ساد صمتٌ ثقيل لدرجة أن الهواء أصبح بارداً ويصعب استنشاقه. وقفت المديرة سيليا أمام ليوين، كانت المسافة بينهما لا تتعدى المترين،
لكن الهواء بينهما كان يرجف بشده وقفت سيليا و عيناها الزرقاوان، اللتان تشبهان نصلين من الجليد، كانتا تخترقان محجر عين ليوين تبحثان عن ذرة ارتباك واحدة.
"ثلاثة أسئلة يا ليوين،" قالت سيليا، وصوتها الهادئ كان يحمل نبرة الموت المحتم. "ثلاثة أسئلة ستحدد ما إذا كنت ستخرج من هنا كطالب.. أم كجثة تُلقى للغربان."
لم يتحرك ليوين. ظلت يده مستقرة على سطح المرآة، وجسده مرتخٍ بشكل يثير الريبة أمام هالة المديرة التي جعلت حتى الأساتذة كبار السن يرتعدون في مقاعدهم.
تابعت سيليا، ونظرتها تزداد حدة: "السؤال الأول.. لقد شاهدك كايزر فوق منزل العمدة يوم الحادث. كنتَ هناك، تراقب كل شيء من الأعلى بموقع استراتيجي. بقوتك، وبما تملكه من مهارات، كان بإمكانك تعديل كفة القتال لصالح زملائك."
" كاد كايزر، ومايكل، ومايك، وليا، وحتى آرثر.. كادوا جميعاً أن يُقتلوا أمام عينيك. ولولا تطور آرثر المفاجئ إلى الرتبة B، لكان الجميع جثثاً هامدة الآن. أخبرني يا ليوين.. لماذا لم تتدخل؟ لماذا وقفتَ تراقب موت رفاقك ببرود؟"
لحظة صمت قصيرة مرت، ثم بدأت زوايا فم ليوين ترتفع ببطء. لم تكن ابتسامة اعتذار، بل كانت ابتسامة ساخرة نمت حتى تحولت إلى ضحكة عالية، مجنونة، ترددت أصداؤها في أرجاء القاعة الدائرية، صدمت الجميع بوقاحتها.
"وما علاقتي بهم؟" قال ليوين بعد أن هدأ ضحكه، وعيناه تلمعان ببريق مظلم. "إن ماتوا أو بقوا على قيد الحياة، ليس لدي أي اهتمام بمصيرهم. المهم عندي هو أن أخرج أنا حياً من تلك المحرقة. لقد قلت لكم سابقاً إني شعرت بوقوع أمر جلل بسبب العمدة،"
" وحين انتهت موجة الوحوش، ظهر شيطان من الرتبة +A.. برأيكِ أيتها المديرة، ماذا يمكن لفتى مثلي أن يفعل أمام كيان بتلك القوة؟ هل تريدين مني الانتحار من أجل 'زمالة' لا تعني لي شيئاً؟"
تغيرت ملامح سيليا قليلاً؛ فنية القتل المنبعثة من عينيها أصبحت ملموسة، لكن المرآة تحت ليوين بدأت تشع بضوء أخضر قوي. لقد صدقت المرآة كلامه؛ فليوين لا يكذب، هو حقاً لا يهتم بحياة أحد سوى نفسه.
في المقاعد العالية، نظر المدرسون إلى آرثر باشمئزاز وتساؤل، وكأنهم يلومونه على مرافقة شخص بهذا القبح النفسي. لكن آرثر، الذي كان يشد على قبضة يده حتى ابيضت مفاصله،
أطلق تنهيدة محبطة وقال بصوت منخفض لمن حوله: "كما قلتُ سابقاً.. ليوين ليس شخصاً يمكن الاعتماد عليه في قتال حقيقي. إنه يعيش لنفسه فقط."
لم تعقب سيليا على وقاحته، بل انتقلت للسؤال التالي فوراً: "السؤال الثاني.. كيف استطعت الوصول إلى الرتبة B بهذه السرعة الصاروخية؟"
مالت سيليا برأسها، تراقب كل حركة لا إرادية في جسد ليوين، تبحث عن ارتعاشة في أصابعه أو توسع في بؤبؤ عينيه.
ابتسم ليوين مجدداً، وأجاب بنبرة هادئة: "بنفس الطريقة التي فعلها آرثر. هو تطور تحت الضغط الجسدي والعقلي الهائل أمام موجة الوحوش و شيطان الرتبة +A. أنا أيضاً واجهت جحيمي الخاص."
" بعد قتلي للعمدة، شعرتُ بضغط مرعب يمزق عقلي، وكأن آلاف الأرواح تصرخ داخل جمجمتي. أصوات نحيب، صرخات استغاثة، ضجيج لا ينتهي يحاول تدمير وعيي.
"ظننتُه هجوماً شيطانياً يحاول التلاعب بي، وبعد صراع مرير مع تلك الأصوات، استطعتُ بطريقة ما امتصاص ذلك النحيب وتطويعه، تخلصتُ من قطعة القذارة الشيطانية التي كانت تعبث برأسي، ووجدتُ نفسي قد تجاوزتُ الحدود إلى الرتبة B."
بقي الجميع في حالة ترقب. سيليا كانت تتمعن في كل خلية من وجهه، وفجأة، خرج صوت طنين عميق من المرآة، وتوهجت بنور صافٍ قطع الشك باليقين.
لقد كان ليوين صادقاً (بمنظوره الخاص)، مما أصاب الحاضرين بالصدمة. لقد تطور عبر "معركة عقلية" ضد بقايا مانا العمده الملوثة او هذه ما يضنون
هدأت هالة سيليا قليلاً، وتراجعت شرارات المانا المتجمده حولها، لكن حذر عينيها ظلّ ثابتاً كحارسٍ لا يغفل. خفضت نبرة صوتها لتصبح أكثر عمقاً وهي تطرح سؤالها المصيري:
"السؤال الأخير يا ليوين.. وهو بالنسبة لي الميزان الذي سأحكم به عليك. ما هو هدفك النهائي؟ ولماذا اخترت هذه الأكاديمية بالذات لتكون مسرحاً لوجودك؟ بشخصيةٍ معقدة وصلبة كشخصيتك."
"أدرك جيداً أن أضواء الشهرة لا تغويك، وبريق المال لا يحرك ساكناً في نفسك.. إذن، ما هو المحرك الحقيقي القابع في أعماقك؟ ما الذي يطمح إليه ليوين حقاً في هذا المكان؟"
تغيرت تعابير ليوين تماماً. اختفت السخرية، واختفت الابتسامة الباردة، وحل مكانها وجه ميت، خالٍ من الحياة، وصوت خرج بعمق غريب لم يسمعه أحد منه من قبل:
"هدفي.. هو الحصول على المركز الأول في بطولة نهاية السنة الأولى..... من أجل استرجاع إخوتي."
في تلك اللحظة، انفجرت المرآة بنور ذهبي ساطع لدرجة أن الجميع اضطروا لتغطية أعينهم بأيديهم. كان نوراً يعبر عن صدق يفوق الوصف، صدق نابع من أعمق بقعة من الروح.
دهشت سيليا من هذه الإجابة غير المتوقعة. "إخوتك؟ من هم؟ وأين هم الآن؟"
أجاب ليوين باقتضاب: "لا أعلم."
"كيف لا تعلم؟" ضيقت سيليا عينيها بغضب مكتوم. "إذن من هو الرجل الذي أمسك بإخوتك أو يحتجزهم؟ أخبرني باسمه فوراً!"
نظر ليوين إليها ببرود جليدي، وكأن كل ضوء المرآة لم يدفئ قلبه: "لا أستطيع إخباركِ."
ضجت القاعة من جديد. وقف المدرسون على أرجلهم، وعادت الشكوك تنهش عقولهم.
"لا يستطيع إخبارنا؟"، "هل يتستر على مجرم؟"، "هل هو مجرد بيدق؟".
سألت سيليا بصوت حاد كالسكين: "هل هو شيطان؟ هل هذا الشخص الذي تخشاه هو أحد حراس ملك الشياطين؟"
هز ليوين رأسه ببطء: "لا.. ليس شيطاناً. بل هو شيء لا تعرفونه، ولا أستطيع التكلم عنه حتى لو أردت. دعيني أقول إنني أنا نفسي لا أعلم الكثير عنه، لكن ما أعلمه يقيناً.. هو أنه ليس عدواً لكم."
تشعشعت المرآة للمرة الأخيرة بنور باهت لكنه حقيقي، مؤكدة أنه لا يكذب في عجزه عن الكلام. ساد صمت طويل، صمت تقييم للموقف.
نظرت سيليا إلى ليوين نظرة أخيرة، نظرة حملت الكثير من التساؤلات والوعيد، ثم استدارت
"فُكّوا قيوده،" قالت سيليا بصوت جهوري هز أركان القاعة. "أعيدوه إلى غرفته.. المحاكمة انتهت."
وبينما كان الحراس يتقدمون لفك الأصفاد السحرية، كان ليوين ينظر إلى يديه اللتين تحررتا، وفي عقل ليوين، كان عشرات الأفكار حول نظام
وكأنه يذكره بأن الطريق نحو "إخوته" قد بدأ للتو وسط غابة من الوحوش التي ترتدي ثياب المدرسين.
---