حول أعمدة القبو الرخامية، محولةً المكان إلى ما يشبه أحشاء كائنٍ عملاق وقبيح يتنفس من خلال جدران القصر.

‏وقف ليوين هادئاً، يراقب النبض المضطرب للبذرة ببرودٍ يضاهي برودة الجثث الملقاة في الخارج. لم يكن هناك ذرة خوف في عينيه المظلمتين، بل كان هناك "نهمٌ" مكبوت منذ زمن، جوعٌ قديم وقاسٍ لقوةٍ لا تعترف بالقوانين الأخلاقية الهشة للأكاديمية أو بحدود المانا البشرية التقليدية.

‏مد يده ببطءٍ مدروس، لتخرج من أطراف أصابعه خيوطٌ من الظلام الدامس، ظلامٌ لم يكن مجرد سحر، بل كأنه قطعة من العدم الخالص بدأت تتلوى وتقترب من النواة النابضة بجوعٍ مماثل.

‏"حان الوقت لنضع نهاية لهذه المسرحية الهزلية.." همس ليوين، وصوته لم يكن سوى فحيحٍ ضاع في جوف القبو المظلم.

‏بمجرد أن لامست ظلال ليوين سطح البذرة اللزج والمتوهج، اهتز السرداب بالكامل اهتزازاً لم تشهده المدينة من قبل. لم يكن اهتزازاً في الأرض فحسب، بل كان اهتزازاً في نسيج "الواقع" نفسه. وفجأة، لم يعد ليوين يسمع صمت القبو الثقيل،

‏بل انفتحت في عقله بوابات الجحيم على مصراعيها. مع بداية عملية الامتصاص المحرمة، بدأت "الذكريات" و"الأرواح" المختزنة داخل البذرة تدفق نحو وعيه كالإعصار المشتعل الذي لا يبقي ولا يذر.

كانت البذرة قد تغذت على دماء ومشاعر مئات الناس الذين اختفوا في أوروك على مدار سنوات من الفساد والظلم،

‏والآن، كان على ليوين أن يبتلع تلك الكتلة الهائلة من المعاناة الإنسانية ليصقل منها جوهره الجديد.

‏**[بداية عملية امتصاص البذرة: %1...]**

‏في تلك اللحظة الحرجة، صفع وعي ليوين صراخٌ جماعي مرعب هز كيانه. سمع صوت امرأة تبكي بمرارةٍ تمزق الصدر وهي تُسحب بعيداً عن أطفالها نحو المجهول، وسمع استغاثات رجالٍ تحطمت كبرياؤهم وقوتهم تحت أنياب الشياطين الجائعة.

‏كانت الأصوات تتداخل في رأسه، تصرخ، تتوسل، وتلعن في آنٍ واحد، كأنها آلاف الإبر المحماة التي تُغرس في كل خلية من خلايا دماغه لتجبره على الشعور بآلامهم.

‏*"لماذا نحن؟"* *"أرجوك.. أنقذ طفلي الوحيد!"* *"الموت.. الموت أرحم بكثير من هذا الظلام الذي يبتلعنا!"*

‏ارتسمت على وجه ليوين تكشيرة بسيطة، لكنها لم تكن تكشيرة نابعة من الألم أو التعاطف، بل كانت "نشوة" غريبة، مظلمة، ومقززة. لم يحاول ليوين كتم تلك الأصوات أو الهروب من هول المشاهد التي تمر أمام بصيرته،

‏بل فتح وعيه وروحه بالكامل ليستقبلها. كان يشعر بكل صرخة ألم وهي تتحول كيميائياً إلى "مانا" نقية وعالية الكثافة تتدفق عبر خيوط ظله إلى عروقه. كان يشعر بمرارة دموعهم وهي تمتزج بماناه الخاصة، محولةً إياها من مانا عادية إلى شيءٍ أكثر ثقلاً، سواداً، وقوة.

‏"اصرخوا أكثر.." تمتم ليوين وهو يغمض عينيه باستسلامٍ غريب، والضوء البنفسجي المنبعث من البذرة ينعكس على وجهه الشاحب ليظهره كشيطانٍ حقيقي.

‏"كلما زاد صراخكم وتضاعف يأسكم، زاد وقود قوتي القادمة. آلامكم التي لا تنتهي هي الثمن الزهيد الذي أدفعه مقابل سيادتي المطلقة."

‏**[تقدم الامتصاص: %25... %40...]**

‏بدأ جسد ليوين يهتز تحت وطأة الضغط المادي والهائل للمانا الشيطانية. المانا التي كانت تخرج من البذرة لم تكن مستقرة أبداً؛ كانت هائجة، مشحونة بالحقد والكراهية والرغبة في الانتقام. شعر ليوين وكأن عروقه تمتلئ بالزجاج المحطم والمغلي،

‏وكأن قلبه يُعصر بيدٍ عملاقة تريد سحقه. لكن ظلامه الخاص، ذلك الكيان الغامض والمظلم الذي يسكن في أعمق نقطة في روحه، بدأ يبرز كحيوانٍ مفترس يلتهم كل ذلك الحقد. كان الظلام يعمل كمصفاة جبارة

‏وسحرية؛ يبتلع الصرخات والآلام البشرية، ويمتص المانا الصافية المخبأة فيها ليضخها في "نواة المانا" الخاصة بليوين التي كانت تتوسع وتتشقق لتعيد بناء نفسها بقوةٍ أكبر.

‏مع كل نبضة قوية للبذرة، كانت صور الدمار في المدينة المحترقة تظهر أمام عينيه بوضوحٍ مؤلم. رأى آرثر وهو يُسحق تماماً تحت يد شيطان البحر،

ورأى ليا وهي تبكي بمرارةٍ وعجز وسط الحطام. شعر بضعفهم الفطري، وشعر بمدى تفاهة مثاليتهم ونورهم أمام هذه القوة الجبارة التي ينتزعها الآن من أحشاء الأرض.

‏بالنسبة لليوين، كان هذا هو "الواقع الحقيقي" الذي يرفض الجميع رؤيته؛ القوة الحقيقية تُبنى دائماً فوق تلال من الجثث وصيحات الضحايا، وكل من يدعي غير ذلك ليس سوى ساذج أحمق ينتظر دوره في المقصلة بابتسامةٍ بلهاء.

‏الأصوات أصبحت الآن أكثر وضوحاً وحدة، لدرجة أنه بدأ يرى وجوه أصحابها بملامحهم الدقيقة في الظلام الدامس المحيط به. رأى العمدة وهو يغرس نصله في وزراءه بدمٍ بارد، ورأى رعب الوزراء الخالص في

‏لحظاتهم الأخيرة وهم يتساءلون عن سبب خيانتهم. كانت الأصوات تذكره بخطيئته الكبرى، بكونه "الجزار" الحقيقي الذي رتب هذا المسرح الدموي من خلف الستار. لكن ليوين لم يهتز قيد أنملة.

‏بل على العكس تماماً، بدأ يضحك بصوتٍ منخفض ومرعب، ضخكة باردة خالية من أي ذرة ندم، ترافقت مع اشتداد قوة الامتصاص التي بدأت تمزق رداءه الخارجي.

‏"هل تظنون حقاً أن بكاءكم أو لعناتكم ستوقف زحفي؟" قال ليوين وهو يغرس يديه بعمقٍ مخيف داخل النواة اللحمية النابضة، متجاهلاً السوائل اللزجة والسوداء التي غطت ذراعيه حتى المرفقين.

‏"أنا لست بطل.. أنا لا أبحث عن خلاصكم أو شكركم. أنا أبحث عن القوة تلك القوة المطلقة التي تجعلني استرجع ما خسرته."

‏**[تحذير: ضغط المانا يتجاوز الحدود البشرية القصوى... %70... %85...]**

‏في هذه المرحلة المتقدمة، بدأ القبو الرخامي يتصدع وتتساقط منه قطع الحجارة الضخمة. المانا السوداء بدأت تفيض من جسد ليوين بغزارة لتملأ المكان بالكامل،

محولةً السرداب إلى منطقة من "العدم المطلق" حيث لا يوجد ضوء ولا هواء ولا صوت سوى نبضات قلبه

‏المتسارعة. كان ليوين يشعر بأن جسده يتوسع ويتمدد، وكأن حدود جلده البشري لم تعد كافية لاحتواء تلك القوة الخام والوحشية. الأصوات وصلت إلى قمتها القصوى؛ كانت صرخة واحدة جماعية مدوية من مئات الأرواح المعذبة،

‏صرخة هزت روح ليوين حتى أعمق جذورها، محاولةً تحطيم عقله وتشريده في جنون الأبدية اللامتناهي.

‏لكن "إرادة" ليوين و ظلامه، التي صُقلت بفضل تذكر اصدقائه و في عيشه كشخصية جانبية مهملة ومنبوذة يتم التنمر عليها وضربها من الجميع، كانت أقوى من أي وقتٍ مضى. سيطر على العاصفة المشتعلة بداخله ببرودٍ حديدي يثير العجب.

‏استخدم ظلامه الكثيف ليخنق تلك الأصوات حرفياً، ليحولها من صرخات استغاثة وبكاء إلى ترانيم خضوعٍ وهمساتٍ طيعة تخدم غرضه الوحيد. استطاع الظلام امتصاص البذره بالكامل

‏وفجأة، وبعد صرخةٍ أخيرة شقت جوف الليل، ساد صمتٌ مطبق ومخيف.

‏**[اكتمل امتصاص البذرة بنجاح: %100...]**

‏انفجرت البذرة في يد ليوين في انفجارٍ صامت، لتتحول في ثوانٍ إلى غبارٍ رمادي بارد تلاشى في الهواء الكثيف. وقف ليوين في وسط الحطام والدمار، جسده مغطى بالكامل بهالة من الظلام الكثيف الذي بدا وكأنه ثقبٌ أسود يبتلع كل الضوء من حوله.

‏كانت عيناه قد تغيرتا بشكلٍ جذري؛ لم تعدا مظلمتين فحسب، بل أصبح في بؤبؤيهما بريقٌ بنفسجي خافت وساحر، يشبه تماماً لون النواة الشيطانية التي كانت تنبض هنا قبل قليل.لكن لم يستمر اللون كثيرا حتى اختفى

‏شعر ليوين بقوةٍ جبارة تجري في عروقه وتنبض في قلبه، قوة لم يحلم بها حتى في أكثر تخيلاته جموحاً. قوة الرتبة **B** الصلبة، في لحظات الانفجار والتركيز العالي. لكن الأهم من الرتبة والمستوى، كان "النقاء المظلم" لماناه؛

‏لقد أصبحت ملوثاً وجزءاً من جوهر الشياطين الحقيقي، لكنه جوهرٌ خاضع لإرادته البشرية بالكامل، سلاحٌ فتاك تم دمجه بشكل كامل مع ظلام الخاص به

‏تحسس ليوين صدره، حيث كان قلبه ينبض بقوة وهدوءٍ وثبات. الأصوات التي كانت تصرخ وتبكي منذ قليل لم تختفِ تماماً من وعيه؛ بل أصبحت مجرد همساتٍ بعيدة، خافتة، وذليلة في خلفية عقله،

‏تذكره دائماً بالثمن الدامي الذي دُفع لأجل هذه اللحظة. استدار ليوين ببطءٍ شديد نحو السلم الحجري المؤدي للأعلى، ونظر بنظرةٍ باردة نحو الفتحة التي تطل على القصر المنهار والمدينة التي تحولت إلى رماد.

‏"لقد انتهيتُ من جمع قطفي الثمين من هذه الأرض الملعونة. والآن، دعونا نخرج لنرى كيف ستبكي 'البطولة' فوق أطلال هذه المدينة الجريحة."

‏خرج ليوين من السرداب بخطواتٍ واثقة وصلبة، يترك خلفه قبواً فارغاً تماماً من الحياة ويحمل في داخله قوة مئات الأرواح المعذبة التي صُهرت لتصنع منه وحشاً جديداً؛ الشيطان الذي يرتدي قناع الإنسان، والبطل الذي سيحرق العالم ليفوز في المركز الأول

‏---

2026/03/27 · 20 مشاهدة · 1314 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026