‏في زنزانة "قلعة الصمت"، حيث يتوقف الزمن عن الجريان، وتتلاشى الألوان في رمادية الجدران الرطبة، استسلم ليوين لشيء كان يهرب منه منذ سنوات خلف قناعه البارد: **الذاكرة**. لم تكن الذاكرة في عالم ليوين مجرد شريط من الأحداث،

‏بل كانت غرقاً عميقاً في محيط من الصور الملونة التي بدأت تبهت تدريجياً، حتى استحالت سواداً نكداً يبتلع كل بصيص أمل. خلف أجفانه المغلقة، بدأ شريط حياته السابقة يتدفق برتم بطيء، مؤلم، وناعم كالحرير المحروق.

‏بدأت الرؤيا بضباب أبيض ينقشع عن مشهد دافئ؛ طفل في الرابعة من عمره، بشعر أسود فاحم كليل بهيم وعينين تلمعان بفضول طفولي لا يعرف الحدود.

‏كان يركض فوق عشب أخضر ندي، وضحكاته الصافية تسبق خطواته الصغيرة المتعثرة وهو يتجه نحو باب خشبي تفوح منه رائحة الخبز الطازج.

‏"أمي! أمي! ما هو الغداء اليوم؟" صرخ الصغير بحماس يكفي لإضاءة مدينة كاملة من الظلام.

‏خرجت امرأة بملامح ملائكية، وجهها يشع بنور لا تملكه سوى الأمهات اللاتي وهبن حياتهن لأطفالهن. ابتسمت له بصدق هز كيانه الصغير، رفعت جسده الضئيل عالياً في الهواء وكأنه أغلى كنوز الأرض،

‏ثم همست في أذنه وهي تشم رائحة شعره: "لقد طهيتُ لك طعامك المفضل الدجاج المقلي الذي تحبه."

‏انفجر الطفل ضاحكاً، يقبل وجنتي والدته ويشكرها بكلمات متعثرة مليئة بالبراءة، قبل أن يفتح الباب رجل ضخم البنية،

‏تعلو وجهه سمات الرجولة الحانية التي توفر الأمان المطلق. انطلق الطفل نحو الرجل وهو يصيح بملء فيه: "أبي! أبي! لقد عدت!"

‏حمله الرجل ووضعه فوق رأسه، ضاحكاً بملء فيه: "أجل يا بني، عدتُ لرؤية بطلي الصغير.. لكن والدك جائع جداً، هل غدرت بي والدتك وطبخت لك وحدك طعامك المفضل؟"

‏هز الطفل رأسه بغرور طفولي محبب، ويداه الصغيرتان تمسكان بشعر والده: "هيهي، أجل.. لقد طبخت لي الدجاج المقلي لأنها تحبني أكثر منك!"

‏تظاهر الأب بانكسار القلب، يمازح زوجته بغيرة مصطنعة، بينما كانت الضحكات تملأ أركان ذلك المنزل المتواضع. كانت تلك اللحظات هي الفردوس المفقود لليوين؛

‏ذكريات الاحتفال بعيد ميلاده الخامس، والشموع التي أطفأها وهو يتمنى ألا يتغير هذا العالم أبداً.

‏ث ذكرياتُ رحلته الأولى مع والديه إلى الشاطئ، حيث كان يركض بين الأمواج والرمال الذهبية، يلهو مع أقرانه بضحكاتٍ لم تعرف طعم الغدر بعد.

كانت تلك الرحلة هي هديتهما الثمينة في ذكرى ميلاده السادس، يوم كان يعتقد أن حضن والده و هو الدرع الوحيد الذي سيحتاجه في هذه الحياة. لحماية

‏ولم تكن تلك الذكرى وحيدة، بل تبعتها صورة والده وهو يبتسم بفخر وهو يقدم له حاسوبه الجديد في السابعة من عمره،

ومعه تلك اللعبة التي عشقها ليوين وصارت ملاذه المفضل. كانت هداياهم بسيطة في ظاهرها، لكنها كانت تحمل في طياتها حباً نقياً وعالماً خالياً من الخيانة والظلام الذي يغرق فيه الآن. كانت اسعد ايام حياته الايام التي تمنا ليوين أن تستمر حتى مماته

‏لكن القدر، ببرودته المعتادة ونصله الغادر، قرر أن يغلق الستار على هذا العرض الجميل في احد الايام المشؤومه

‏في الثامنة من عمره، كان ليوين يركض عائداً من المدرسة، يحمل في حقيبته الصغير أحلاماً بسيطة ونتائج دراسية أراد التفاخر بها أمام والديه. لم ينتبه لصرير الإطارات العنيف،

‏ولا لتلك الكتلة المعدنية المسرعة نحو جسده الضئيل الذي كان يعبر الطريق بحماس مفرط. في جزء من الثانية، شعر بيد دافئة، يد يعرف لمستها جيداً، تدفعه بقوة عنيفة نحو الرصيف.

‏سقط ليوين على مؤخرة راسه، ليدوي خلفه صوت اصطدام مروع مزق سكون الشارع وحطم سكون حياته إلى الأبد.

‏تقدم ليوين الصغير بخطوات مرتجفة، وقلبه يخفق بعنف يكاد يمزق صدره، نحو الجسد الملقى وسط بركة من الدماء القرمزية التي بدأت تلوث الإسفلت البارد.

وضع يديه الصغيرتين المرتجفتين على ثياب والدته الممزقة، ثم رفعهما ببطء ليشاهد دماءها تغطي كفيه تماماً.

‏في تلك اللحظة، لم يبكِ ليوين بالمعنى التقليدي للبكاء. بل بدأ تفكير بارد ومنطقي، تفكير "شيطاني" مبكر، يتسلل لعقله الصغير: 'لقد ماتت بسببي.. أنا من قتلتها بحماقتي وركضي الأعمى. لو لم أكن أحمقاً يركض خلف الأوهام، لو انتبهتُ للطريق لثانية واحدة، لكانت الآن تضمني إلى صدرها.'

‏جاء والده مسرعاً، وجهه كان شاحباً كالموت، ويصرخ بصوت فقد كل نبراته البشرية ليتحول إلى عواء ذئب جريح. دفع ليوين بعيداً بقسوة لم يعهدها من قبل، وحمل زوجته راكضاً بجنون نحو المستشفى،

‏لكن ليوين كان يعلم، بيقين داخلي مرعب، أن الروح قد غادرت ذاك الجسد الدافئ. وبينما كان يشاهد ظهر والده يبتعد وهو يحمل جثة أمه التي بدأت تبرد، سمع ليوين صوتاً غريباً وجافاً داخل أعماق جمجمته.

‏**"طَق"**

‏كان صوت انكسار شيء ما في عقله؛ حاجز غير مرئي تحطم تحت ثقل الصدمة. لم يكن يعلم ماهيته في ذلك الوقت، لكنه شعر به كشرخ عميق في مرآة روحه الصافية. ومنذ تلك اللحظة،

‏أصبح هذا الصوت هو "المايسترو" الذي يقود سيمفونية جنونه الصامتة. في كل مرة يمر فيها بموقف ضاغط، كان يسمع هذا "الكسر" بصوت ناعم وهادئ ويشعر بأن جزءاً من بشريته يذوب، وأنه يبتعد خطوة إضافية عن عالم الأحياء ليقترب من عالم الظلال.

‏---

‏تغير كل شيء بعد الجنازة. الأب الحنون الذي كان يحمل له الألعاب، أصبح وحشاً كاسراً يسكن زوايا المنزل المظلمة. في كل مرة ينظر فيها الأب إلى ليوين، لم يكن يرى ابنه، بل كان يرى الموت الذي اختطف زوجته.

‏"أنت من قتلتها! بسببك رحلت! لماذا لم تمت أنت وبقيت هي؟ أيها القاتل الصغير!" صرخ الأب وهو ينهال بالضرب المبرح على طفل لم يكمل العاشرة. كان ليوين يسقط بصمت على الأرض،

‏لا يصرخ ولا يدافع عن نفسه، بل كان مقتنعاً تماماً، في قرارة نفسه، بأن والده على حق تماماً. 'أجل، أنا من قتلها. انظروا إلى يدي، ما زلتُ أشعر بلزوجة دمائها.'

‏بعد أيام، بينما ليوين جالس في غرفته المظلمة، دخل الأب بعيون حمراء ملتهبة، ليس من الضرب هذه المرة، بل من الحزن الممزوج بالكراهية. حمل في يده عقد والدته الفضي المفضل.

‏"كنتُ سأعطيك هذا في عيد ميلادك التاسع..،" همس الأب بصوت ميت، يلف العقد حول عنق ليوين بقسوة تكاد تخنقه. "لكي تتذكر كل ليلة أنك الشخص الذي جعلها لا تلبسه أبداً. لكي تتذكر أنك القاتل."

‏سقط العقد على صدر ليوين، ولم يشعر بجماله، بل شعر بثقل الجبال. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد يخلعه، ليس حباً في ذكرى أمه، بل لكي يظل صوت الانكسار في عقله نشطاً، ولكي يظل عقله محاصراً في تلك اللحظة المشؤومة.

‏مرت السنوات كالدهور، وازداد والده جنوناً وغرقاً في زجاجات الخمر الرخيصة التي كانت وقوده الوحيد للاستمرار في لوم ابنه. وفي ليلة مظلمة، وجد الأب ليوين جالساً في زاوية معتمة من المنزل،

‏لا يتحرك، كأنه جزء من الظلام التي بدأت تستحوذ على كيانه. ترنح الأب وهو يحمل زجاجة خمر نصف فارغة، ونظر لليوين بحقد دفين يخرج من بين أسنانه: "أيها القاتل اللعين.. لماذا ما زلت هنا؟ لماذا تصر على البقاء في منزلي لتذكرني بجريمتك كل صباح؟"

‏هوى الأب بالزجاجة فوق رأس ليوين بكل ما أوتي من غضب وحزن متراكم. تحطمت الزجاجة إلى شظايا صغيرة، وسقط ليوين على الأرض،

ودمه الحار يختلط بالخمر المنسكب في مشهد جنائزي بائس. نظر ليوين إلى بركة دمائه التي تمددت أمامه،

‏وفكر ببرود مرعب، برود لا يملكه بشر: 'أجل، لماذا أنا هنا؟ لماذا أجعل والدي يغضب ويغرق في جحيمه بسببي؟ ربما لو اختفيتُ في هذا الظلام الذي يحيط بي، سيعود والدي القديم، الأب الحنون الذي كان يبتسم، ليعيش ما تبقى من حياته بسلام.'

‏نهض ليوين بصعوبة بالغة، رأسه ينزف وجسده يترنح وغادر المنزل في تلك الليلة المظلمة إلى الأبد دون أن يلتفت وراءه ولو لمرة واحدة. وحالما خطت قدماه خارج عتبة الباب، سمع ذلك الصوت المألوف من جديد.

‏صوت الكسر في أعماق عقله، لكن هذه المرة كان الشرخ أعمق مما يتصور، والظلام الذي تدفق منه كان أوسع من أن يحتويه جسد طفل.

‏" لقد مات نصف إنسانية ليوين القديم في تلك الليلة، ووُولد "هذا" الكيان الذي لا يشعر بالألم، بل يقدسه كطريق للقوة.

‏---

‏تلاشت الذكرى الدافئة لتحل محلها عتمة الشوارع الخلفية للعاصمة. طفل في الرابع عشرة من عمره، يرتدي عقد فضي قديم، ووجهه ملطخ بالتراب، يتعلم كيف يقتات على فضلات الآخرين.

‏ذات يوم، بينما ليوين نائم في زقاق ضيق، جاء مجموعة من المتشردين الأكبر سناً ليأخذوا حصته الهزيلة من الطعام. قاوم ليوين، ليس حباً في الطعام، بل كرهاً في الضعف.

‏"أعطنا ما تملكه أيها الجرذ الصغير!" صرخ زعيمهم وهو يوجه لكمة قوية لوجه ليوين.

‏سمع ليوين صوت الانكسار من جديد. **"طَق"**. بصوت خفيف

‏لكنه هذه المرة لم يشعر بالرغبة في البكاء. بل شعر بشيء مختلف.. شيء "نظامي" بدأ يستيقظ داخل جمجمته. عيناه اللتان كانت يملأهما الخوف،

‏تحولتا إلى بئرين أسودين. التقط ليوين قطعة زجاج مكسورة من الأرض، وبحركة برقية لم تكن تليق بطفل، غرسها في رقبة زعيم المتشردين.

‏سقط الرجل على الأرض، ودمه الحار يتدفق فوق كفي ليوين، بنفس لزوجة ودفء دماء والدته. لكن ليوين لم يشعر بالذنب. بل شعر، لأول مرة، بـ "السيطرة". شعر أنه لم يعد "الضحية"، بل أصبح "الفاعل".

‏"لقد مات بسببي..،" همس ليوين لنفسه وهو ينظر للجثة، "لكن هذه المرة، أنا لم أقتله بحماقتي.. أنا قتلته بقوتي. هكذا تعمل قوانين العالم الحقيقي يا أمي.. القوي يعيش، والضعيف يموت."

‏تلاشت ذكريات التشرد والدموية، ليعود ليوين إلى لحظة اختبار الأكاديمية. كيف كان ينظر للآخرين، لآرثر وليا، كـ "أطفال يلعبون بالسيوف البلاستيكية". كان يرى في عيونهم النفاق الذي يكرهه،

‏النفاق الذي جعله هو ووالده يعيشان في جحيم لسنوات لأن "الآخرين" لم يهتموا بمعاناتهم.

‏---

‏فتح ليوين عينيه في زنزانة "سجن الصمت الأبدي". كان يشعر ببرودة غريبة على وجنتيه، لمسها بأصابعه التي تقيدها الأصفاد السحرية ليجدها دموعاً حارة سقطت بشكل لا إرادي تحت وطأة الذكريات العميقة التي غاص فيها.

‏ابتسم ببرود، ابتسامة شيطانية شقت وجهه في العتمة الدامسة، وعيناه تلمعان ببريق غير طبيعي: "يالها من ذكريات سيئة."

‏ساد هدوء قصير في الزنزانة، قبل أن يهمس بصوت منخفض جداً، وكأنه يخاطب شيئاً غير مرئي يقف في الزاوية المظلمة معه:

‏"كلا يا صديقي المظلم.. لقد قتلتُ والدتي سابقاً بجهلي وحماقتي، فكيف تريدني أن اقتل والدي أيضاً؟"

‏في تلك اللحظة، قطع صمت الزنزانة الخانق صوت صرير المفصلات الصدئة الذي كان يبدو كصراخ روح معذبة. انفتح الباب الحديدي ببطء،

‏ليتدفق ضوء سحري خافت كشف عن شخصيتين مهيبة تقف عند العتبة، يلفها هواء بارد ومنضبط.

‏في المقدمة، كانت **المديرة سيليا**، بشعرها الفضي الطويل وعينيها اللتين تشبهان الجليد الأزرق في أقصى الشمال، وخلفها مباشرة وقف **الأستاذ بير**

‏ويداه خلف ظهره. كانت نظرات سيلفيا تخترق الظلام لتستقر على ليوين الجالس في الزاوية، نظرات باردة، خالية من أي عاطفة إنسانية،

‏وكأنها لا تنظر إلى طالب متهم، بل إلى "كيان" خطير يجب دراسته أو إبادته قبل أن يستفحل أمره.

‏"ليوين..،" قالت المديرة سيليا بصوت رخيم وهادئ يبعث القشعريرة في أبدان السامعين. "لقد انتهى وقت العزلة والتأمل في خطاياك. مجلس الأكاديمية بانتظارك، والمرآة الروحية قد وُضعت في القاعة الكبرى."

‏لم يرتجف ليوين، ولم تظهر عليه أي علامة من علامات الارتباك، بل مسح بقايا دموعه ببرود تام، ونهض ببطء شديد وهو يبعث بتلك الابتسامة المستفزة والمستقرة نحو المديرة:

‏"أهلاً بكِ أيتها المديرة.. كنتُ أنتظركِ بفارغ الصبر لأسألكِ سؤالاً واحداً جاداً؛ هل غداء الأكاديمية لذيذ ودافئ بقدر غداء أمي الذي ذقته في أحلامي الآن؟"

‏ضاق فك الأستاذ بير غضباً من وقاحة ليوين في هذا الموقف العصيب، بينما ظلت سيليا صامدة كتمثال رخامي، تراقبه بعينين باردتين، مدركة في أعماقها أن هذا الفتى الذي يقف أمامها ليس مجرد طالب عاد برتبة B،

‏بل هو شخص كسر كل ما هو بشري داخله منذ زمن بعيد، ليعيد بناء نفسه من شظايا الزجاج والظلام.

‏"ستعرف الإجابة في القاعة يا ليوين،" قالت سيليا وهي تلتفت لتغادر، "إذا بقيت حياً بعد أن تخرج."

‏تحرك ليوين خلفهم، والقيد السحري يلمع بوميض قرمزي، وهو يهمس لنفسه:

‏"فلنرى ما إذا كانت مرآتكم ستقتلني او تنقذني"

‏---

2026/03/27 · 27 مشاهدة · 1851 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026