---
كان الغبار الرمادي لا يزال يترسب ببطءٍ فوق أنقاض ساحة أوروك المحطمة، كأنه كفنٌ بارد يغطي جثث المدينة، عندما خرج ليوين من تحت ركام القصر المنهار. كان منظره مدروساً بعنايةٍ فائقة؛
ملابس ممزقة في زوايا غير حيوية، طبقة كثيفة من الغبار تغطي خصلات شعره الأسود، ووجهٌ يحمل ملامح "الإرهاق المصطنع" الممزوج بالذهول. لكن في أعماقه، كانت المانا المظلمه تغلي في عروقه كالرصاص المصهور،
يروّضها بجهدٍ جهيد لتبدو هالة عادية، هامدة، وغير مثيرة للريبة أمام الحاضرين.
على بُعد أمتارٍ قليلة وسط الحطام، كان المشهد يفيض بالتراجيديا. آرثر مستلقٍ على محفة سحرية متوهجة أوجدها الأستاذ بير ، وجسده مغطى بضماداتٍ بيضاء سرعان ما بدأت تتلطخ باللون القرمزي؛ فجراح كتفه وقدمه كانت أعمق من أن يوقفها سحر شفاءٍ سريع.او بضع من الزجاجات العلاجية
مايك كان جالساً بجانبه كجبل مهزوم وعيناه ممتلئتان بمزيجٍ سام من الغضب المكتوم والحزن العميق على ضياع أوروك. أما ليا ، فكانت تقف ممسكة بصولجانها بقبضةٍ بيضاء من شدة الضغط،
ويدها ترتجف بوضوح، ليس من فرط التعب الجسدي، بل من شرارة شكٍ بدأت تشتعل في عقلها وتكبر ككرة الثلج.
بمجرد أن وقعت عينا مايك على ليوين وهو يقترب بخطواتٍ هادئة ومستفزة، انتفض القزم فجأة واقفاً، وكان صوت صرير أسنانة مسموعاً بوضوح وسط هذا الصمت الجنائزي.
"أين كنتَ بحق الجحيم؟" سأل مايك بصوتٍ يشبه الرعد المكتوم، وعيناه تقدحان شرراً كأنهما فوهة بركان على وشك الانفجار.
"المعركة انتهت، المدينة سُحقت تحت الأنقاض، وآرثر كاد أن يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت مخالب شيطان من الرتبة +A.. وأنت تخرج الآن من جحرِك ببرودٍ وكأنك كنت في نزهةٍ مسائية؟"
توقف ليوين على مسافةٍ آمنة، ونظر إلى مايك بهدوءٍ جليدي، هدوءٍ جعل مايك يشعر بالاستفزاز أكثر من أي صرخة.
"لقد حوصرتُ في السرداب السفلي المظلم، يا مايك. واجهتُ هناك موجات متتالية من وحوش الرتبة C و+C لذالك كنت منشغلا ولم أستطع المجيء للمساعده"
"كاذب! أنتَ كاذبٌ يا ليوين!" صرخت ليا فجأة، لتهز كيان الساحة وتجذب أنظار الجميع، حتى الأستاذ بير الذي كان يراقب الموقف بصمتٍ مهيب وعينين صقريتين تكادان تخترقان روح ليوين بعد أن اكتشف أن قوته قد زادت إلى رتبة B
تقدمت ليا نحو ليوين بخطواتٍ سريعة، وجهها كان شاحباً كالورق لكن عيناها تحملان حدةً وشراسةً غير معهودة في رقتها المعتادة.
"لقد كنتُ أراقبك يا ليوين.. كنتُ أراقب تفاصيلك المريبة منذ أيام. في تلك الليلة المظلمة التي سبقت الهجوم بيومين، رأيتك تتسلل خارج المخيم في وقتٍ متأخر جداً. ظننتُ وقتها بسذاجة أنك تتدرب أو ذهبت للحصول على بعض المعلومات لكنني الآن، وسط هذا الدمار، أدرك الحقيقة البشعة."
التفتت ليا نحو الأستاذ بير، وصوتها يتهدج بمزيجٍ من الرعب واليقين:
"أستاذ بير، الرسالة السحرية التي وصلت إلى الأكاديمية لطلب الدعم العاجل.. لم يرسلها آرثر أبداً. آرثر لم يكن يعلم حتى بمدى خطورة الموقف في تلك الليلة، كان غارقاً في تفكير بما يجب أن نفعله لا شك أن ليوين هوه من ارسل الرساله ليطلب الدعم مع علمه الكامل بتوقيت الهجوم وأضراره!"
ساد صمتٌ قاتل، صمتٌ ثقيل لدرجة أن صوت سقوط قطرة دم من ضمادات آرثر كان له صدىً في المكان. آرثر، الذي كان يئن تحت وطأة الدم والألم، فتح عينيه بصعوبةٍ بالغة، ونظر نحو رفيقه ليوين بنظرةٍ ممزقة،
نظرة ضائعة بين ثقةٍ عمياء قديمة وشكٍ قاتل بدأ ينهش في قلبه. "ليوين.. أخبرني أنها تخطئ.. هل هذا صحيح؟ هل كنتَ تعلم بالكارثة قبل وقوعها وتركتنا نسير نحو المذبحة؟"
خطا الأستاذ بير خطوة للأمام، وهالته السحرية من المستوى +S بدأت تضغط على الجو بشكلٍ غير مرئي لكنه جعل الهواء يبرد فجأة.
"ليوين.. لقد قمنا بتتبع البصمة السحرية للمصدر الذي أرسل النداء، وبالفعل، البصمة لم تتطابق مع مانا آرثر. إذا كنتَ أنتَ من أرسل ذلك النداء سراً، فهذا يعني بالضرورة أنك كنتَ تملك معلوماتٍ استخباراتية مسبقة عن الشيطان ذو رتبة +A وعن توقيت تحرك الشياطين.. فلماذا لم تبلغنا بالقنوات الرسمية؟ ولماذا تركتَ رفاقك"
" يواجهون الفناء وحدهم في الساحة بينما كنتَ 'محاصراً' براحةٍ في الداخل؟"
كانت الضغوط الخانقة تحيط بليوين من كل زاوية؛ غضب مايك الجارف، دموع ليا الحارقة، عجز آرثر المأساوي، ونظرات الأستاذ بير التي تكاد تشرّح جسده لتصل إلى السر المظلم القابع في أعماق قلبه.
كان أي شخصٍ طبيعي في مكان ليوين سينهار، سيتلعثم، أو ربما يهرب، لكن ليوين.. ليوين شعر بنشوة في داخله تمنحه ثباتاً لا ينتمي للبشر.
ارتسمت على شفتي ليوين ابتسامة خفيفة، باردة، وشبه غائبة، ابتسامة جعلت ليا تشعر ببرودةٍ تسري في عمودها الفقري. لم تكن ابتسامة اعترافٍ بالذنب، بل كانت ابتسامة كبرياءٍ لشخصٍ يرى الجميع من قمةٍ شاهقة.
"ليا.. لطالما قلتُ بنفسي انكي أذكى مما تظهرين، وهذا ما يعجبني في دقة ملاحظتكِ،" قال ليوين بصوتٍ هادئ، رزين، ومنتظم، وكأنه يلقي محاضرةً تاريخية.
"نعم، أنا من أرسل الرسالة. كنتُ قد اكتشفتُ أن العمدة يخطط لشيءٍ قذر ودموي، وكنتُ أعلم يقيناً أن آرثر سوف يهاجم موقع ويجعلنا أمام الموت المحتوم، لذا قررتُ التصرف وحدي في الظل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه المدينة الملعونة."
خطا ليوين خطوةً واثقة نحو محفة آرثر، متجاهلاً يد مايك التي كانت تقبض على مقبض يده. "أما عن اختفائي أثناء القتال.. فهل تظنون حقاً، بعقولكم الصغيرة، أن صبياً في الرتبة +C مثلي يمكنه الوقوف وجهاً لوجه أمام شيطانٍ من الرتبة +A؟ لو خرجتُ للساحة، لكنتُ مجرد جثةٍ إضافية تزيد من إحباطكم وتثقل كاهل آرثر في حمايتي. "
نظر ليوين مباشرة وبثباتٍ مرعب في عيني الأستاذ بير، بجرأةٍ نادرة لم يجرؤ عليها أي طالبٍ في تاريخ الأكاديمية أمام رتبة +S.
"أستاذ بير، هل يُعتبر فعلي لإنقاذ رفاقي عبر طلب الدعم سراً، متجاوزاً البيروقراطية القاتلة، جريمةً تستحق هذا الاستجواب؟ أم أن جريمتي الحقيقية في نظرهم هي أنني لم أمت معهم في الساحة ليرضى عني الجميع '؟"
كان حوار ليوين مسموماً ومدروساً بعناية؛ لقد حوّل "الخيانة والتآمر" إلى "تضحيةٍ سرية وبطولةٍ صامتة"، وحوّل "الهروب والجبن" إلى "مهمةٍ انتحارية خلف خطوط العدو". لكن الشكوك لم تتبخر؛
كانت لا تزال عالقة في عيني ليا التي شعرت، بحدس الأنثى، أن وراء تلك الابتسامة الخفيفة وحشاً كاسراً لا يعرفه أحد، وأن هذا الفتى قد تجاوز مرحلة كونه مجرد طالب.
انتهى الحوار الحاد بوقوف الأستاذ بير بجسده بالكامل بين ليوين والبقية، وقال بنبرةٍ حاسمة لا تقبل الجدل:
"سنقوم بالتحقيق في كل تفصيلٍ ذُكر هنا في أروقة الأكاديمية وبشكلٍ رسمي وقانوني. الآن، الأولوية القصوى هي لنقل الجرحى قبل أن تسوء حالتهم. ليوين.. منذ هذه اللحظة، ستكون تحت مراقبتي الشخصية اللصيقة طوال طريق العودة."
لم يبالِ ليوين بوعيد الأستاذ. لقد حصل على كل ما أراد، وأكثر. القوة الجديدة التي تغلي في داخله كانت تهمس له أن القواعد البشرية والقوانين الأكاديمية لم تعد تنطبق على كيانه الجديد.
وبينما كان يُحمل آرثر المنهك ومايكل و كايزر الغائبين عن الوعي بعيداً، نظر ليوين إلى المدينة و حطام قصر العمدة الذي صار كتلة من الدمار ابتسم ببرودٍ شيطاني ولم يهتم
---