في أعمق نقطة تحت أساسات الأكاديمية الملكية، حيث لا تصل أشعة الشمس ولا حتى همسات الطلاب في الأعلى، يقع "القلب البلوري". إنه المحرك السحري الذي يغذي مصفوفة الحماية العظمى،
الحصن الذي جعل الأكاديمية منطقة محرمة على الشياطين لقرون. الرطوبة هنا لها طعم السحر القديم، والممرات الضيقة مبنية من حجر "المانا" الصامت الذي يمتص أي صدى.
وسط هذا السكون، كان **كريس** يتحرك. لم يكن يمشي بل كان ينساب، جسده يبدو وكأنه بقعة زيتية وسط الظلام الدامس. لم تكن خطواته تصدر صوتاً، بل حتى الهواء لم يكن يجرؤ على الاحتكاك بجلده الرخامي البارد.
كانت عيناه الرماديتان تمسحان الممر المؤدي إلى غرفة القلب، حيث يتمركز ثلاثة حراس من النخبة.
توقف كريس وهوه مختفي في ظلام، وراقب ببرود. هناك، أمام البوابة المطعمة بالذهب السحري، وقف حارسان من الرتبة **+A**، يرتديان دروعاً ثقيلة مشحونة بمانا الضوء.
وفي المنتصف، يجلس قائدهم على مقعد حجري، رجل ذو ندبة عميقة على وجهه، تنبعث منه هالة خانقة من الرتبة **S**. هؤلاء ليسوا مجرد جنود؛ إنهم "صمام الأمان" الأخير لقلب البلوري
انتظر كريس. كان الوقت بالنسبة له مجرد أرقام لا قيمة لها. وبعد ساعات من الصمت الثقيل، تنهد أحد الحارسين (رتبة +A) وأمسك بمعدته التي أصدرت صوتاً مسموعاً.
"سحقاً لهذا المناوب اللعين،" قال الحارس بتذمر. "سأذهب لإحضار بعض الطعام من المطبخ السفلي.. هل يريد أحدكم شيئاً؟"
هز القائد (رتبة S) رأسه ببرود دون أن يفتح عينيه، بينما لوح له الحارس الآخر بيده علامة الرفض. استدار الحارس الأول وسار مبتعداً في الممر المظلم، غير مدرك أن "الموت" كان ينتظره عند المنعطف الأول.
تحرك كريس كبرق أسود. بمجرد أن دخل الحارس في منطقة الظل التام، ظهر كريس من خلفه مباشرة. قبل أن يتمكن الحارس من استشعار المانا أو حتى استلال سيفه،
كانت يد كريس الشاحبة قد أطبقت على رأسه من الخلف كالكماشة الفولاذية.
لم يصرخ الحارس؛ فصوته سُلب منه في اللحظة التي تلامست فيها بشرة كريس مع خوذته. بدأ سواد كثيف، يشبه الحبر السائل، يتدفق من أصابع كريس ويتسرب داخل مسام رأس الحارس،
مخترقاً الجمجمة ليصل مباشرة إلى جذع الدماغ ومركز الإدراك.
اتسعت عينا الحارس، وتحول بياضهما إلى سواد حالك للحظة قصيرة، قبل أن يستعيد لونهما الطبيعي. ارتخت عضلاته تماماً، ثم وقف مستقيماً بنظرة خالية من الروح.
'أكمل ما كنت تنوي فعله،' همس صوت كريس داخل عقل الحارس كفحيح الأفعى. 'اذهب، أحضر الطعام، وعند عودتك.. قم باستدراج رفيقك إلى الغابة المجاورة بحجة لقاء الأستاذ فارون. اجعل الأمر يبدو طبيعياً.'
هز الحارس رأسه بآلية، ثم واصل سيره نحو المطبخ. كريس، من جهته، تراجع إلى الظلال ليراقب الفصل الثاني من مسرحيته.
بعد ربع ساعة، عاد الحارس وهو يحمل صواني الطعام، يصفر بلحن خفيف وكأن شيئاً لم يكن. دخل إلى منطقة الحراسة ووضع الطعام أمام القائد والرفيق الآخر.
نظر الحارس الاول ( الذي تم سيطره عليه) بتهكم: "أوي.. أيها الأحمق، يبدو أن حظك السيء يلاحقك، فالأستاذ فارون يبدو غاضباً منك مجدداً. هل فعلت أي شيء أحمق يخص تدريبات الأمس؟"
تجمد الحارس الثاني (A+) للحظة، ثم تظاهر بالارتباك "ماذا؟ كلا.. لم أفعل شيئاً!"
ضحك الحارس الأول بمرارة مصطنعة وتابع: "لا أعلم.. لقد صادفته عند مدخل المطبخ، وطلب مني أن أخبرك بالذهاب للقاءه في الغابة المجاورة للجناح الغربي فوراً."
" قال إنه يريد رؤيتك.. ويبدو أنه سيعيد ضربك كما فعل في المرة الماضية."
شحب وجه الحارس الثاني واهتزت يده: "تباً! هل لا يزال غاضباً لأني أكلت من طعامه الخاص في المرة الماضية؟ اقسم اني لم أكن أعلم بذالك"
وقف الحارس الثاني بذعر، واتجه نحو المخرج بسرعة وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة عن سوء حظه.
نظر الحارس الأول نحو القائد (رتبة S) وقال بابتسامة صفراء: "سيدي.. يبدو أنه سيتلقى بعض الضرب التأديبي اليوم أيضاً."
أومأ القائد برأسه بملل، وعاد لتركيز المانا حول جسده، غير مدرك أن قلعة الأمان بدأت تنهار من تحت أقدامه.
في هذه الأثناء، خرج الحارس الثاني إلى الغابة المجاورة للأكاديمية، حيث كانت الأشجار تتشابك لتشكل نفقاً من العتمة. توقف وبدأ ينادي بصوت خفيض: "أستاذ فارون؟ أنا هنا.. أعتذر حقاً عن موضوع الطعام..."
لم يأتِ رد، سوى صمت مطبق برائحة الكبريت. فجأة، شعر الحارس بأن الظلال تحت أقدامه بدأت تتحرك كالأفاعي. استدار بسرعة،
لتظهر يد رخامية من العدم وتمسك بوجهه بالكامل. قبل أن ينطق بكلمة، ضُرب رأسه بالأرض بقوة حطمت الصخور تحته.
انقض كريس فوقه، وعيناه تشعان بمانا أرجوانية ملوثة. غرس أصابعه في صدغي الحارس، وبدأ بضخ " الظلام" في عقله.
"ستكون خادمي الثاني،" قال كريس ببرود.
بعد أن انتهت عملية السيطرة، قام كريس بضرب الحارس عدة ضربات عنيفة على وجهه وجسده، حتى تورمت عيناه وتمزق درعه بشكل طفيف.
"الآن.. عد إلى مركز الحراسة،" أمر كريس الحارس الذي وقف بجسد مرتجف وعينين متبلدتين. "تصرف بطبيعتك.. وأخبر القائد والرفيق الآخر أن الأستاذ فارون قد أبرحك ضرباً كما كان متوقعاً. ابقَ قريباً من القائد.. بانتظار إشارتي الأخيرة."
سار الحارس نحو الأكاديمية، بينما بقي كريس واقفاً وسط الغابة المظلمة، ينظر نحو قمة برج المديرة سيليا بابتسامة مرعبة.
لقد سقط حارسان من الرتبة +A، ولم يتبقَ سوى القائد من الرتبة S قبل أن ينكشف "القلب"
---