في ساحة التدريب المركزية للأكاديمية الملكية، حيث كان ضوء الشمس يضرب الأرضية الرخامية بقسوة، كان هناك جسد يتحرك بسرعة تتجاوز المنطق البشري.
لم يكن هذا **آرثر** الذي عرفه الجميع؛ البطل الوسيم ذو الابتسامة الواثقة والحركات الاستعراضية التي تهدف لجذب الأنظار.
تغير كل شيء. شعره الأسود كان يتطاير مع كل حركة عنيفة، وعيناه اللتان كانتا تشعان بالأمل، استحالتا إلى بركتين من الفضة الباردة، تخلو من أي مشاعر سوى الرغبة في "القطع". لم يعد يتدرب من أجل البطولة،
بل من أجل القتل. كل أرجوحة لسيفه كانت قصيرة، حادة، وموجهة بدقة نحو نقاط الضعف القاتلة. لا حركات زائدة، لا استعراض للقوة؛ فقط نصل يقطع الهواء بنية قتل صافية، وكأنه يحاول تمزيق ذكرى عجزه في "أوروك".
توقف آرثر فجأة، والمنفذ يتصاعد من جسده كالبخار. مسح العرق عن جبينه ونظر إلى نصل سيفه بانعكاس بارد.
'لقد مر شهر كامل،' فكر آرثر بحرقة. شهر كامل منذ تلك الليلة المشؤومة. لم يلمح ليوين، لم يسمع صوته، ولم تخرج أي معلومة من 'قلعة الصمت'
'هل يعقل أن المديرة قد اكتشفت شيئاً غريباً نحوه وقتلته بصمت؟' تساءل في نفسه وهو يغمد سيفه. 'ليوين.. ذلك الغموض الذي لا ينتهي، هل انتهى حقاً في قبو تحت الأرض؟' مع تنهيدة عميقة خرجت من صدره المثقل بالشكوك،
سار آرثر نحو ممرات الأكاديمية الداخلية قاصداً غرفته، لكن القدر كان يخبئ له لقاءً لم يتوقعه.
عند المنعطف المؤدي إلى جناح الإدارة، تجمّد آرثر في مكانه.
كانت هناك **المديرة سيليا** تسير بوقارها المعتاد، وخلفها **الأستاذ بير** بجسده الضخم، ولكن ما جعل قلب آرثر يتوقف للحظة هو الفتى الذي يسير بينهما. فتى ذو شعر رمادي باهت،
ويدان مكبلتان بأصفاد لحجب المانا لم يكن وجهه يحمل آثار تعذيب أو انكسار؛ بل كان ليوين، بنفس تلك الابتسامة الباردة والمستفزة، وبؤبؤ عينيه الأسود الذي يبدو وكأنه يبتلع الضوء من حوله.
اتسعت عينا آرثر بصدمة لم يستطع مواراتها: 'ليوين.. ما زال على قيد الحياة؟'
اندفع آرثر مسرعاً نحو المجموعة، وتوقف أمام المديرة سيلفيا مباشرة. انحنى تحية بسيطة وسريعة، ثم قال بصوت متهدج يحاول استعادة رزانته:
"أيتها المديرة.. أطلبُ الإذن بالحضور في قاعة المحكمة. بصفتي قائد الفريق الذي شهد أحداث أوروك، من حقي أن أرى الحقيقة."
نظرت إليه سيليا ببرود جليدي، وكأنها تقرأ التغيرات التي طرأت على هالته خلال الشهر الماضي. صمتت لثانية، ثم قالت بنبرة حازمة: "لا بأس يا آرثر. مكانك محجوز كشاهد.. وكمراقب."
سار آرثر خلفهم وهو ينظر إلى ظهر ليوين. كان ليوين يسير بهدوء غريب، وكأنه ضيف شرف في رحلة سياحية وليس متهماً يساق لمحاكمة قد تنتهي بإعدامه.
عندما وصلا إلى بوابة "القاعة الكبرى"، فُتحت الأبواب الضخمة المطعمة بالذهب والسحر، لتكشف عن مشهد مهيب يقطع الأنفاس.
كانت القاعة مصممة على شكل دائري ضخم، تحيط بها مقاعد عالية جداً ترتفع نحو السقف، حيث يجلس "مجلس الحكماء" وعشرات المدرسين وكبار السحرة في الأكاديمية.
في المركز تماماً، كانت هناك منصة حجرية وحيدة، وفوقها شيء يغطيه قماش أسود ثقيل.. **مرآة الروح**.
تلاشت سيليا من جانبهم لتأخذ مكانها في أعلى مقعد في الدائرة، وجلس الأستاذ بير في المقعد المخصص للمحققين، بينما اتخذ آرثر مكانه في الصفوف الخلفية، تملؤه الرهبة من هيبة المكان.
استقر ليوين في وسط القاعة، وحيداً تحت أنظار المئات. كانت الهمسات تموج في القاعة كأمواج البحر: "هذا هو الفتى؟"، "الرتبة B المريبة"، "يقولون إنه تواصل مع الشياطين".
رفعت المديرة سيليا يدها، فحل صمت مطبق، صمت ثقيل لدرجة أن ليوين استطاع سماع دقات قلب آرثر المتسارعة من بعيد. نظرت سيليا إلى ليوين من علٍ، وقالت بصوت يتردد صداه في كل ركن:
"ليوين.. اليوم لن نحاكمك بالكلمات، فالكلمات فقط لأن يمكن تزييفها. اليوم، سنحاكم روحك. المرآة ستكشف كل مانا ملوثة، كل نية غادرة، وكل محاولة للكذب هل فهمت ؟"
ابتسم ليوين، ونظر إلى الأعلى نحو سيليا، ثم نحو آرثر، وقال بصوت هادئ جداً: "لقد كنتُ مستعداً لهذا منذ اللحظة التي ولدتُ فيها في هذا العالم المنافق.. لنبدأ المحكمة."
---
كانت القاعة الكبرى، المعروفة باسم محاكمة الأكاديمية، مبنية من الرخام الأبيض الذي يمتص الأصوات الجانبية ويضخم الكلمات الرسمية.
في الأعلى، كان المظرسين يرتدون عباءات أرجوانية مطرزة برموز فلكية قديمة، وعيونهم ترصد كل حركة يقوم بها ليوين.
آرثر، من مكانه، لاحظ شيئاً لم يلاحظه أحد غيره. ليوين لم يكن ينظر إلى المدرسين بهيبة، بل كان يتفحص القاعة وكأنه يحلل ثغراتها الأمنية. كان ذلك البرود يثير رعب آرثر أكثر من أي شيطان واجهه.
"انظروا إلى وقاحته،" همس أحد المدرسين الجالسين بجانب آرثر. "يقف أمام مجلس الحكماء ويبتسم.. هذا الفتى إما أنه مجنون تماماً، أو أنه شيطان يرتدي جلد بشر."
في تلك الأثناء، تقدم الأستاذ بير إلى الأمام، وفتح مخطوطة طويلة وبدأ يقرأ لائحة الاتهام بصوت أجش: "المتهم ليوين، طالب في السنة الأولى. التهم: التلاعب بالنتائج، امتلاك مانا مشبوهة الهوية، والشك في التعاون مع قوى معادية في حادثة أوروك التي أدت إلى إصابات بليغة في صفوف نُخبة الطلاب وتدمير المدينة."
" الدليل الأول: قفزة مفاجئة في الرتبة من C+ إلى B في ليلة واحدة دون تفسير منطقي دليل ثاني ارسال رساله الى الاكاديمية لطلب تعزيزات قوية قبل وقوع الحادث مما يؤكد معرفة السابقة بالهجوم ومقدار الضرر الدليل الثالث شوهد من قبل كايزر وهو يجلس ويراقب دمار من دون أي تدخل الدليل الرابع شوهد وهو يختفي في الليل قبل يومين من وقوع حادث أوروك"
نظر ليوين إلى بير بملل، وكأنه يستمع إلى تقرير عن الطقس.
"هل لديك ما تقوله قبل كشف المرآة؟" سألت سيليا.
رد ليوين وهو ينظر إلى يديه المكبلتين: "المنطق الذي تبحثون عنه يا أستاذ بير، لا يوجد في كتبكم. القوة لا تأتي لمن ينتظرها، بل لمن ينتزعها من أنياب الموت. أما عن مانا 'المشبوهة'..
فربما هي فقط مانا حقيقية لا تجيدون قراءتها. وبشأن اختفائي في الليل هذه لاني خرجت لمشاهدة البحر الذي يقع بالقرب من مدينة اوروك"
تصاعدت الهمسات الغاضبة في القاعة.
آرثر كان يشعر بصراع داخلي. جزء منه يريد أن يصرخ ويدافع عن ليوين لأنه أنقذ حياتهم، وجزء آخر، الجزء الذي أصبح "يقتل ولا يستعرض"، يخبره أن ليوين هو التهديد الأكبر الذي سيواجه الأكاديمية يوماً ما.
سار الاستاذ بير نحو المرآة المغطاة، وأمسك بطرف القماش الأسود. "هذه المرآة صُنعت من غبار النجوم ودموع السحرة الأوائل. لا يمكن لمهارة خداع أو وهم أن تصمد أمامها.
إذا كانت هناك ذرة واحدة من مانا الشياطين داخل جسدك، فستتحطم روحك قبل أن تتحطم المرآة وسوف تعرف من خلالها أن كنت تكذب في كلامك أم تصدق"
نزع بير الغطاء بحركة سريعة.
ظهرت مرآة ضخمة، إطارها من الذهب الخالص المنقوش بكلمات بلغة قديمة لا يفهمها سوى السحرة الخالدين. لم تكن تعكس صورة الشخص، بل كانت تعكس سديماً من الألوان المتداخلة التي تمثل جوهر المانا.
"ليوين.. تقدم،" أمرت سيليا.
مشى ليوين بخطوات واثقة، وصوت سلاسله يرتد في القاعة كصوت ساعة عد تنازلي. توقف أمام المرآة مباشرة. كان وجهه قريباً من سطحها المصقول. في تلك اللحظة، شعر ليوين بشعور غريب جدا
**[تحذير: محاولة اختراق سحري من الرتبة العالية.. ]**
ابتسم ليوين داخلياً. 'هيا بنا يا صديقي المظلم.. دعنا نريهم ما يريدون رؤيته، وليس ما نحن عليه حقاً.'