‏---

‏كانت قوافل الأكاديمية الملكية تشق طريقها عبر الضوء الكثيف الذي يحيط بأسوار العاصمة وكأنها توابيت خشبية متحركة تحمل بقايا أرواحٍ هُزمت شر هزيمة قبل أن تُسحق أجسادها.

‏ لم تكن العودة تليق بنخبة الطلاب أو بمن يُفترض أنهم ورث العوائل الكبرى

‏فلا زهور نُثرت، ولا هتافات سُمعت في الأزقة الجانبية. كان الصمت هو السيد المطلق، صمتٌ جنائزي لا يقطعه سوى صرير العجلات الحديدية فوق الحصى البارد،

‏ وأنين المانا المنهكة التي كانت تحاول جاهدة رتق جروحٍ غائرة في أجساد الأبطال الخمسة.

‏ترجل **الأستاذ بير** من العربة الأولى، كان جسده يلقي ظلاً طويلاً ومهيباً تحت ضوء الشمس الشاحب الذي كشف عن ملامحه المتصلبة كالصخر.

‏لم يلتفت يميناً أو يساراً لتفقد بقية الطلاب، بل كانت قبضته تحكم الإمساك بكتف **ليوين**،

‏الذي كان يسير بجانبه بهدوءٍ مريب، وكأنه ضيفُ شرفٍ في جنازته الخاصة وليس متهماً يُساق إلى حتفه. لم يتجها نحو الأبراج السكنية المذهبة أو قاعات الاحتفال،

‏ بل سلك بير طريقاً فرعياً ضيقاً، ينحدر نحو الأسفل، حيث تفوح رائحة الرطوبة والعفن السحري القديم من دهاليز "قلعة الصمت".

‏هذا المكان ليس سجناً بالمعنى التقليدي؛ إنه بئرٌ عميقة من الحجر الأسود المغموس بدموع السحرة الساقطين والمنفيين. جدرانه ليست مبنية من الطوب العادي، بل من "الرخام المانع للمانا"،

‏وهو مادة نادرة تمتص أي تردد سحري وتحيله إلى عدم، مما يجعل الساحر يشعر وكأنه جُرد من روحه. توقف بير أمام بوابة حجرية ضخمة،

‏نقشت عليها رموز زرقاء متوهجة تخبو وتشتعل بإيقاعٍ منتظم كأنها أنفاس وحشٍ نائم ينتظر فريسته.

‏أخرج بير من طيات عباءته قيداً معدنياً غريباً، مطعماً بحجر "النيولايت" القرمزي المتوهج. وبحركاتٍ آلية خالية من أي ذرة عاطفة،

‏أحكم القيد حول معصمي ليوين. في تلك اللحظة، شعر ليوين بمانا الظلام وهي تصطدم بجدارٍ صلب داخل عروقه؛

‏تشنجت أعصابه لثانية واحدة، وكأن مياهاً مثلجة قد صُبت في دمه لتجمد حركته السحرية وتكتم أنفاس مهاراته. لم يظهر على وجهه أي ألم، بل ظل محتفظاً ببروده الجليدي.

‏نظر ليوين إلى القيد بنظرةٍ فاحصة، ثم رفع عينيه السوداوين نحو الأستاذ بير، وارتسمت على وجهه تلك الابتسامة الباهتة والمستفزة التي كانت تثير حنق الجميع منذ أحداث أوروك.

‏"رائع حقاً يا أستاذ..،" بدأ ليوين بصوتٍ هادئ، يحمل نبرة تهكمية جعلت صدى كلماته يرتد من الجدران الرطبة كالنعي.

‏"بعد أن جازفتُ بكل شيء، وبعد أن أرسلتُ ذلك النداء السحري الذي جلب 'المنقذ العظيم' في الوقت المناسب ليحمي بيادقك الغالية من أن يصبحوا أشلاءً تحت أقدام شيطان البحر."

‏" ها أنا أُكافأ بالأصفاد والظلام. يبدو أن العدالة في هذه الأكاديمية لها مذاقٌ مرّ، لا يتذوقه إلا من يجرؤ على الفعل بينما يكتفي الآخرون بالصراخ."

‏لم يهتز الأستاذ بير، بل ضغط على كتف ليوين بقوةٍ جعلت عظام الأخير تئن بصمت. "الكلام الرخيص لن يشتري لك مخرجاً من هنا يا ليوين."

‏" لقد رأيتُ الكثير من المدعين في حياتي، لكنني لم أرَ أحداً منهم يخرج من قلب مذبحةٍ برتبة **B** وبشرةٍ ناعمة لم يمسها خدشٌ واحد."

‏"حتى ارثر الذي دخل هذه رتبة كان عبارة عن قطعة واحده غموضك ليس دليلاً على تميزك، بل هو ثقبٌ يهدد استقرارنا. هنا ستدرك أن الحقيقة هي العملة الوحيدة التي قد تشتري بها ما تبقى من مستقبلك."

‏دفع بير ليوين داخل الزنزانة كانت غرفة ضيقة، جدرانها تفرز برودةً تنخر في العظام، وتفوح منها رائحة النسيان. انغلق الباب الحديدي بصوتٍ مدوٍّ، صدىً جنائزي أعلن انفصال ليوين عن العالم الخارجي.

‏ساد الظلام الدامس. لم يكن هناك حتى ثقب إبرة يمر منه الضوء. جلس ليوين على الأرض الحجرية الباردة، وأسند ظهره إلى الجدار الخشن. تلاشى قناع الإرهاق والتمثيل عن وجهه،

‏وحلت مكانه ملامح حادة وقاسية كالشفرة. لم يكن خائفاً، بل كان يشعر بنوع من الألفة مع هذا السكون الخانق.

‏أغمض عينيه، وبدأ يتحدث بصوتٍ خافت، ليس لنفسه، بل لذلك الكيان المظلم الذي يسكن أعماقه، لـ "الظلام" الذي أصبح رفيقه الوحيد.

‏"عدنا وحدنا من جديد يا صديقي المظلم،" همس ليوين، وشعر بصدى صوته يرتد في العتمة وكأنه صوت شخصٍ آخر. "انظر إليهم.. يظنون أن هذه الجدران الصماء والحجارة المانعة للمانا يمكنها أن تسجن ما لا يفهمونه. يرتجفون من فكرة أن يكون هناك من يتجاوز قواعدهم العقيمة. "

‏"آرثر وأصدقاؤه.. يغرقون الآن في بحرٍ من الشكوك، ينهش أحدهم الآخر بكلمات منمقة عن 'العدالة' و'الولاء'، بينما الحقيقة تكمن هنا، في هذه العتمة التي لا تكذب."

‏ابتسم ليوين بمرارة، واستطرد قائلاً للظلام: "لقد أديتُ دوري ببراعة، أليس كذلك؟ جعلتُهم مجرد قطع شطرنج أحركها كيفما أشاء من أجل أن أحصل على البذرة؛ جعلتهم يتذوقون معنى الموت، ومعنى الخسارة، ومعنى أن تكون مجرد غنمٍ ينتظر أن يُذبح.. على الرغم من أنهم كانوا سيتعلمون هذا حتى في غيابي."

‏" لكن في الرواية الأصلية، بقي شيطان البحر على قيد الحياة، أليس كذلك؟ ونجح في فتح البوابة ودخول شيطانٍ من رتبة عالية ساعد على تسريع ظهور ملك الشياطين."

‏"الآن، قد منحتُهم بضع سنواتٍ إضافية، رغم أنني لم أكن أقصد ذلك حقاً.. وها أنا هنا، وسط الظلام، بسبب بعض التضحيات الغبية؛"

‏" فقط لأنني لم أتدخل لمساعدتهم! ها ها ها.. هذا مضحكٌ حقاً! ماذا كانوا يتوقعون مني أن أفعل؟"

‏"لهذا السبب أكره نفاقهم، أكره هذا العالم وعالمي السابق، وكل من يتنفس الهواء الذي أتنفسه.. أريد قتلهم جميعاً! .... كلاً.. كلاً يا صديقي المظلم، أنت مختلفٌ عنهم، أنت وأصدقائي الآخرون.. أنتم نوري وظلامي الذي أعيش لأجله."

‏---

‏*في الجانب الآخر - جناح التعافي داخل الأكاديمية*

‏في غرفةٍ واسعة فخمة تفوح منها رائحة أعشاب والمانا المطهرة، كان التوتر يغلي تحت سطح الهدوء الزائف. ضوء الشموع السحرية كان يرقص على الجدران، عاكساً الظلال المرتجفة للأبطال الذين عادوا من "أوروك" بأجسادٍ مثخنة وأرواحٍ منكسرة.

‏كانت **ليا** تقف في منتصف الغرفة، ممسكة بصولجانها الذهبي بقبضةٍ قوية جعلت مفاصل أصابعها تبيض. لم تعد تلك الفتاة الرقيقة التي كانت تبتسم للجميع؛

‏فقد غادرت البراءة عينيها وحلت محلها نظرة تحليلية باردة وشراسة شكٍ لا تهدأ.

‏"علينا أن نكف عن خداع أنفسنا،" بدأت ليا، وصوتها يتردد بوضوحٍ قاطع في الغرفة الصامتة. "منذ اللحظة التي وطأت فيها أقدامنا أرض أوروك، كان ليوين يتحرك وفق خطة لا تخصنا. ادعى أنه كان يقاتل العمدة"

‏" وموجات من وحوش الرتبة **C** و **+C**.

‏لنستخدم عقولنا قليلاً؛ ليوين الذي رأيناه في اختبارات الأكاديمية، بسرعته التي تفوق الخيال وقوته الكامنة،"

‏" هل يُعقل أن تستهلك وحوشٌ ثانوية كل وقته وجهده؟ هل يُعقل أن يكون 'محاصراً' بينما كان رفاقه يُذبحون على بعد أمتارٍ قليلة منه؟"

‏تنفست ليا بصعوبة، ونظرت إلى الفراغ بمرارة: "وعندما خرج من تحت الأنقاض.. ظهر برتبة **B**. نفس رتبة آرثر حالياً. هذا ليس تطوراً طبيعياً يا رفاق. "

‏"لا يمكن لشخص، مهما بلغت موهبته، أن يقفز بمستواه بهذا الشكل المرعب في ليلة واحدة إلا إذا كان قد فعل شيئاً شنيعاً ... ليوين لم يقاتل ليحمينا،

‏بل قاتل ليحصل على شيء لا نعرفه فقط من أجل أن يزداد قوة لقد ترك الجميع من دون أن يهتم بهم"

‏**مايكل**، الذي كان يجلس بصعوبة واضعاً يده على صدره المحطم، أطلق زفيراً طويلاً مليئاً بالألم والغل. "ليا على حق تماماً. أنا أنتمي لعائلة نبيلة، وقد تدربتُ منذ طفولتي على استشعار الهالات المظلمة."

‏" مانا ليوين عند خروجه لم تكن مانا بشرية نقية؛ كانت ثقيلة، ملوثة، وتحمل رائحة الموت والفساد."

‏" هذا الشخص ليس حليفاً لنا، ربما هو جاسوس تم زرعه من قبل فيلق الشياطين، أو ربما هو كائنٌ هجين ينتظر اللحظة المناسبة ليفتك بنا من الداخل."

‏هز **كايزر** رأسه بالموافقة، وعيناه مغلقتان وهو يسترجع لحظات عجزه في الساحة. "عندما فقدتُ وعيي، شعرتُ ببرودةٍ اجتاحت المكان، لم تكن برودة شيطان البحر الرطبة، بل كانت برودةً سوداء تنبعث من جهة القصر، من الجهة التي كان فيها ليوين."

‏" لقد كان يراقبنا ونحن نسقط، وأكاد أجزم أنه كان يستمتع بمنظر ضعفنا."

‏نضر الجميع إلى كايزر ببعض الصدمة كان يعلمون في داخلهم أن ليوين كان يراقبهم لكن عند سماعهم بالأمر كان واقعه مختلف على عقولهم

‏اما **مايك** القزم، فقد ضرب قبضته بيده الأخرى بغضب: " تبا لهذه اللعين أنا لا أهتم بالرتب أو المانا، أنا أهتم بالولاء. المقاتل الذي يختبئ في السرداب ويراقب كيف أن رفاقه ينزفون دماءهم هو جبان وغادر، "

‏"والغادر لا مكان له بيننا. لو كان الأمر بيدي، لتركته يتعفن في سجن الصمت للأبد."

‏وسط هذا الهجوم الشرس والكلمات المسمومة، كان **آرثر** يجلس هادئاً على سريره، مسنداً ظهره إلى الوسائد. وجهه كان شاحباً، وعيناه غائرتين، لكنهما تحملان بروداً جديداً،

‏وكأن روح "البطل المختار" قد نضجت قسراً وتحولت إلى صخرٍ صلد. كان يستمع لكل كلمة، يحلل نبرات أصواتهم، ويشعر بالشرخ الذي يتسع في جدار فريقهم.

‏رفع آرثر يده ببطء من اجل ان يتكلم، فسكت الجميع فوراً، احتراماً لتلك الهالة القيادية التي بدأت تبرز منه.

‏"أعلم أن كل ما تقولونه يحمل نصيباً كبيراً من الحقيقة،" بدأ آرثر بصوتٍ رزين وعميق، مما جعل الأجواء في الغرفة تزداد ثقلاً.

‏"ليا، شكوكك في محلها تماماً؛ قفزة قوته غير منطقية. مايكل، وصفك لهالته يتطابق مع ما شعرتُ به أنا أيضاً لكن اعلم الان أن ليوين ليس كتاباً مفتوحاً، وليس الشخص الذي تود أن تأتمنه على ظهرك في معركة حقيقية"

‏توقف آرثر عن الكلام لثانية، ونظر نحو النافذة البعيدة حيث يلوح برج السجن المظلم في الأفق. "ولكن.. هناك حقيقة واحدة دامغة تتجاوز كل شكوكنا. لولا ليوين، ولولا تلك الرسالة التي أرسلها في الخفاء متجاوزاً"

‏"الأوامر، لما كان الأستاذ بير هنا الآن. لو كان عدواً صرفاً أو جاسوساً للشياطين، لكان صمته كافياً ليبيدنا جميعاً. كان بإمكانه أن يتركنا نموت، ثم يأخذ ما يريد من أطلال أوروك دون أن يترك أثراً."

‏نظر مايكل إليه بحدة: "قد يكون فعل ذلك ليظهر بمظهر البطل المنقذ! ليضمن مكاناً دائماً بجانب الأكاديمية!"

‏رد آرثر بابتسامة باهتة ومؤلمة: "ربما يكون هذا صحيحاً. ربما هو يتلاعب بنا جميعاً كقطع شطرنج. ولكن، في النهاية، نحن نتنفس الآن بفضل تلاعبه. ليوين قد لا يكون صديقاً، وقد يكون وحشاً كما تصفه ليا، "

‏"لكنه حالياً هو 'الشر الضروري' الذي أبقانا على قيد الحياة عندما عجز خيرنا ومثاليتنا عن فعل ذلك. هو الشخص الذي تلطخت يداه بالدماء لنبقى نحن 'أنقياء'. لذا، رغم كرهكم له، ورغم ريبتي منه.. لا يمكنني أن أسميه عدواً، ليس بعد."

‏نطق آرثر بكلماتٍ خفيضة، خرجت من صدره كزفيرٍ محملٍ ببارود المعارك وهزيمة الروح، وهو يثبت نظراته الشاحبة على سقف الغرفة الأبيض:

‏"عندما ينجلي غبار هذا الجنون.. عندما ننتهي من ترميم ما تبقى من أجسادنا وأرواحنا، سوف نلتقي به. ليس بدافع الثأر، "

‏"بل من أجل استجلاء الحقيقة وفهم كل ما حدث. وحينها فقط، وحين تكتمل الصورة أمامنا بكل بشاعتها، سوف نقرر ما يمليه علينا ضميرنا.. وما يتحتم علينا فعله."

‏ساد الصمت الغرفة مجدداً، لكنه كان صمتاً مشحوناً بالانقسام. ليا نظرت إلى آرثر بنظرة مليئة بالخوف، ليس من ليوين هذه المرة، بل من آرثر نفسه الذي بدأ يتقبل "المنطق المظلم".

‏"ربما أنقذنا اليوم يا آرثر،" قالت ليا بصوتٍ خافت وهي تتوجه نحو الباب، "لكنني أخشى اليوم الذي سنكتشف فيه أن الثمن الذي دفعه ليوين لإنقاذنا.. هو أرواحنا جميعاً في المستقبل."

‏غادرت ليا وتبعتها بقية المجموعة، تاركين آرثر وحيداً في مواجهة أفكاره. وفي تلك الأثناء، في أعماق قلعة الصمت، كان ليوين لا يزال يبتسم في عتمة زنزانته، يهمس للظلام عن الخطوة القادمة،

‏مدركاً أن البطل الذي أنقذه بدأ يفكر مثله تماماً، وأن العالم الذي يحاولون حمايته سيسقط قريباً في قبضة من يفهمه حقاً.

‏---

2026/03/27 · 21 مشاهدة · 1799 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026