غادر ليوين ساحة التدريب وجسده لا يزال يحمل آثار لدغات سيف الأستاذ فارون الخشبي. لم يكن الألم الجسدي هو ما يشغله؛ فجروح السطح تلتئم، لكن ما كان يقلقه هو ذلك الشعور الغريب بالثقل الذي بدأ يزحف نحو الأكاديمية،
شعورٌ لا يستطيع أحد رصده سوى من امتلك المعرفة داخل هذه الرواية في أعماقه.
سار ليوين في الممر الطويل المؤدي إلى جناح سكن الطلاب، كانت المصابيح السحرية المعلقة على الجدران الرخامية تتمايل بخفة،
ترسل ظلالاً راقصة ومشوهة خلفه. وبينما كان يقترب من منعطف الجناح الخاص برتب النخبة، توقفت أنفاسه لثانية واحدة.
من الجهة المقابلة، كان هناك طالب يسير ببطء وثبات.
كان غريب المظهر بشكل لا يمكن تجاهله؛ يرتدي زي الأكاديمية الرسمي، لكنه كان يبدو وكأنه لا ينتمي لهذا الزمان أو المكان. شعره كان شاحباً كرماد الجثث،
وبشرته بلون الرخام الميت، لكن أكثر ما أثار ريبة ليوين هو هدوؤه. لم يكن بروداً مثل برود ليوين، بل كان "فراغاً" مطلقاً.
اعتصر ليوين ذاكرته، بحث في كل فصل من فصول الرواية التي قرأها، وفي كل سطر وصف الشخصيات الجانبية والرئيسية.
'من هذا؟' فكر ليوين بحدة. 'لقد قرأتُ هذه الرواية حتى اخر حرف منها، حفظتُ أسماء الطلاب المتفوقين والمنبوذين.. هذا الشخص بشكله هذه لا وجود له في النص الأصلي.'
اقترب الفتى، ولم يغير أي منهما مساره. وعند لحظة التجاوز، حيث لا يفصل بين كتفيهما سوى سنتيمترات قليلة، حدث ما لم يكن في الحسبان.
تحت أقدامهما، حيث تلاقت الظلال الممتدة بفعل إضاءة الممر، وقع اصطدامٌ مرعب. لم يكن اصطداماً جسدياً، بل كان صراعاً بين "ماهيتين". ظل ليوين، المشبع بقوة الهاوية وبذرة الشيطان التي امتصها ظلام ليوين
انتفض وكأنه واجه عدوه الأزلي، بينما ظل الفتى الغريب تمدد بشكل مفاجئ وكأنه ثقب أسود يحاول ابتلاع كل شيء.
في تلك اللحظة، داخل عقليهما فقط، دوت صرخة صامتة مزقت سكون الوعي. شعر ليوين وكأن جبلًا من الظلام المحض قد هبط فوق جمجمته، ضغطٌ هائل كاد يجعله يفقد توازنه ويخر ساجداً على الرخام.
كانت مانا ليوين تغلي وتصطدم بمانا الفتى في فضاء غير مرئي، صراع إرادات دموية لم يلمح منه الطلاب المارون في الجوار أي شيء سوى شابين يمشيان بجانب بعضهما.
توقف ليوين فجأة، وجسده متصلب بالكامل. تصبب عرق بارد من جبينه، وشعر بطعم معدني في حلقه. كانت الصدمة أكبر من أن يستوعبها في لحظة واحدة.
'هذه القوة... ليست رتبة B، ولا حتى A.. هذا الشعور بالظلام مألوف، لكنه مشوه.'
توقف الفتى الغريب أيضاً على بُعد خطوتين خلف ليوين. التفت ببطء، وكانت عيناه خالية من أي بريق بشري، مجرد بياض باهت يحيط ببؤبؤ رمادي صغير.
نظر إلى ظهر ليوين، وارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة، باردة كالموت، ومهينة كالسخرية.
"مثير للاهتمام حقاً،" قال الفتى بصوت هامس بدا وكأنه يخرج من تحت الأرض وليس من حنجرته. "لم أكن أتوقع أن أجد نسخة مني هنا"
وقبل أن يتمكن ليوين من الرد أو حتى استعادة قدرته على الكلام، تحرك الفتى. لم يمشِ، ولم يركض؛ بل تلاشى في الهواء وكأنه كان مجرد وهم بصري،
مخلفاً وراءه رائحة خفيفة من الكبريت والبرد القارس.
استدار ليوين بسرعة، لكن الممر كان فارغاً تماماً. لم يتبقَ أثر للفتى، ولا حتى صدى لخطواته. وقف ليوين وحيداً، وعيناه متسعتان من الذهول، وقلبه يخفق بعنف يكاد يمزق صدره.
"لقد تغير مسار الرواية..." همس ليوين بصوت مهتز. "هذا الشخص.. هذا الكيان لا يجب أن يظهر الآن. موعد ظهوره، لو كان هو من أظن، بعد سنوات من الآن.. كريس البشري الذي اختار جانب الشيطان"
بينما كان ليوين غارقاً في دوامة شكوكه، اخترق صوته المألوف والبارد صمته الداخلي.
**[ دِينغ! ]**
ظهرت شاشة النظام الزرقاء أمام عينيه، لكن لونها كان يترنح بين الأزرق والأحمر القرمزي، وكأنها تعاني من اضطراب في البيانات.
**[ تنبيه: اكتشاف خلل في الزمكان السردي! ]**
**[ بسبب تدخل المضيف المستمر، وتغييره الجذري لمسارات الأحداث في 'أوروك' ومواجهة المديرة والحصول على المركز الأول باختبار الأكاديمية.. انحرف مسار العالم عن النص الأصلي بنسبة 60%. ]**
**[ النتيجة: العالم بدأ 'برد الفعل' لتعديل التوازن. تم استدعاء كيانات وتوقيتات من معارك مستقبلية إلى الحاضر. الشخصيات التي لم يكن من المفترض ظهورها بدأت في التحرك. ]**
**[ تحذير: التوقعات المستقبلية المبنية على الرواية لم تعد مضمونة بنسبة 100%. مع كل تقدم من الايام وانت تتنفس تنقص النسبة]**
حدق ليوين في الكلمات المتوهجة. شعر في البداية بضغط هائل؛ فالسلاح الوحيد الذي كان يملكه وهو "معرفته بالمستقبل" بدأ يتفتت بين يديه.
كان يعتمد على معرفته بموعد هجوم الشياطين، والمعارك القادمة، ومواقع الكنوز.. والآن، كل شيء أصبح عرضة للتغيير.
لكن، وبشكل مفاجئ، بدأت تلك الصدمة تتحول إلى شيء آخر. ابتسامة عريضة، شيطانية، شقت وجه ليوين وسط الممر المظلم. لمعت عيناه السوداوان ببريق غير مقدس، وضحكة خفيفة خرجت من صدره.
"هكذا إذن؟" قال ليوين وهو يغلق شاشة النظام بيده. "لقد قرر العالم أن يلعب معي بقواعد جديده لأنني حطمتُ قواعده السابقة؟"
أكمل طريقه نحو غرفته المظلمة بخطوات أسرع وأكثر ثباتاً. دفع الباب وأغلقه خلفه بقوة، وجلس في العتمة المطلقة التي يفضلها.
نظر إلى يديه اللتين لا تزالان ترتجفان من أثر الاصطدام بالفتى الغريب، وقال بنبرة مليئة باللامبالاة والجنون:
"لا يهم.. سواء كانت الرواية صحيحة أم محرفة، وسواء ظهر الحراس الخمسة الآن أو غداً.. دع هذا العالم يذهب إلى الجحيم. "
"سأبني طريقي فوق جثث الجميع، سواء كانوا في النص الأصلي أو دخلاء عليه. الآن.. اللعبة أصبحت ممتعة حقاً."
استلقى ليوين على سريره، وعقله يبدأ في تحليل مانا ذلك الفتى. كان يعلم يقيناً أن المواجهة القادمة لن تكون في قاعة محكمة أو ساحة تدريب، بل ستكون معركة بقاء ضد كيانات لا تعترف بقوانين البشر.
---