"
ساد صمتٌ خانق في كافتيريا الأكاديمية، صمتٌ لم يكن ناتجاً عن الهدوء، بل عن الصدمة التي شلت أركان المكان. وقف كايزر ومايكل وليا ومايك كالتماثيل الرخامية،
أعينهم مثبتة على ذلك الفتى ذو الشعر الرمادي الذي يجلس بكل هدوء، يقطع قطعة اللحم بسكينه الفضي وكأنه لم يغب يوماً، وكأنه لم يقد الموت خلفه في أزقة أوروك.
كانت ليا هي أول من استجمع شتات نفسه. تقدمت بخطوات مترددة، تتبعها نظرات زملائها الحذرة. وقفت أمام طاولة ليوين مباشرة،
وكان ظلها يغطي جزءاً من طبق طعامه. لم يرفع ليوين رأسه، بل استمر في مضغ طعامه ببطء مستفز.
"ليوين..." همست ليا، وصوتها يحمل مزيجاً من الإغاثة والشك والارتعاش.
"لقد ظننا... ظننا أنك لن تعود أبداً. الأكاديمية كانت تعج بالإشاعات، والمديرة سيليا لم تسمح لأحد بالاقتراب من جناح التحقيق."
رفع ليوين عينيه السوداوين ببطء شديد، نظر إليها نظرة باردة خالية من أي ود أو مودة، وكأنها مجرد عقبة تحجب عنه الضوء.
"الإشاعات دائماً ما تملأ رؤوس الفارغين يا ليا،" قال بصوت هادئ ومنخفض. "أما عن عودتي... فالموت لا يقبلني بسهولة، والحياة هنا لا تزال مدينة لي بالكثير."
اندفع كايزر إلى الأمام، وضرب الطاولة بقبضته لتهتز الأطباق. "كيف تتجرأ على الجلوس هنا بكل هذا البرود؟" صرخ كايزر، ونية القتل تتسرب من مسام جسده.
"لقد تركتنا نواجه تلك الوحوش وحدنا! كنت تراقبنا من الأعلى بينما كنا ننزف! هل لديك أدنى فكرة عما شعرنا به ونحن نرى رفيقنا يكتفي بالمشاهدة؟"
وضع ليوين شوكته بهدوء، ومسح فمه بمنديل ورقي، ثم نظر إلى كايزر بابتسامة باهتة لا تصل للعينين. "الرفيق هو من يضيف قوة للمجموعة، لا من ينتظر الشفقة. لقد نجوتم، أليس كذلك؟ بل وتطور آرثر بفضل ذلك الضغط."
"كان يجب أن تشكروني لأنني منحتكم الفرصة لتجاوز حدودكم، بدل العويل كالأطفال."
استشاط مايكل غضباً، وكاد يخرج مانا رياح، لكن يد مايك الثقيلة استقرت على كتفه لتمنعه. "ليس هنا يا مايكل،" همس مايك بعقلانية مشوبة بالمرارة. "القانون يحميه الآن."
استقام ليوين في وقفته، حمل صينيته الفارغة وسار من بينهم دون أن يلتفت، وكأنهم مجرد هواء عابر. ترك خلفه قلوباً تغلي بالكراهية وعقولاً تتخبط في الحيرة.
---
بعد دقائق قليلة، رن جرس الأكاديمية معلناً بداية الدرس الأول. اتجه ليوين نحو صفه المعتاد. وبمجرد أن فتح الباب الحديدي الضخم، خيم صمتٌ مطبق على القاعة الدراسية. عشرات الطلاب توقفوا عن الحديث،
وأعينهم تراقب كل حركة يقوم بها "العائد من الموت". لم يعرهم ليوين اهتماماً؛ سار بخطى ثابتة نحو مقعده الفارغ في الزاوية المتطرفة، وجلس واضعاً رأسه على الطاولة.
دخل الأستاذ بير بعد ثوانٍ، بهالته القويه ووجهه الذي لا يبتسم أبداً. لم يلقِ بير نظرة خاصة نحو ليوين، بل بدأ درسه في "فنون الحروب السحرية" بصوت رخيم. أما ليوين، فقد استغل الوقت ليغرق في نوم عميق،
مستخدماً مهارات النظام في خلفية عقله لمراقبة المحيط، بينما جسده ينعم براحة لم يذقها منذ شهر.
انتهى الدرس الأول دون أي احتكاك، لتبدأ الحصة الأكثر انتظاراً: "درس فنون السيف" تحت إشراف **الأستاذ فارون**.
تجمع الطلاب في ساحة التدريب الواسعة، حيث كانت الرياح تداعب خصلات شعرهم. وقف الأستاذ فارون، الرجل الذي قيل إن سيفه يسبق صوته، ممسكاً بسيف خشبي بيده السليمه
"اليوم، سنتعلم مهارة **تقدم القاطع**،" قال فارون بنبرة حادة. "هذه المهارة لا تعتمد على قوة الذراع، بل على التنسيق بين المانا والقدمين. اشحنوا أقدامكم بالمانا حتى تشعروا بالضغط، "
"ثم تنفجر المانا من أقدامك للامام لتسديد ضربة واحدة، سريعة، دقيقة، وقاتلة. الضربة التي تكون غير متوقع يجب أن يتم استخدامها كورقة اخيره."
بدأ فارون يستعرض الحركة؛ انطلق كالبرق، وفي لمح البصر كان سيفه الخشبي قد قطع الهواء ليقف أمام رقبة دمية التدريب. ذهل الطلاب من السرعة.
"الآن، ليختر كل واحد منكم رفيقاً للتدريب الميداني،" أمر فارون.
بدأ الطلاب بالانقسام بسرعة. ليا اختارت مايكل، وكايزر انضم لآرثر، والجميع وجدوا شركاءهم في ثوانٍ. بقي فتى واحد واقفاً وحيداً وسط الساحة،
يداه في جيبيه، وشعره الرمادي يغطي عينيه. ليوين هارمت. لم يتقدم أحد لاختياره؛ فالكراهية والخوف كانا حاجزاً منيعاً.
نظر الأستاذ فارون نحو ليوين، وهز رأسه بأسى وتمتم: "كما هو متوقع من شخص اختار الظلام طريقاً." ثم تقدم فارون نحو ليوين بخطوات واثقة.
"يبدو أنك تفتقر لشريك يا ليوين. سأقوم أنا بدور رفيقك في هذا التدريب. أرني ما تعلمته."
ابتسم ليوين، ابتسامة لمعت فيها أسنان بيضاء كأنها أنياب مفترس. أخرج خنجره الخشبي الصغير، وانحنى بجسده قليلاً. وفجأة، ودون سابق إنذار، انطلق ليوين كالسهم المشحون بالمانا.
استخدم "التقدم القاطع" بشكل غريزي، وسدد ضربة قوية بخنجره الخشبي استهدفت المنطقة تحت رأس فارون مباشرة.
كانت الضربة سريعة لدرجة أن بعض الطلاب لم يروا سوى وميض رمادي. لكن فارون لم يكن أستاذاً بالصدفة. بحركة واحدة رشيقة من سيفه الخشبي،
صد الهجوم بقوة جعلت ذراع ليوين ترتعد، ثم وبحركة دائرية غير اتجاه ليوين ليدفعه للجانب الآخر.
لم يستسلم ليوين؛ استدار في الهواء وحاول تسديد طعنة جانبية، لكن فارون كان أسرع. "تفتقر للدقة يا فتى وهجومك مكشوف" قال فارون وهو يغير اتجاه سيفه في كسر من الثانية،
وبدلاً من ضرب الخنجر، غير المسار ليضرب بقبضة يده الحرة صدر ليوين بقوة قذفته للخلف.
تراجع ليوين عدة خطوات، والدماء بدأت تغلي في عروقه. حاول مجدداً، منطلقاً بهجمات متتالية من زوايا ميتة، محاولاً استغلال مهاراته في التخفي والسرعة.
لكن فارون كان يقرأ تحركاته ككتاب مفتوح. كان السيف الخشبي لفارون يتحرك كجدار لا يمكن اختراقه.
في الحركة الأخيرة، اندفع ليوين بكل قوته، رافعاً خنجره للصد أمام ضربة فارون النازلة. لكن فارون، ببراعة قتالية مذهلة، قام بخدعة؛
سحب سيفه في اللحظة الأخيرة، وتجاوز دفاع ليوين المفتوح ليصدم قبضته الصلبة بوجه ليوين مباشرة.
سقط ليوين على الأرض، وشعر بطعم الدماء في فمه. نظر للأعلى ليرى سيف فارون الخشبي مثبتاً عند حنجرته.
"المهارة لا تعني شيئاً دون بصيرة،" قال فارون وهو يساعد ليوين على النهوض بفظاظة. "أنت تملك السرعة، لكنك تفتقر للروح التي تقرأ خصمك. عُد لصفوفك."
مسح ليوين الدماء عن شفته، ونظر لرفاقه الذين كانوا يراقبون سقوطه بابتسامات شماتة خفية، بينما كان آرثر يراقبه بنظرة غامضة،
---