‏انفجرت الغابة المحيطة بالأكاديمية بهزة أرضية عنيفة، لم تكن زلزالاً طبيعياً، بل كانت نتيجة ضغط المانا الهائل الذي أطلقه الأستاذ بير. لم يعد ذلك الرجل الهادئ صاحب النظرات الرزينة؛ بل تحول إلى كتلة من الغضب

‏المتجسد. ارتفعت من خلفه دوائر سحرية زرقاء معقدة، تداخلت بداخلها رموز "عنصر النار" المقدسة، لتضيء ليل الأكاديمية بنورٍ كاد يحول الليل إلى نهار.

‏"سأحرق الخطيئة التي سكنت روحك يا كريس!" صرخ بير، وبحركة واحدة من يده، انطلقت مئات المقذوفات النارية من الدوائر السحرية، كانت تبدو كسهام من الحمم البركانية التي تلاحق كريس بدقة متناهية.

‏تحرك كريس برشاقة شيطانية، كان ينساب بين الأشجار كخيالٍ لا يمسك. تلاشت حركاته البشرية ليحل محلها خطوط من ظلام المتسارعة. كان يصد بعض السهام بيده العارية المغلفة بمانا بنفسجية كثيفة،

‏بينما يتجنب الأخرى بمليمترات قليلة، تاركاً النيران تلتهم الأشجار خلفه لتحولها إلى رماد في ثوانٍ.وبحركة دائرية عنيفة، أطلق هالة بنفسجية ساحقة شقت الأرض في طريقها نحو بير.

كانت الهالة تحمل ثقلاً مرعباً، كأنها قطعة من الهاوية زُج بها في عالم البشر.

‏لم يتراجع بير؛ بل شكل درعاً سحرياً سداسياً من طبقات المانا المكثفة. اصطدمت الهالة البنفسجية بالدرع الأزرق ليحدث انفجارٌ صوتي حطم زجاج النوافذ في المباني القريبة للأكاديمية.

وسط الغبار والشرار المتطاير، رسم بير دائرة سحرية سريعة بإصبعه في الهواء، ثم أشار نحو الأرض تحت قدمي كريس مباشرة.

‏"انفجار القاع!"

‏انفجرت الأرض تحت كريس بنافورات من النار المنصهرة. لم يتوقع كريس سرعة إلقاء التعويذة، فرفع يده المغطى بهالة بنفسجية ليصد الانفجار بصعوبة بالغة.

قُذف جسده في الهواء، وبينما كان يحاول استعادة توازنه وسط ضباب الدخان الكثيف، برقت عينا بير بضوءٍ قاتل

‏ما إن انقشع الضباب قليلاً، حتى وجد كريس أمامه كرة سحرية تتجه نحوه بسرعة البرق. لم يكن لديه وقت للمناورة، فجمع كل ذرة من ظلامه البنفسجي وشكل درع دائري مظلم أمام وجهه مباشرة كدرعٍ أخير.

‏اصطدمت الكرة الحارقة بالدرع المظلم، ليتولد صراعُ إراداتٍ مرعب؛ الدوائر السحرية تحاول الإحراق، والظلام يحاول الابتلاع. كانت أسنان كريس تصرّ بقوة، وعيناه

الحمراوان تشعان بتحدٍ سافر. كان يركز مانا الظلام لا للقتال فحسب، بل لخلق "ثغرة" في محيط المعركة تسمح له بالهروب قبل أن يتم حصاره بالكامل.

‏استمر القتال لدقائق بدت وكأنها ساعات من الجحيم. بير يلقي الدوائر السحرية بتتابعٍ مذهل، مركزاً كل خبرته القتالية على شل حركة كريس،

‏بينما كان كريس ينسج ظلامه كشبكةٍ محكمة، تجمع بين الدفاع المستميت والهجوم المباغت، كان يستغل دويّ كل انفجار ليقضم مسافةً إضافية نحو أطراف الغابة خارج نطاق الأكاديمية

وسط ساحةٍ تعجّ بشرارات "المانا" الزرقاء والبنفسجية المتصادمة، اندفع كريس ملقياً بثقله في ضربةٍ مغطى بهالة بنفسجية خاطفة استهدفت وجه بير.

‏ ‏ببراعةٍ فطرية، أمال بير رأسه ليمر الهجوم بمحاذاته، وفي كسرٍ من الثانية، رسم في الهواء دائرة سحرية انبثق منها شعاعٌ هائل كأنه نيزكٌ خارق للسموات. ‏ ‏ارتدّ كريس بسرعة فائقة، مستنفداً كل ذرة سرعة في جسده ليتجنب الموت المحقق. توقف وهو يلهث بابتسامةٍ واثقة، وقال بنبرة متهكمة: "كان ذلك وشيكاً يا أستاذ بير.. هل تنوي قتلي حقاً؟" ‏ ‏رمق بير خصمه بنظرةٍ باردة خالية من المشاعر، وكأن قدر كريس قد حُسم بالفعل، ثم قال بصوتٍ هادئ ورزين: "كريس، لن تغادر هذه الغابة حياً.. سلم نفسك الآن، وأعدك أنني سأحقن دمك". ‏ ‏تلاشت ملامح الترقب عن وجه كريس، لتحل محلها ابتسامة ساخرة تحمل مزيجاً من الازدراء والاشمئزاز، ثم ردّ بنبرةٍ تماثل برود أستاذه: ‏ "أستاذ بير.. ما رأيك أن تتنحى عن طريقي بسلام؟ وأعدك أنا أيضاً.. أنك لن تموت في المستقبل"

‏وفجأة، تجمد الهواء من حولهم

‏انخفضت درجة الحرارة في المكان إلى ما دون الصفر في أجزاء من الثانية. النيران التي كانت تشتعل في الأشجار القريبة تجمدت وهي في منتصف لهيبها،

‏والهالة البنفسجية التي كانت تخرج من جسد كريس تكسرت كأنها زجاجٌ هش.

‏من فوقهم، وفي سماء الغابة المظلمة، ظهرت قامةٌ مهيبة يحيط بها وقارٌ باردٌ كالموت. كانت المديرة سيليا تقف في الهواء، فستانها الطويل يتحرك ببطء رغم انعدام الرياح،

‏وهالتها الجليدية غطت المكان بالكامل، مما جعل مانا بير وكريس تخمد قسراً أمام برود هالتها

‏نظرت سيليا للأسفل بعينين باردتين كقطبين متجمدين، وقالت بنبرة هادئة لكنها هزت أعماق كريس وبير معاً:

‏"أستاذ بير.. هل تفسر لي لماذا تحول حرم الأكاديمية إلى ساحة حربٍ مع شيطانٍ مألوف؟"

‏توقف كريس عن الحركة، وابتسامة ساخرة بدأت ترتسم على شفتيه الداميتين رغم الضغط الجليدي. كان يعلم أن ظهور "ملكة الجليد" يعني أن اللعب في الظل قد انتهى، وأن المواجهة الكبرى قد بدأت للتو.

‏---

2026/03/29 · 20 مشاهدة · 715 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026