تحركت القافلة السحرية التي أعدها **الأستاذ بير** ببطءٍ جنائزي فوق الطريق الوعرة المغادرة لأسوار "أوروك" المحطمة. كان الجو داخل العربة الطبية المركزية، التي تفوح برائحة الأعشاب المطهرة والمانا المنعشة، ثقيلاً لدرجة الاختناق؛
ليس بسبب الجروح الجسدية فحسب، بل بسبب الصمت الموحش الذي خيم على الجميع. في إحدى الزوايا المظلمة للعربة، كان **ليوين** يجلس ببرودٍ تام، مسنداً رأسه إلى الخشب المهتز، بينما كانت عينا الأستاذ بير لا تفارقانه، وكأن الأستاذ يحاول اختراق القناع الذي يرتديه هذا الطالب،
وقراءة الشفرة السرية خلف تلك الهالة التي أصبحت فجأة في الرتبة **B** وبكثافة غير طبيعية.
وسط هذا السكون الثقيل، بدأت أنفاسٌ مضطربة تكسر حدة الصمت. **مايكل**، الذي كان وجهه شاحباً كالكفن، بدأ يترنح في فراشه، وعرقه البارد يبلل الضمادات الكثيفة التي لفت صدره المحطم.
فتح عينيه ببطء، لكنهما لم تكونا تحملان بريق الطموح المعتاد أو كبرياء النبلاء؛ بل كانتا غارقتين في رعبٍ حيّ وكأنهما لا تزالان تريان مخالب الوحوش وهي تمزق الهواء.
"تبا هل مت ؟" همس مايكل بصوتٍ مبحوح وجاف، محاولاً الاعتدال بجسده، لكن صرخة ألمٍ مكبوتة أفلتت منه عندما تشنجت عضلات صدره الممزقة، ليعود ويسقط على الوسادة بأنفاسٍ متلاحقة.
بجانبه، استيقظ **كايزر** بجفلةٍ عنيفة، وكأنه كان يهرب من وحشٍ في منامه ليصطدم بكابوس الواقع الأكثر قسوة. نظر كايزر حوله بذعرٍ بدائي،
تراجعت يدا كايزر المرتجفتان، والمانا في عروقه تضطرب كبحرٍ هائج، لكن حين وقعت عيناه على جسد آرثر الملقى بجانبهما بلا حراك،
غارت أنفاسه في صدره. بدا وجه آرثر، الذي كان يوماً رمزاً للنور والصلابة، شاحباً كشمعةٍ أطفأها ريحٌ بارد، وغابت عنه تلك النضارة البطولية ليصبح قناعاً من الجمود الموحش.
في تلك اللحظة، تجعدت عينا كايزر بقهرٍ لم يستطع كبحه، وشعر بمرارة الفشل تنهش كبرياءه.
استدار كايزر ببطء، وفي زاوية المركبة المظلمة، اصطدمت نظرته ببرودٍ استفزازي. كان ليوين جالساً هناك،
متكئاً بظهره وكأنه يشاهد مسرحيةً مملة، غير مكترثٍ بالدماء أو الأنين أو السقوط الأخلاقي الذي يتخبطون فيه.
"آخخخخخخ.. أيها اللعين!" انفجر صوت كايزر في أرجاء المركبة كقذيفةٍ من الغضب المكبوت، "كيف تجرؤ على العودة إلى هنا بعد ما حدث؟". لم ينتظر رداً؛ بل استدعى بقايا كبريائه الجريح
وغطى قبضته بطبقةٍ كثيفة من البرق الأزرق المتشقق الذي أضاء عتمة الزاوية بوميضٍ مرعب. وباندفاعٍ يملؤه الحقد، انطلق نحو ليوين مسدداً ضربةً صاعقة استهدفت و إرادة تحطيم ذلك البرود المستفز على وجهه.
ولكن، في ذات الثانية التي كاد فيها البرق أن يمزق سكون الزاوية، انشق العدم عن حضورٍ طاغٍ؛ ظهر الأستاذ بير كأنه شبحٌ بُعث من جوف الظلام،
وقبض بيده على ذراع كايزر المشحونة بالصواعق. لم تكن قبضته مجرد إمساك، بل كانت كقيدٍ أزلي لجم ثورة البرق في لحظة.
"كايزر.. اهدأ،" خرج صوت بير آمراً، رخيماً، وعميقاً كدوي رعدٍ بعيد، "هذا ليس الوقت المناسب للنزاعات الصبيانية."
إلا أن كايزر لم يعد يرى "بير" كأستاذ، ولا "ليوين" كزميل؛ لقد أعمى الحقد بصيرته، واستحالت ملامحه إلى قناعٍ من الهياج الوحشي.
كان يحاول الانقضاض بكل ثقله، وعضلات ذراعه تنتفض تحت قبضة بير محاولةً التحرر والوصول إلى عنق ليوين بأي ثمن.
ابتعد عن طريقي يا أستاذ بير!" صرخ كايزر، وصوته يتهدج من فرط الغضب والغل، "دعني أسحق هذا اللعين.. دعني أمحو أثره من الوجود! لن يهدأ لي بالٌ حتى أرى دمه يلوث الأرض!"
ثم بضربة قوي ومركز هوت حافة كفه الصلبة كالفولاذ على جانب عنق كايزر، في تلك النقطة الحساسة التي تفصل بين الوعي والظلام.
انطفأ البرق الأزرق في يد كايزر فوراً، وتلاشت صرخته في جوف حلقه كأنها لم تكن. جحظت عيناه لثانيةٍ واحدة من الصدمة، ثم ارتخى جسده فجأة وفقد كل مقاومته.
سقط كايزر على يد الاستاذ بير، كأنه تمثالٌ رخامي هوى من فوق قاعدته، ليسود صمتٌ خانق لم يقطعه سوى أنفاس "بير" الهادئة ونظرات ليوين التي لم تتغير.
ألقى الأستاذ "بير" نظرةً خاطفة على الجسد الملقى على يده ، ثم أزاح خصلة من شعره ببرود وهو يهمس لنفسه وللفراغ: 'السكينة هي ما تحتاجه الآن.. الصمت أفضل معلمٍ لمن أضاع الطريق.'
خيم صمتٌ جنائزي على أرجاء المركبة، صمتٌ لم يكن هادئاً بقدر ما كان مثقلاً بضجيج الأفكار غير المنطوقة. بعد سقوط كايزر تلاشت شرارات البرق الزرقاء مخلّفةً وراءها رائحة أوزون محترق ومرارةً في الحلوق.
بعد بضع دقائق التفت مايكل نحو **ليا** التي كانت تجلس في الزاوية المقابلة، تحاول رتق جروح آرثر بسحرها الضعيف، وسألها بنبرةٍ مليئة بالارتباك والضياع:
"ليا.. من الذي سحبنا من حافة الهاوية؟ هل كان الأستاذ بير؟ أم أن آرثر.. وكيف وصل الاستاذ بير إلى هنا؟"
ساد صمتٌ ثقيل، صمتٌ جعل صوت عجلات العربة فوق الحصى يبدو كطبول الحرب. نظرت ليا ببطء نحو ليوين الجالس في الظلام، وعيناها تحملان بريقاً من الشك
الممزوج بالخوف. "الأستاذ بير وصل في اللحظة الأخيرة ليحسم المعركة.. لكن، هناك الكثير من الأمور التي حدثت بينما كنتم غائبين عن الوعي. أمورٌ تقلب موازين كل ما نعرفه عن رفاقنا."
في تلك اللحظة، تدخل **مايك** القزم، الذي كان يضم يديه إلى صدره بغضبٍ مكتوم:
"اسألوا رفيقكم 'البطل الصامت' القابع هناك في الزاوية. اسألوه كيف كان يعلم بموعد الهجوم قبل وقوعه، وكيف اختفى في أحلك الظروف ليظهر فجأة بقوةٍ جديدة ورتبة أعلى بينما كنا نحن ننزف دماءنا في الساحة!"
نظر مايكل نحو ليوين بذهولٍ شلّ حركته. لم يستطع استيعاب كلمات مايك؛ فليوين بالنسبة له كان دائماً شخص خطير يملك قوى وعقل خبيث لكن
عندما ركزا على الهالة التي تنبعث من ليوين، شعر بشيءٍ غريب؛ كانت مانا صلبة، حادة، وتحمل ثقلاً مظلماً لا يملكه إلا من عبر بوابة الرتبة **B** بأسلوب غير شرعي. أو قسري
"ليوين؟" تمتم مايكل وهو يشعر بغثيانٍ مفاجئ في معدته. "هل كنت.. هل كنت تخدعنا جميعاً وتخفي هذه القوة طوال الوقت ولماذا لم تأتي إلى مساعدتنا ؟"
لم يرمش ليوين. حافظ على تلك الابتسامة الخفيفة والمستفزة التي ارتسمت على شفتيه منذ خروجه من السرداب. نظر إلى مايكل بنظرةٍ تحمل شفقةً باردة، وكأنه ينظر إلى حشراتٍ صغيرة نجت بأعجوبة من تحت قدمٍ عملاقة.
"القوة لا تُخفى يا مايكل، القوة 'تُنتزع' من أنياب الموت في اللحظات التي يهرب فيها الجميع،"
قال ليوين بصوتٍ رزين ومنخفض، جعل القشعريرة تسري في جسد مايكل الجريح.
"بينما كنتم تصرخون بيأس تحت أقدام الوحوش كنتُ أنا أخوض معركتي الخاصة في أحشاء القصر مع العمده وموجة الوحوش من رتبة C و رتبة C+ ثم عندما وصلت إلى الحافة نجحت بالوصول إلى رتبة B والفوز"
شعر مايكل بغضبٍ يتصاعد في صدره وهوه يستشعر كذب ليوين لكنه شعر أيضاً بـ "خوف" غريزي لم يعهده من قبل. الهالة التي تصدر من ليوين الآن لم تكن تشبه مانا الطلاب النقية التي تُدرس في الأكاديمية؛
كانت مانا ثقيلة، ملوثة برائحة غريبة نفسها التي امتصها من البذرة وكأنها ثقب أسود يبتلع النور والأمل من حوله.
أما مايكل، فقد كان يراقب ليوين بتركيزٍ شديد، محاولاً فهم الفجوة التي حدثت في شخصية زميله.
"الرسالة.. ليا تقول إنك أنت من أرسل طلب الدعم سراً. إذا كنت تملك هذه القوة وهذه المعرفة المسبقة، فلماذا لم تحذرنا بوضوح قبل أن ندخل جحيم أوروك؟ لماذا تركتنا و تركت المدينة تحترق،"
"بل حتى بعد أن كان آرثر يواجه الفناء وحده لم تتدخل؟ هل كنت تنتظر لحظة سقوطنا لتظهر أنت كمنقذ؟"
ابتسم ليوين، وهذه المرة كانت الابتسامة أوسع قليلاً، وأكثر شيطانية، مما جعل الأستاذ بير يضيق عينيه بشكٍّ متزايد.
"آرثر أراد أن يلعب دور البطل المثالي، أليس كذلك؟ والبطولة يا مايكل تحتاج دائماً إلى تضحيات دموية، وإلى أعداءٍ يفوقون القدرة البشرية لكي تُسمى بطولة."
" لو حذرتكم، لما اختبر آرثر حدوده القصوى، ولما استدعيتم الأستاذ بير في الوقت المناسب عبر خوفي المزعوم. لقد أديتُ دوري بإتقان في الظل، وأنتم أديتم أدواركم كضحايا ببراعة.. والنتيجة النهائية؟ نحن أحياء، والشيطان قد أُبيد."
"أنت وحش..،" همست ليا وهي تنظر لليوين باشمئزازٍ صريح، مبتعدةً بكرسيها عنه.
تدخل الأستاذ بير أخيراً، وصوته الرخيم والمهيب قطع هذا الجدال المسموم الذي كاد أن يشعل فتنة داخل العربة:
"كفى. مايكل، ليوين ركزوا كل طاقتكم على التعافي، فجراحكم ليست جسدية فقط. ليوين، كلماتك الأخيرة كانت تجاوزاً صارخاً للحدود الأدبية. تذكروا جميعاً أننا لا نزال في منطقة خطر، "
"والتحقيق الرسمي سيأخذ مجراه العادل بمجرد وصولنا لأسوار الأكاديمية."
أغمض ليوين عينيه ببرودٍ مطبق، متجاهلاً تماماً نظرات الكراهية والشك التي كانت تحاصره من كل جانب. في عقله، لم تكن تلك النظرات تعني شيئاً سوى ضجيجٍ تافه؛ فقد كان مشغولاً باستكشاف "الظلام الأسود" الجديد الذي يجري في عروقه.
كان يشعر بصرخات أهل أوروك المعذبة وهي تتحول الآن إلى طاقةٍ مطيعة داخل نواته، تزيد من كثافة ماناه وتجعله يشعر بنشوة السيادة المطلقة.
نظر ليوين من نافذة العربة الصغيرة نحو الأفق المظلم والغابات التي تبتعد عن أوروك ببرود
استمرت القافلة في طريقها الصامت، تحمل على متنها أبطالاً محطمي الأرواح، وشيطاناً يرتدي قناع طالبٍ بريء، وسط سكون الليل الذي شهد على ضياع براءة هؤلاء الطلاب إلى الأبد،
---