في تلك البقعة النائية والقاحلة من الجانب الآخر من قارة استريا وسط أحده الغابات البعيده حيث تتشابك جذور الأشجار الضخمة كأنها عروق بارزة لأرض تحتضر، انشقت التربة السوداء بصوت مكتوم.
خرج كريس والكيان المظلم من باطن الأرض كأنهما طيفان مبعوثان من عالم الأموات. سقط كريس على ركبتيه فوراً، وارتطم جسده بالأرض الصلبة، بينما كان يرتجف بعنف يخرج عن سيطرته.
كان جلده شاحباً كبياض الكفن، ولم يكن ذلك بسبب الخوف، بل بسبب "برد سيليا" الذي لم يكن مجرد سحر ثلجي سطحي؛ لقد كان صقيعاً "مفاهيمياً" تسلل إلى جوهر مانا الظلام في جسده.
شعر كريس بكل ذرة مانا في عروقه وهي تتباطأ، كأن دمه تحول إلى قطع صغيرة من الزجاج المكسور التي تجرح جدران أوعيته الدموية مع كل نبضة قلب. حاول استجماع قواه،
لكن البرد كان يقبع في نخاع عظامة، يذكره في كل ثانية بمدى الفجوة بينه وبين رتبة **+SS**.
وقف الكائن المظلم أمامه، جسده الشبه شفاف يتراقص بغموض كدخان أسود في مهب ريح مجهولة. لم يكن يملك ثقلاً في هذا العالم المادي، بل كان مجرد "تجسيد" لوعي بعيد وجبار.
نظر الكيان إلى كريس بعينيه الخاويتين اللتين تشعان بضوء باهت يمتص النور المحيط، وخرج صوته كفحيح الأفاعي في مغارة مهجورة:
"يجب عليك العودة للقائي بسرعة يا كريس.. هذا التجسد ضعيف، ولا يمكنني البقاء هنا طويلاً دون أن تكتشف الأكاديمية وجودي الحقيقي. لقد استهلكتُ قدراً هائلاً من جوهر طاقتي لسحبك من سجن الجليد والهروب من هناك ."
رغم الألم الفظيع الذي كان يمزق أحشاءه، انحنى كريس بنصف ركوع، واضعاً يده المرتجفة على صدره علامة الولاء المطلق.
"حاضر.. سيدي،" همس بصوت متهدج. "سأستجمع قواي وأتجه إلى البوابة.. لن يتكرر هذا الضعف مجدداً." هز الكيان رأسه ببطء، ثم تلاشت معالمه كأنه حبر ذاب في الماء، تاركاً كريس وحيداً مع صقيع سيليا ورائحة الكبريت الثقيلة.
---
في صباح اليوم التالي، أشرقت الشمس باهتة وخجولة خلف سحب رمادية كثيفة. في ساحة التدريب الكبرى، كان الهواء مشبعاً برائحة العرق والبارود السحري. تجمع الطلاب في مجموعات،
لكن ثمة فجوة واضحة كانت تحيط بـ **ليوين**. الكراهية التي يكنونها له لم تكن مجرد شعور عابر، بل كانت جداراً من العزلة جعل منه منبوذاً حقيقياً.
تقدم الأستاذ **فارون** إلى منتصف الساحة، بجسده الضخم وهو يمسك سيف من الخشب . مسحت عيناه الحادتان وجوه الطلاب،
وتوقفت عند ليوين الذي كان يقف بهدوء مستفز، يداه في جيوبه وعيناه غارقتان في فراغ لا يراه أحد غيره.
تقدم الأستاذ فارون إلى ليوين غرز سيفه الخشبي في الأرض الرخامية لثانية قبل أن يرفعه بيد واحدة كأنه ريشة. وقف بجسده الضخم، فاتحاً ثغرات متعمدة في وضعيتة، ونظر إلى ليوين بهدوء مرعب. "ليوين كل عاده سوف اكون خصمك تقدم بخناجرك.. أيضا اليوم لن أهاجم، سأكتفي بالوقوف في مكاني. أرني ما تعلمته طوال الأشهر هنا "
استقر ليوين في وضعية منخفضة، قبضتاه تشدان على خنجريه الخشبيين حتى ابيضت مفاصله. انطلق كالسهم، محاولاً استغلال سرعته لالتفاف حول خاصرة فارون.
وبحركة خاطفة، وجه طعنة مزدوجة نحو العضلات الوربية، لكن فارون، ودون أن يحرك قدميه، أمال سيفه مليمترات فقط.
طاخ!
ارتطم الخنجر الخشبي بجسم السيف العريض، وشعر ليوين بصدمة ارتدادية سريت في معصمه كتيار كهربائي.
"تسرعت،" قال فارون بصوت أجش وهادئ.
"قبضتك مشدودة أكثر من اللازم، وهذا يقتل مرونة حركتك. الطعنة كانت مكشوفة قبل أن تبدأ."
لم يرد ليوين؛ تراجع خطوة ثم اندفع مجدداً بسلسلة من الهجمات المتلاحقة. كانت خناجره ترسم دوائر سوداء في الهواء، تستهدف الرقبة،
الأوتار، وتحت الإبط. وفي كل مرة، كان سيف فارون يتواجد في المكان الصحيح بالوقت الصحيح، بحد أدنى من الحركة. كان فارون يصد الضربات ببرود مستفز، وكأنه يهش ذبابة مزعجة.
"زواياك مكررة يا فتى،" علّق فارون وهو يصد ضربة علوية بيده الأخرى (المقبض). "تعتمد على سرعة يديك وتنسى أن القوة تبدأ من قدميك. توازنك يختل عند الهجمة الثالثة دائماً."
استشاط ليوين غضباً مكتوماً بسبب فارق المستوى الكبير، وبدأ ينهج بوضوح. العرق يتصبب على جبهته ويدخل في عينيه، لكنه رفض التوقف. قفز في الهواء، مؤدياً دوراناً بهلوانياً ليضرب بخنجريه من زاويتين مختلفتين في آن واحد.
بمنتهى البساطة، رفع فارون طرف سيفه للأعلى، ليرتطم ليوين بجدار خشبي صلب في منتصف الهواء. سقط ليوين على ركبتيه، ويداه ترتجفان بعنف من أثر الاصطدام بجسم ثابت لا يتزحزح.
"محاولة بائسة للفت الانتباه،" قال فارون بنبرة تعليمية قاسية. "في القتال الحقيقي، القفز يعني أنك فقدت السيطرة على حركتك القادمة. لقد كنت قتيلاً لو قررتُ غرس سيفي في صدرك الآن."
نهض ليوين بصعوبة، وصدره يعلو ويهبط بسرعة. حاول شن هجمة أخيرة، يائسة بكل ما تبقى من قوته البدنية، موجهاً خنجريه نحو فجوة تحت ذراع فارون.
لكن الأستاذ، وبمجرد "نفضة" بسيطة من كتفه، دفع ليوين للخلف بقوة جعلت الخناجر الخشبية تطير من يديه وتسقط بعيداً بصوت رنين خشبي جاف.
وقف ليوين يلهث، يداه متدليتان بجانبه وقد غطاهما الاحمرار والارهاق، بينما فارون لم تتغير نبرة صوته ولا حتى وتيرة تنفسه.
"عد إلى مكانك الان يا ليوين،" قال فارون وهو يغرس سيفه في الأرض مجدداً. "لديك المهارة، لكنك تفتقر للأساسيات التي تجعلك تصمد أمام محارب حقيقي. القوة ليست في سرعة الطعن، بل في معرفة متى لا تطعن لكنك تقدمت كثيرا وهذه جيد"
انسحب ليوين بصمت، يلملم خناجره والطلاب يراقبونه بنظرات شماتة مشوبة بالرهبة، فقد رأوا كيف أن "المنبوذ" بذل كل ما يملك فقط ليحرك سيف الأستاذ مليمترات قليلة.. وفشل.
---
بينما كان ليوين يجمع أغراضه في زاوية منعزلة من الساحة بعد انتهى التدريب بشكل كامل ظهر "آرثر" فجأة. لم يكن ظهوره عفوياً، بل كان متعمداً ومخططاً له. وقف آرثر بصلابة،
وهالته المشرقة التي اعتاد الجميع رؤيتها كانت مشوبة اليوم بنية قاتله. كان يمسك بمقبض سيفه بقوة جعلت مفاصل أصابعه تبيض.
"يجب أن نتكلم،" قال آرثر، وكان صوته جافاً كالورق المحترق، يحمل في طياته نبرة لم يعتد ليوين سماعها منه؛ نبرة تهديد صريح.
استدار ليوين ببطء، ونظر إلى آرثر من تحت خصلات شعره الأسود. "لا يوجد شيء للتكلم فيه معي يا آرثر. اذهب وكن بطلاً في مكان آخر،"
همّ ليوين بالانصراف، لكن آرثر تحرك بسرعة البرق ووضع يده القوية على كتف ليوين، ضاغطاً عليها لدرجة الألم.
"كلا.. لن تذهب إلى أي مكان. هناك الكثير من الأشياء التي يجب أن نتحدث فيها بجدية. أشياء تتعلق بما حدث في مدينة اوروك وبك انت تحديدا "
تنهد ليوين بضيق، وشعر بملل حقيقي يتسرب إلى روحه. "حسناً يا 'بطل'.. قد الطريق."
سارا معاً بصمت ثقيل نحو المنطقة الخلفية المهجورة خلف مباني الأكاديمية العالية، حيث تغطي الأعشاب الضارة الجدران المتآكلة، وحيث لا تصل أعين الجواسيس أو آذان الطلاب المتطفلين. توقف آرثر فجأة واستدار، ليواجه ليوين