‏ساد صمت جنائزي في القاعة الكبرى، صمت لا يكسره سوى طنين الطاقة المنبعث من **مرآة الروح**. تقدم ليوين بخطوات واثقة، وصوت سلاسله يرتد على الجدران الرخامية كإيقاع منتظم لعد تنازلي.

‏وضع يده الشاحبة على سطح المرآة البارد، وفور التلامس، سرت قشعريرة في أرجاء القاعة؛ المرآة لم تتوهج فحسب، بل بدأت نبضاتها تتزامن مع دقات قلب ليوين

‏ولم تمضِ سوى بضع ثوانٍ حتى استحالت الرؤيةُ داخل المرآة إلى خضمٍّ من السواد المطلق، ظلامٌ حالكٌ لا تدركه الأبصار ولا يُعرف له قرار.

‏كان ظلاماً بشعاً بكثافته، مهيباً في سكونه، يحمل في طياته غضباً دفيناً وقوةً كاسحةً تكاد تخنق الضياء من حوله.

‏ومع ذلك، كان ثمة شيءٌ غريبٌ في هذا السواد؛ فقد كان نقياً طاهراً من أي دنسٍ شيطاني، خالياً من تلك المانا العفنة التي اعتادوها والتي توجد عند الشياطين. كان ظلاماً "بدائياً" يخص ليوين وحده، قوةً خالصةً نبعت من أعماق روحه المكلومة، لا تشبه أي شرٍّ عرفوه من قبل. ثم بعد ثواني أخرى عادت المرأة إلى طبيعتها

‏أومأ الأستاذ بير برأسه في إيماءةٍ مقتضبة حملت رنة من الارتياح والحذر في آنٍ واحد،

‏وقال بنبرةٍ رخيمة: "جيد.. إن المانا الخاصة بك، رغم قتامتها، ما تزال نقيةً ولم تدنسها لوثة الطاقة الشيطانية."

‏ثبّت "بير" نظراته الثاقبة على ليوين وتابع بحزمٍ لا يقبل الجدل: "ولكن، إياك أن تُبعد يدك عن سطحها الآن. ستكون هذه المرآةُ من الآن فصاعداً هي الحد الفاصل بين نجاتك وهلاكك؛"

‏" فهي لا تبصر الأجساد، بل تقرأ الأرواح.. ستكشف لنا بياض صدقك من سواد زيفك، ولن يعبر من خلالها إلا الحقيقة المجردة."

‏تقدم الأستاذ بير، بجسده الطويل وهالة رتبة S+، ليقف على بُعد خطوات من المنصة. فتح سجلات التحقيق، وكانت عيناه الصقريتان لا تفارقان وجه ليوين للحظة.

‏"ليوين هارمت،" بدأ بير بصوت عميق تردد صداه في المقاعد العالية. "السؤال الأول.. هل اسمك الحقيقي هو ليوين هارمت؟"

‏لم يرمش ليوين. نظر إلى انعكاسه الضبابي في المرآة، وبابتسامة خفية لا تكاد تُرى، أجاب ببرود: "صحيح.. اسم هذا الجسد هو ليوين هارمت."

‏في تلك اللحظة، توهجت حواف المرآة بضوء أخضر هادئ، علامة اليقين المطلق. لم ينتبه أحد للصيغة الدقيقة التي استخدمها ليوين بقوله "اسم هذا الجسد"، فقد كان الجميع مأخوذاً باستجابة المرآة الفورية.

‏أخذ بير نفساً عميقاً واستمر: "وفقاً للسجلات، فقدت والدك في موجة الوحوش التي اجتاحت منطقتكم قبل عشرة أعوام. "

‏"وحالما وُلدت، فارقت والدتك الحياة بسبب الضغط الهائل الذي تعرض له جسدها الضعيف.. هل هذه هي حقيقتك؟"

‏انقبضت عضلات وجه ليوين لثانية واحدة، تذكر فيها "صوت الكسر" القديم، لكن صوته خرج ثابتاً: "صحيح هذه ماحدث في هذه الحياة"

‏مرة أخرى، شع الضوء الأخضر من المرآة. بدأ التوتر يتسرب إلى الحاضرين؛ فالتاريخ المأساوي لهذا الفتى يفسر الكثير من بروده، لكنه لا يبرر غموضه.

‏انتقل بير إلى النقطة الأكثر إثارة للجدل: "قبل دخولك للأكاديمية بشهر كامل، غادرت منزلك الصغير وتوجهت إلى الغابة السوداء وحدك. ماذا كنت تفعل هناك في تلك العزلة؟ وما هو السبب الحقيقي لذهابك؟"

‏استند ليوين بيده أكثر على المرآة، وكأنه يستمد منها القوة، وأجاب: "كنتُ أقتل الوحوش.. وأتدرب هناك بعيداً عن الأعين من أجل اختبار دخول الأكاديمية. لم يكن لدي معلم، لذا كانت الغابة هي معلمي الوحيد."

‏توهجت المرآة بقوة أكبر هذه المرة، مؤكدة صدق كلامه. بدأ المدرسون في المقاعد العالية يتبادلون الهمسات المذعورة. "تدرب وحده في الغابة السوداء ؟"، "كيف نجا طفل بمفرده هناك؟".

‏لكن بير لم يتوقف، بل رفع نبرة صوته كمن يلقي قنبلة: "لقد كنت في الرتبة **D** قبل دخولك للغابة، وبعد شهر واحد فقط، ظهرت في اختبارات الأكاديمية بمستوى **+C** "

‏"كيف استطاع فتى مثلك بمفرده، وبدون موارد حقيقية، أن يحقق هذه القفزة المرعبة في ليلة وضحاها؟"

‏هنا، وقف بعض أعضاء المجلس بذهول. القفز من D إلى +C في شهر واحد هو أمر يقترب من المعجزات السحرية. ابتسم ليوين ببرود مستفز، ونظر إلى بير مباشرة:

‏"ربما لأني موهوب بشكل لا تستطيع كتبكم تفسيره.. وربما لأني كنتُ أتمرن وسط الدماء بجد بينما كان الآخرون ينعمون بالدفء."

‏اهتزت المرآة بوميض أخضر خاطف، مما أكد أن "الجهد" و"الموهبة" كانا جزءاً من الحقيقة، حتى وإن أخفى ليوين "النظام" الذي ساعده. هز بير رأسه قليلا

‏ثم استجمع حزمه وقال: "الآن، يجب أن تجيب بشكل جدي يا ليوين.. نحن نتحدث عن دمار مدينة."

‏صمت بير لثانية ليضمن انتباه الجميع، ثم سأل:

‏"في مدينة أوروك، قبل الحادث بيومين، شوهدت وأنت تغادر النزل بسرية تامة في منتصف الليل.. إلى أين ذهبت؟"

‏أجاب ليوين ببرود جليدي، وكأنه يتحدث عن نزهة عادية: "لقد ذهبتُ لمشاهدة البحر. هدوء الأمواج يساعدني على التفكير."

‏توهجت المرآة باللون الأخضر مجدداً. ساد صمت مطبق. نظر الأستاذ بير إلى المديرة سيليا التي كانت تراقب المشهد بعينين مضيقتين،

‏فهزت رأسها ببطء لكي يكمل، رغم أن عقلها لم يبتلع فكرة "مشاهدة البحر" بهذه السهولة.

‏وصل بير إلى السؤال الجوهري: "لقد أرسلتَ رسالة إلى الأكاديمية تطلب فيها دعماً قوياً وسريعاً قبل وقوع الكارثة بساعات. رسالتك كانت دقيقة ومستعجلة وتستوجب تدخلاً من الرتبة العالية."

‏" كيف عرفت بوقوع الهجوم وحجم الضرر قبل أن يبدأ كل شيء؟ هل كنت طرفاً في التخطيط؟"

‏خيم ثقل مرعب على القاعة. آرثر، الجالس في الخلف، كان يحبس أنفاسه لدرجة أن وجهه بدأ يشحب. نظر ليوين إلى الأفق البعيد داخل القاعة، وصمت لبرهة، ثم قال وصوته يكتسب نبرة عميقة:

‏"لقد اتبعتُ عمدة المدينة في تلك الليلة.. لأن **مايكل** طلب مني مراقبته. كان مايكل يشك في أن العمدة هو أحد الأسباب الكامنة وراء الاضطرابات في أوروك. وبعد أن راقبتُه، اكتشفتُ شيء غريب. "

‏" رأيته يقتل وزراءه بدم بارد، يسحب أجسادهم ويمتص دماءهم بطقوس محرمة، ثم يرسل تلك الدماء إلى مكان مجهول خارج المدينة. عندها، أدركتُ أن أمراً ضخماً على وشك الانفجار، (فأرسلتُ الرسالة قبل وقوع الحادث)"

‏في تلك اللحظة، انفجرت المرآة بضوء أخضر ساطع لدرجة أنه غطى ليوين بالكامل. لم تكن المرآة تؤكد صدق كلامه فحسب، بل كانت تشع كأنها تصرخ بالحقيقة.

‏ضجت القاعة بالهرج والمرج. وقف أعضاء المجلس بأكملهم من مقاعدهم، وصيحات الذهول تمزق السكون.

‏"العمدة كان يمتص الدماء؟"، "هل يعقل أن المرآة معطلة؟"، "كيف تمكن طالب من رؤية كل هذا والنجاة؟".

‏وسط هذه الفوضى، تحركت **المديرة سيليا**.

‏نزلت من مقعدها العالي بخطوات وئيدة، وهالتها الباردة بدأت تتوسع في القاعة حتى جمدت الدماء في عروق الحاضرين. تنحى الأستاذ بير جانباً فوراً. وقفت سيليا أمام ليوين مباشرة، وكان الفارق في الهالة بينهما كالفارق بين جبل جليدي وشمعة صغيرة.

‏أرسلت سيليا موجة من القشعريرة إلى جسد ليوين بمجرد نظرة واحدة من عينيها الزرقاوين. مالت برأسها قليلاً، وقالت بصوت همسي مسموع له فقط، لكنه يحمل ثقل الموت:

‏"لقد أجبتَ على أسئلة بير ببراعة يا ليوين.. من الآن سأسألك أنا، وسنرى إن كانت روحك ستصمد أمامي."

‏توقف نبض المكان، وانتهى الفصل على ملامح ليوين التي بدأت تفقد برودها لأول مرة أمام ضغط المديرة المرعب.

‏---

2026/03/27 · 24 مشاهدة · 1086 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026