وقف آرثر خلف مباني الأكاديمية المهجورة، والرياح الباردة تداعب خصلات شعره الأسود الفحمي الذي فقد بريقه المعتاد، لتبدو عيناه الزمرديتان أكثر عمقاً وحزناً وسط سواد شعره. لم يعد ذلك الشاب الذي يشع أملاً،
بل بدا وكأنه يحمل ثقل العالم فوق كتفيه. استدار نحو ليوين، وكانت عيناه غائرتين، تعكسان خريفاً نفسياً طويلاً.
"كنتَ على حق يا ليوين،" بدأ آرثر صوته منخفضاً ومهتزاً بخشونة لم تعهدها أذنا ليوين. "لقد كنا مجرد أطفال حمقى، نرى العالم بلونين فقط: "
"الأبيض والأسود. كنا نجهل قسوة هذه الحياة التي نعيشها. الوحوش، الشياطين.. بل وحتى البشر أنفسهم؛ "
"جميعهم يعيشون من أجل أنفسهم فقط. تلك القصص عن الأبطال الذين يضحون بحياتهم من أجل الآخرين؟ مجرد حكايات قبل النوم تُروى للأطفال لتنويم ضمائرهم."
صمت آرثر للحظة، ومرر يده ببطء في شعره الأسود الكثيف، وارتسمت على شفتيه ابتسامة مكسورة. "في مدينة أوروك.. كنتَ تراقبنا من فوق، أليس كذلك؟ لقد شاهدتني كيف أدرتُ ظهري لزملائي، وكيف كدتُ أجعلهم يلقون حتفهم من أجل ذلك الطفل.. ههه،"
" طفل! لم يكن حتى بشرياً، بل كان شيطاناً متنكراً. تركتُ أصدقائي يصرخون باسمي وسط الموت وذهبتُ لإنقاذ عدوي.. يا تُرى، ماذا كان يدور في ذهنك وأنت تراني افعل ذلك؟"
نظر ليوين إليه ببرود مطلق، عيناه السوداوان لم تحملا ذرة من التعاطف. "ماذا كنتُ أظن؟" قال ليوين بصوت جاف كالصحراء. "كنتُ أرى مجرد أحمق خائن، ترك زملائه في قلب الجحيم من أجل أمور تافهة مثل 'إنقاذ طفل'. لقد كنتَ تبيع حياة من يثقون بك مقابل شعور زائف بالرضا عن الذات."
لم يغضب آرثر، بل أومأ برأسه ببطء، وكأن كلمات ليوين كانت السوط الذي يحتاجه ليستفيق، وانسدلت خصلات من شعره الأسود على جبينه لتخفي جزءاً من عينيه الحزينتين.
"شكراً لك. عندما عدتُ من أوروك، كنتُ أفكر دائماً: من هو البطل الحقيقي؟ من هو الشخص الذي يستحق هذا اللقب؟ هل تعلم ماذا اكتشفت؟ اكتشفتُ أنه لا وجود للأبطال أساساً. الأبطال هم مجرد كائنات نتمناها في أحلامنا،"
" إما لنصبح مثلهم أو لنحتمي بظلهم، لكن في الحقيقة.. لا مكان لهم في هذا العالم القذر."
تغيرت نبرة آرثر فجأة، وأصبح صوته أكثر حِدّة. "الآن ليوين.. أريد أن أسألك بجدية. هل كنت تعرف كل شيء في مدينة أوروك؟ وجود ذلك الشيطان من رتبة +A حتى قبل ذهابنا"
" وموجة الوحوش المفاجئة.. هل كنتَ على علم بها حقاً؟"
تنهد ليوين بملل، وكأن السؤال تحصيل حاصل. "أجل، كنتُ أعلم بكل تفصيلة "
اتسعت عينا آرثر، واهتز جسده قليلاً، وانحنا رأسه إلى الأمام لتغطي وجهه خصلات من شعره الأسود. "إذن لماذا لم تحذرنا؟ لو أخبرتنا، لكان بإمكاننا الاستعداد، لكان بإمكاننا إنقاذ الكثيرين من الموت والإصابات!"
هنا، ارتسمت على وجه ليوين ابتسامة باردة، ابتسامة جعلت الهواء من حولهما يبدو أثقل. "ولماذا أحذركم؟ لو فعلتُ ذلك، لكانت خطتي قد تعطلت. لقد جعلتكم مجرد 'قطع شطرنج' ترقص على طاولتي الخاصة."
" كنتُ أنتظر ظهور شيطان البحر لكي تعيقه أنت قليلاً حتى أذهب أنا وأحصل على ما أريد.. وطبعاً، لقد أديتَ دورك بشكل رائع يا آرثر."
خطا ليوين خطوة نحو آرثر، ونبرة صوته تزداد استمتاعاً. "لقد قاومتَ بالقدر الكافي لإيقاف شيطان البحر، وأعطيتني الوقت اللازم للتسلل، والوقت الكافي لوصول الدعم للقضاء عليه. وهكذا، أصبحت الساحة فارغة لي تماماً للحصول على مرادي."
" وحالما انتهى كل شيء، خرجتُ وشاهدتُ وجوهكم.. في الواقع، كان أمراً رائعاً. مشاهدة عينيك المحطمتين، ومشاهدة 'ليا' وهي ترتجف من الخوف وتريد البكاء من أجلك، "
"ثم مايك و مايكل المدمرين تماماً.. كان الأمر ممتعاً للغاية. ها.. ها.. ها.. حتى كايزر المسكين، كان غضبه مسلياً جداً."
بينما كانت ضحكة ليوين الباردة تتردد في المكان، ساد صمتٌ مفاجئ، صمتٌ سبقه شعور بهالة غضب بركانية انفجرت من خلف الجدران المهجورة.
من خلف الظلال، خرج الجميع واحداً تلو الآخر. كانت **ليا** تقف ووجهها شاحب، وعيناها تفيضان بدموع كانت تنظر إلى ليوين وكأنها تراه لأول مرة
ارتجفت شفتاها وهي تهمس: "كيف استطعت؟.. كنا نثق بك.. كنا نظن أننا في فريق واحد. فقط لماذا فعلت ذالك"
وخلفها كان **كايزر**، الذي كانت قبضتاه تنزفان من شدة الضغط عليهما. كايزر الذي يفتخر دائماً بقوته وكبريائه
شعر الآن بضعف مهين؛ لقد تم التلاعب به كدمية خشبية. مانا البرق من حوله بدأت تضطرب، مسببة تشققات صغيرة في الرخام تحت قدميه.
"أيها اللعين هل كنت تستمتع وانت تشاهدنا؟" صرخ كايزر بصوت غليظ ومحتقن.
أما **مايكل**، فقد فقد هدوءه المعتاد بالكامل. عيناه تحولتا إلى بريق مجنون، بريق ينم عن رغبة عارمة في القتل لغسل عار الهزيمة النفسية.
كان يشعر أن ذكاءه الذي طالما تفاخر به قد سُحق تحت أقدام ليوين.
"أنت تعتقد أنك عبقري؟" قال مايكل بنبرة حادة كالنصل. "أنت مجرد طفيلي يعيش على جهود الآخرين.. سأقطع تلك الابتسامة عن وجهك!"
وأخيراً **مايك**، الذي كان جسده يرتجف من شدة الغضب المكتوم. مايك الذي طالما كان يفتخر بجسده وحي العداله خاصته وجد نفسه أمام الحقيقة المرة: العدالة وقوة جسده كانت مجرد أداة في يد ليوين. من أجل أخذ مايريدن
لم يرف ليوين جفن أمام هذه الهالات المشتعلة. بل على العكس، اتسعت ابتسامته الشيطانية وهو يرمقهم بنظرة ساخرة.
"أوه، يا له من تجمع مؤثر! لقد اكتملت لوحة الشطرنج أخيراً. هل جئتم لتنفيذ 'عدالة الأبطال'؟ "
"أم جئتم لتفريغ شعوركم بالدونية لأن طفلاً عامي وغريب مثل ليوين جعلكم تبدون كالأغبياء؟"
خطا ليوين خطوة أخرى نحوهم، غير مبالٍ بمانا الرياح والبرق والأرض التي بدأت تحاصره. "ليا.. لماذا تبكين؟ ألم تكن تلك الدموع هي ما جعلت آرثر يندفع كالأحمق لإنقاذ الجميع؟"
" لقد كنتِ وقوداً ممتازاً لدرامته البطولية. ومايك.. جروحك هي أوسمة على صدرك يجب أن تفتخر بها "
" ها ها ها لأنها أثبتت أن عضلاتك لا فائدة منها أمام عقل يعرف كيف يضعك في المكان المناسب لتموت بدلاً منه."
التفت ليوين نحو مايكل وكايزر ببرود: "أما أنتما.. فكنتما الأكثر إمتاعاً. مشاهدة قواكم وهجماتكم الساحقة وهي تنهار أمام موجة وحوش كان ذلك أفضل عرض كوميدي شاهدته في حياتي "
"هل تشعرون بالظلم؟ العالم لا يظلمكم.. العالم فقط يكشف لكم حقيقتكم: أنتم لستم أبطالاً، أنتم مجرد أدوات، ومهمة الأداة هي أن تُستخدم وتُلقى عندما ينتهي دورها."
استل آرثر سيفه ببطء، وهوه يشع بنور وهالة قاتله "كفى كلاماً يا ليوين. لقد انتهى وقت اللعب. سواء كنت قد تلاعبت بنا أم لا.. الحقيقة الوحيدة الآن هي أنك عدو"
ضحك ليوين ضحكة خرجت من أعماق صدره، ضحكة خالية من أي بريق بشري. "إذن، بدأتم تفهمون أخيراً! العدو.. الصديق.. البطل.. الوحش.. كلها كلمات لا معنى لها. القوة هي الحقيقة الوحيدة. في هذه العالم اللعين"
---