‏تسلل كريس من الأبواب الخلفية للأكاديمية، يتحرك كخيال عابر وسط الأشجار الكثيفة التي تحيط بالأسوار الحجرية العالية. كانت أنفاسه هادئة، وعقله يرسم الخطوة التالية ببرود تام،

‏لكن فجأة، تجمد الهواء من حوله. شعر بوخز حاد في مؤخرة رأسه، وكأن نصلين غير مرئيين قد استقرا على رقبته.

‏"الطلاب ممنوعون من الخروج في هذا الوقت المتأخر يا فتى.. ألا تعرف القوانين؟"

‏خرج الصوت رزيناً، عميقاً، ويحمل هيبة لا تضاهى. استدار كريس ببطء شديد، ليجد أمامه رجلاً في منتصف العمر، يقف بوقار عسكري بظهره المستقيم وشعره القصير. كان **الأستاذ بير**،

‏الرجل الذي يلقب بـ "عين الصقر" لرتبته التي تتجاوز **+S**. كانت عيناه الحادتان تخترقان عتمة الليل، تراقب كل خلية في جسد كريس.

‏ارتسمت ابتسامة خفيفة، باهتة على وجه كريس وهو ينحني برأسه قليلاً. "أعتذر يا أستاذ بير.. لكن لدي أمر طارئ يجب عليّ فعله في هذا الوقت، لم أكن أقصد خرق القوانين."

‏ضيق بير عينيه، وازدادت نظراته حدة، وكأنه يحاول قراءة روح الفتى لا وجهه فقط. "هممم... غريب. ذاكرتي لا تخونني أبداً فيما يخص الوجوه، لكنني لا أتذكر وجود طالب بهذا الوجه في العام الأول أو الثاني.. ولا حتى في سجلات الأضعف. أخبرني يا فتى.. ما اسمك؟"

‏في تلك اللحظة، شعر كريس بضغط خفي يحاصره. 'تباً.. ماذا يريد هذا الأحمق الآن؟' فكر كريس بسخط مكتوم، بينما ظل وجهه محتفظاً بهدوئه المصطنع.

‏'لقد أتممت المهمة في القبو، ولا أريد إضاعة المانا في قتال غير ضروري قبل وصول السيد.'

‏"تكلم،" قال بير بصوت أكثر صرامة، وبدأت هالة زرقاء باهتة تتسرب من جسده. "ما هو اسمك؟ وفي أي صف أنت؟"

‏حافظ كريس على هدوئه وأجاب بنبرة واثقة: "اسمي جود، أيها الأستاذ.. أنا من طلاب السنة الثانية، الصف العام الدراسي 'ب'. ربما لم تلاحظني لأنني أفضل البقاء في الزوايا."

‏لم يكمل كريس جملته حتى انفجرت الأرض تحت قدمي بير. انطلق الأستاذ كالصاعقة، وقبضته المشحونة بطاقة هائلة اتجهت مباشرة نحو صدر كريس.

‏"كاذب!" صرخ بير بصوت زلزل أوراق الأشجار. "جود الذي أعرفه لا يملك هذه الهالة المظلمة والمشوهة.. جود لا يملك روحاً تفوح منها رائحة الدماء!"

‏بسرعة رد فعل تفوق الطبيعة البشرية، رفع كريس يده وحرر موجة من المانا السوداء لصد الهجوم. وقع الاصطدام ليرتد كريس عدة أمتار للخلف، تاركاً أثراً عميقاً في التربة.

‏"تباً لك يا بير.." قال كريس بصوت تغير تماماً، أصبح أكثر عمقاً ورجولة. "ألا تستطيع أن تجعلني أمر بسهولة؟ دائماً ما كنت حاد الطباع، ودائماً ما كنت تدس أنفك فيما لا يعنيك."

‏في تلك اللحظة، بدأ جسد الفتى يرتجف ويتمدد. تلاشت ملامح الطالب الوديعة، وبدأ شعره الشاحب يتحول إلى لون أحمر قرمزي قانٍ كالدماء. نما جسده ليصبح شاباً في ربيع العمر، يتراوح بين العشرين والخامسة والعشرين،

‏بملامح حادة ووسامة شرسة تجذب العيون وترهب القلوب. كانت عيناه تلمعان ببريق شيطاني أحمر تحت أهداب سوداء طويلة.

‏اتسعت عينا بير بصدمة زلزلت كيانه، وتراجع خطوة للخلف وهو يهمس بذهول: "كـ.. كريس؟ هل هذا أنت حقاً؟ ماذا تفعل هنا؟ كيف تجرأت على العودة؟"

‏نظر كريس إليه ببرود، ونفض الغبار عن ثيابه التي أصبحت ممزقة بفعل التحول. "أوووه.. أستاذي العزيز، هل هكذا تستقبل طالبك المفضل السابق؟ ظننتُ أنك ستكون أكثر سعادة برؤيتي بعد كل هذه السنوات."

‏ارتجفت يد بير، وظهرت خلفه دوائر سحرية معقدة، تعبر عن استعداده للموت في سبيل القضاء على هذا الكيان. "لا أملك طالباً خان بني جنسه ووقف إلى جانب الشياطين،"

‏قال بير بصوت متهدج من الألم والغضب. "أنت ميت بالنسبة لي منذ اللحظة التي اخترت فيها الانضمام لتلك الوحوش."

‏ضحك كريس ضحكة مريرة، وانبعثت من جسده هالة بنفسجية مظلمة بدأت تآكل العشب من حوله. "أستاذ بير.. لولا حماقتكم، ولولا فساد قلوبكم، لما وقفتُ يوماً في الجانب المعادي لكم. انتم أيها البشر.. انتم هم الشياطين الحقيقية!"

‏خطا كريس خطوة نحو الأستاذ بير، ونظراته تزداد شراسة: "تأكلون بني جنسكم من دون تردد فقط من أجل مصالحكم الخاصة، وتقتلون الموهوبين خوفاً من قوتهم. هل تعلم أيها الأستاذ بير.. طوال السنوات الخمس التي قضيتها في جانب الشياطين، "

‏"لم أرهم أبداً يقتلون بعضهم البعض من أجل منصب أو ذهب. كانوا يعيشون على قانون واحد بسيط وواضح: الضعيف يحترم القوي، والقوي يقود الضعيف. لم يفكّروا يوماً في الغدر بإخوتهم كما فعلتم بي وبأهلي."

‏ساد الصمت الغابة، ولم يقطع هدوء الليل سوى طنين الدوائر السحرية لبير وفحيح مانا كريس المظلمة. نظر بير إلى طالبه السابق بحزن عميق،

‏مدركاً أن الفتى الذي كان يوماً يلمع بالأمل قد انطفأ تماماً، ليحل محله وحشٌ صنعته يد البشر أنفسهم.

‏---

2026/03/28 · 14 مشاهدة · 714 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026