تجمدت الأرض من حولها في اللحظة التي وطأت فيها قدما **سيليا** أرض المعركة. لم يكن مجرد ظهور لساحرة قوية، بل كان إعلاناً عن سيادة القطب المتجمد على هذه الساحة المشتعلة.
كانت هالتها الجليدية ثقيلة، تضغط على الصدور كأنها جبل من الرخام الشفاف، محولةً هواء الليل الرطب إلى كريستالات ثلجية حادة، ظلت معلقة في الهواء كأنها نيازك مجهرية تنتظر الإشارة لتفتك بكل ما يقع تحتها.
كل ذرة أكسجين في المحيط استسلمت لبرودتها، حتى أن الأنفاس كانت تخرج من الصدور كأنها شظايا زجاجية تجرح الحناجر.
نظر كريس للأعلى، كانت رقبته تتصلب ببطء، وشعر بلسعة البرد تخترق مانا الظلام الخاصة به، تلك المانا التي كان يظنها منيعه
البرد لم يكن يهاجم جسده فحسب، بل كان يهاجم "مفهوم" الظلام نفسه، يبطئ حركته الجزيئية، ويجعل الدخان الأسود يترسب كرماد بارد لا حياة فيه.
كانت مانا سيليا تنساب كالسم في عروق الفراغ، محولةً كل حركة إلى عبء ثقيل.
"تباً..!" زمجر كريس بصوت محتقن، خرجت الكلمة كأنها قطعة من الجليد تنكسر داخل حنجرته. شعر بالخناق يضيق، وبأن موته قد كُتب بخطوط جليدية على جدران هذه الغابة.
لم يعد الأمر قتالاً عادياً مع الأستاذ بير، بل أصبح صراعاً يائساً من أجل البقاء ضد "وحش" برتبة **+SS**. وبحركة نابعة من غريزة البقاء النقية،
قرر المقامرة بكل ما يملك من المانا داخل جسده. فجر طاقة مفرطة من صدره، طاقة لم تكن تنتمي لسحره المعتاد، بل كانت نبضاً من أعماق كيانه المظلم.
خرج من جسده ظلامٌ كثيف ومفاجئ، لم يكن دخاناً أو ظلاً عابراً، بل كان كتلة هلامية سوداء، سائلة كالقطران وعميقة كأعماق المحيط السحيق. انطلقت هذه المادة في كل اتجاه، محيطةً بالساحة بأكملها في ثوانٍ معدودة. كان هذا "سجن العدم"،
غلاف عاتم يحجب الرؤية، ويقتل الحواس، ويجعل الصوت يضيع في دوامة من الصمت المطبق الذي يسبق الموت. غلفت هذه العتمة الأستاذ بير وسيليا، محولةً الساحة إلى فراغ لا نهائي لا تدركه الأبصار.
وسط هذه العتمة المطلقة، وقف **الأستاذ بير** مشلولاً. كانت عيناه تحاولان اختراق السواد، لكن عقله كان مشغولاً بصورة أخرى؛
صورة كريس حين كان طالباً واعداً بابتسامة غامضة. شعر بير بطعنة في قلبه أشد برودة من سحر سيليا. ' هل أخطأتُ في تقديره؟ أم أنني كنت أربي وحشاً في حجري طوال الوقت؟ '
كان الندم يتآكل داخل روحه وهو يرى تلميذه يغرق في سحر محرم لا رجعة منه.
أما سيليا، فقد وقفت كتمثال من الألماس المصقول. لم يرف لها جفن، ولم تشعر بذرة من القلق الذي يعتري البشر العاديين. كانت تسمع دقات قلب كريس المتسارعة على بعد أمتار،
وتستشعر اهتزازات خوفه رغم الظلام الدامس. رفعت يدها اليمنى ببطء شديد، وانبعث من أناملها ضوء أزرق باهت، لكنه كان مركزاً لدرجة أنه شق الظلام كإبرة من النور المطلق.
"هل تظن حقاً أن الظلام يمكنه حجب الجليد خاصتي؟" قالت سيليا، وصوتها يتردد في الفراغ كتحطم الزجاج على أرض رخامية.
"الظلام هو مجرد غياب للنور، مجرد فراغ ينتظر من يملأه.. لكن الجليد.. الجليد هو سكون المادة المطلق، هو النهاية الحتمية لكل حركة."
وفجأة، ودون سابق إنذار، انتشرت موجة تجميد من جسدها. لم يكن مجرد انخفاض في الحرارة، بل كان "تجميداً للمفهوم" الفيزيائي. تجمد الهواء، ثم تجمدت ذرات مانا الظلام الهلامية نفسها! تحول الدخان الأسود المحيط بها إلى كتل صلبة من الثلج الأسود المشوه،
اتخذت أشكالاً مرعبة كأنها صرخات متجمدة في الزمان. بفرقعة بسيطة من أصابعها، تكسر ذلك الثلج الأسود وتناثر كغبار كوني لامع تحت ضوء القمر الذي بدأ يتسلل مجدداً،
كاشفاً عن كريس الذي كان يحاول الزحف بعيداً، مستغلاً كل ثانية ظن أنها ستعطلها.
اتسعت عينا كريس بذهول تملكه الرعب: "تباً.. حتى ظلامي؟ كيف يمكن لانفجار المانا أن يتجمد؟ أي نوع من الوحوش أنتِ؟"
لم تمنحه سيليا وقتاً للبحث عن إجابات. في رمشة عين، تلاشت من مكانها مخلفةً وراءها ذرات من الصقيع، لتظهر أمام وجهه مباشرة.
كان وجهها جميلاً وقاتلاً، وعيناها تشعان ببرودة لا تنتمي لعالم الأحياء. لمست كتفه الأيمن بسبابتها برقة، وكأنها تسم تلميذاً بالفشل.
في لمحة بصر، انتشر الجليد. لم يكن تجميداً سطحياً، بل كان يلتهم الأنسجة، العضلات، والأعصاب، محولاً الدم الجاري إلى كريستالات صلبة تمزق الأوعية من الداخل. انتشر اللون الأزرق الشاحب ليلتهم نصف جسده الأيمن بالكامل،
محولاً لحمه وعظمه ومانا الظلام المتدفقة فيه إلى قطعة رخام زرقاء باردة وشفافة. حاول كريس التراجع، لكن نصف جسده كان قد شُلَّ تماماً، أصبح ثقيلاً كالجبل، يسحبه نحو الأرض بقوة الجاذبية والبرد المنهك.
في تلك اللحظة، وصل كريس إلى حافة الجنون المطلق. أدرك أن سيليا لا تريد قتله فوراً، بل تريد تحويله إلى تمثال حي للاستجواب والتعذيب. استل سيف من خاتم التخزين بسرعة وضع السيف على يده اليسرى التي كانت لا تزال ترتعش من البرد،
وبصرخة مكتومة نابعة من قاع جحيمه الخاص، قام بفعلٍ جعل حتى سيليا تشعر بالقشعريرة لأول مرة في حياتها.
بضربة سيف واحدة، قاطعة وحاسمة، قام بقطع نصف جسده الأيمن المتجمد بالكامل! سقطت القطعة الجليدية، التي كانت قبل ثوانٍ جزءاً نابضاً من كيانه،
على الأرض وتحطمت إلى آلاف القطع الصغيرة التي رنت كالجرس. تراجع كريس عدة أمتار وهو يترنح، لم يخرج منه دم أحمر، بل نزف مادة سوداء لزجة تتلوى كالأفاعي الجائعة.
تحت أنظار سيليا المصدومة، وبير الذي كاد ان يصرخ على كريس من هول المشهد، بدأت تلك الأنسجة المظلمة تتلوى وتنمو بسرعة مرعبة. كانت العظام تتشكل من العدم،
واللحم الأسود ينسج نفسه فوق بعضه البعض كخيوط عنكبوت شيطاني. أعاد بناء جسده في ثوانٍ، لكن الثمن كان واضحاً في شحوب وجهه الذي صار كبياض الكفن، وعينيه اللتين فقدتا بريقهما البشري.
"انفجار الظلام الأبدي!" صرخ كريس بكل ما تبقى في رئتيه من هواء، موجهاً يده الجديدة التي كانت لا تزال تقطر سواداً نحو السماء.
تشكلت فوقه كرة ضخمة من الطاقة السوداء، ملتهبة بنار بنفسجية غريبة، تطلق أزيراً يمزق الأذان ويهز أركان الغابة. انقضت الكرة نحو سيليا كأنها نجمٌ ساقط من جحيم منسي، محملة بكل حقد كريس ويأسه وانكساره.
نظرت سيليا إلى النيزك القادم ببرود تام، لم تتزحزح من مكانها قيد أنملة. كانت تثق بسحرها كأنها تثق بدوران الأرض.
رفعت كلتا يديها ورسمت قوساً في الهواء، وكأنها ترسم حدود مملكتها الخاصة التي لا يدخلها عدو. "جمود مطلق."
بلمسة سحرية رقيقة، توقف النيزك العملاق في الهواء على بعد سنتيمترات من وجهها. تغلغل الجليد في أعماق تلك الطاقة الملتهبة، امتص حرارتها وجمد نيرانها البنفسجية،
حتى تحول النيزك المهيب إلى صخرة ثلجية ميتة، سقطت لتتحطم ذليلة عند قدميها، منطفئة الأثر والقوة.
استغل كريس هذه الثواني، لينطلق بأقصى سرعة لديه نحو أسوار الأكاديمية الخارجية. كان يركض وهو يشعر برئتيه تشتعلان بنار الظلام،
ظاناً أنه قد أفلت أخيراً من قبضة الموت. لكن، وبمجرد أن قفز فوق السور العالي، واجهه ظلٌ طويل ونحيل، ظلٌ ينضح برائحة الطبيعة والرياح العاتية.
كان رجلاً بأذنين مدببتين وشعر أصفر فاتح يلمع تحت ضوء القمر كخيوط الذهب الخالص. كان **مايكرو**، أستاذ السنة الثانية ونخبة الإلف برتبة **+S**.
لم يكن مايكر يحتاج لسيف أو أي سلاح اخر، بل كانت الرياح من حوله تطيع أوامره كأنها خدم مطيعون، وكان ينظر إلى كريس بتقزز واشمئزاز واضحين؛ فالإلف يقدسون الحياة، وما رآه من كريس كان تدنيساً خالصاً للطبيعة.
"إلى أين تذهب بهذه العجلة يا فتى؟ السهر ليس جيداً للطلاب، خاصة من هم في مثل حالتك المزرية." قال مايكرو بصوت يحمل نبرة من التعالي العرقي والسحري. وبحركة بسيطة من كفه،
استدعى عاصفة رياح مركزة، صدمت صدر كريس بقوة هائلة، حطمت جسده الذي كان يشع بهالة مظلمه وقذفته عشرات الأمتار للخلف،
ليعود ويسقط في منتصف الساحة، تماماً حيث كانت سيليا تنتظره ببرودها القاتل.
انقضت عليه سيليا قبل أن يتمكن من التقاط أنفاسه المقطوعة. وبضربة قوية من كفها المشبع بالمانا، غرزت جسده في الأرض الرخامية التي تشققت تحت ثقله كأنها ورق يابس.
امتد الجليد فوراً من يدها ليقيد جسده بالكامل، محولاً إياه إلى شرنقة جليدية صلبة، لم تترك منه سوى رأسه حراً ليتمكن من التنفس والكلام، أو ربما ليرى نهايته الوشيكة.
ابتسمت ببرود مخيف وقالت: "أمسكتُ بك أيها الخائن. والآن، ستخبرني بكل شيء.. من حركك؟ ومن علمك هذا السحر المحرم الذي يرفضه حتى الموت؟"
ضحك كريس بجنون، كانت ضحكته ممزوجة بالسعال والدماء السوداء التي تسيل من زاوية فمه، تلوث بياض الجليد المحيط به.
"تباً.. لماذا جميعكم غير نائمين الآن؟ ألا تعلمون أنها منتصف الليل؟ النوم مفيد للصحة والجمال يا رفاق.. انظروا إلى الهالات السوداء تحت أعينكم، سحركم لن يخفيها للأبد."
لم تبتسم سيليا، بل زادت قسوة ملامحها، وكأن كلماته كانت وقوداً لغضبها البارد. وضعت يدها فوق رأسه، وبدأت بتجميد جسده من الداخل ببطء شديد،
مستهدفةً الأعصاب الحسية لتجعل الألم يتضاعف آلاف المرات في كل خلية. "هل تظن حقاً أنك في وضع يسمح لك بإطلاق النكات؟"
استمر كريس في الابتسام رغم الألم الذي جعل ملامحه تتشنج وتتقبض كأنها قناع ممزق. "لا بصراحة.. ولكن كنت أظنها مضحكة.. ها.. ها.. ها.."
ثم بسرعة تلاشت ضحكته لتتحول إلى صرخة ألم مزقت سكون الليل، صرخة جعلت الغابة القريبة بأكملها تصمت رعباً.
ولكن فجأة، اختفى شعور النصر من وجه سيليا، وحل مكانه رعبٌ لم تختبره منذ عقود. لم يكن كريس هو من تغير، بل الظلام من حولها.
شعرت ببرودة مختلفة تماماً خلف ظهرها، برودة لا علاقة لها بعنصر الجليد. كانت برودة فارغة، خالية من أي نبض، تنتمي للموت المطلق والعدم الخالص.
شعرت بهالة مظلمة جعلت كل شعرة في جسدها تقف رعباً، هالة جعلت مانا الرتبة **+SS** الخاصة بها تبدو كشعلة شمعة تائهة في مهب إعصار أسود. التفتت ببطء شديد، لتشاهد كائناً يقف خلفها مباشرة، كائناً لم يسجل التاريخ له شبيهاً.
لم يكن بشراً، ولم يكن شيطاناً مألوفاً. كان جسده شبه شفاف، كأنه دخان أسود متجسد، يملك شقاً مخيفاً في مكان الفم وعينين فارغتين تشعان بضوء باهت ومخيف. كان وجوده يمحو كل شيء من حوله،
وكأن المكان أصبح ثقباً أسود يبتلع كل شيء. حتى مايكرو، الإلف المغرور، شعر بركبتيه ترتعدان، فقد كانت مانا هذا الكائن تفوق أي شيء رآه في حياته الطويلة.
وضع الكائن المظلم يده "الباردة" على كتف سيليا، وارتسمت على وجهه ابتسامة مرعبة وسعت ذلك الشق في وجهه.
قال بصوت يبدو وكأنه يأتي من أعماق بئر قديم أو صرخة محبوسة في قبر منذ آلاف السنين: "سيدتي الجميلة.. هل يمكنكِ الابتعاد عن خادمي؟ حضوره مطلوب في مكان آخر."
انتفضت سيليا، مدفوعةً بغريزة البقاء الخام، وفجرت كتلة هائلة من الرماح الجليدية من الأرض باتجاه ذلك الظل. لكن في رمشة عين،
اختفى الظل كأنه لم يكن موجوداً من الأساس. ظهر فجأة بجانب كريس الملقى على الأرض، وبسرعة تفوق قدرة الإدراك البشري، مد يده داخل سجن الجليد.
سحب كريس من داخل شرنقة الجليد الصلبة، وكأن الجليد كان مجرد بخار أو سراب. لم يكسر الجليد، بل تغلغل عبره كأنه غير موجود.
وفي ثانية واحدة، غاص الاثنان في باطن الأرض، تاركين خلفهما فراغاً صامتاً وحفرة من العدم لا قاع لها.
بقيت سيليا، ومايكرو، وبير في حالة من الذهول والرعب الصامت. لم يكن الأمر مجرد هروب طالب، بل كان إعلاناً عن ظهور قوة قديمة أشد فتكاً من الجليد وأعمق من الظلام، قوة تجعل رتبة **+SS** تبدو كمجرد مزحة في وجه القدر الحقيقي.
وسط ذهول الصمت الذي أعقب اختفاء كريس، كسر مايكر الجمود بتقدمه نحو سيليا وبير. قال بصوت يملؤه الحذر: "سيدة سيليا، ما واجهناه لم يكن إلا تجسيداً من ظلام هذه الشخص يعلم أن الأكاديمية محمية بالكامل لذالك لم يستطع الحضور بجسده الكامل الى هنا ".
التفتت سيليا إليه، وهزت رأسها ببطء كمن يستوعب كارثة وشيكة، ثم قالت بنبرة باردة كالصقيع:
"ذلك الشيء هو أحد الحراس الخمسة لملك الشياطين سيد الظلام الأبدي.. سيفر."
وقع الاسم كالصاعقة على مسامعهم؛ فذكر أحد حراس ملك الشياطين الخمسه هنا يعني أن الحرب التي ظنوا أنها دُفنت في كتب التاريخ، قد بدأت تطرق أبواب هذه العالم من جديد.