ساد صمتٌ جنائزي خلف مباني الأكاديمية المهجورة، صمتٌ لم يكن ناتجاً عن غياب الأصوات، بل عن ثقل المانا التي كانت تتصادم في الهواء كأمواجٍ غير مرئية. كانت الرياح الباردة تئن وهي تمر عبر الفراغات الحجرية،
تداعب خصلات شعر آرثر الأسود الفحمي الذي غطى جبينه، لتبرز من تحتها عينان زمرديتان فقدتا بريقهما المعتاد، وأصبحتا تعكسان قسوة رجلٍ رأى الجانب المظلم من الحقيقة.
رفع آرثر سيفه ببطء شديد، حركة بدت وكأنها تستغرق دهراً. وضع حد النصل البارد أمام وجه ليوين مباشرة، لدرجة أن ليوين كان يستطيع رؤية مسام المعدن وانعكاس عينيه السوداوين فيها. لم تكن يد آرثر ترتجف؛ لقد استبدل الطيب بيقينٍ مرير.
"ليوين.." نطق آرثر بكلمة واحدة، لكنها خرجت محملة ببرود قاتل، صوتٌ لم يعد ينتمي للفتى الذي كان يحلم بإنقاذ العالم.
"غادر الأكاديمية. لا يجب أن تكون هنا. هذا المكان بُني للأحلام، وأنت كابوسٌ يمشي على قدمين. وجودك هنا ليس مجرد خطأ، بل هو إهانة لكل من سفك دمه من أجل الجنس البشري."
لم يتراجع ليوين ميليمتراً واحداً. مال رأسه قليلاً بابتسامة ساخرة، ابتسامة لا تصل إلى عينيه المظلمتين، بل تظل معلقة على شفتيه كوشمٍ شيطاني. "ليست أنت من يقرر أين أكون أو أين أذهب يا آرثر،" قال ليوين بنبرة هادئة مستفزة،
نبرة تفتقر لأي ندم. "أنت تتحدث وكأنك تملك هذا العالم، بينما الحقيقة هي أنك لا تملك حتى السيطرة على مصيرك الذي رسمتُه لك بيدي في أوروك. "
"هل تظن أن حمل السيف في وجهي سيغير من حقيقة أنك كنت مجرد دمية رقصت على خيوطي؟"
اشتعلت نية قتل مرعبة من عيني آرثر، هالة بيضاء بدأت تتصاعد من جسده، مسببةً اضطراباً في الهواء جعل الحصى الصغير يهتز على الأرض. "لا يجب أن يوجد أمثالك في هذا المكان، هل فهمت؟" كرر آرثر بكلمات بطيئة كأنها مسامير تُدق في تابوت.
"أنت لوحة ملوثة في معرضٍ من الظلام. وجودك يفسد الهواء الذي نستنشقه. غادر.. قبل أن أضطر لتطهير هذا المكان بدمك، ليس انتقاماً، بل حمايةً لما تبقى من براءة في هذه الجدران."
خطا كايزر خطوة للأمام، وجسده يشع بالبرق، وعيناه تشتعلان بكرهٍ صريح لم يعد قادراً على كبته. "أجل،" زمجر كايزر بصوت غليظ اهتزت له الصدور. "أنت مجرد شيطان في هيئة إنسان. "
"وجودك هنا يثير حنقي، ويجعلني أشعر بالاشمئزاز من كوني طالباً في نفس المكان الذي تدنسه بخطواتك."
" هذه المكان لا يحتاج لشخص يرى فينا قطع شطرنج.. نحن نحتاج لبشرٍ يملكون قلوباً نستطيع الثقة بهم، وأنت تملك حجراً أسود في صدرك ينبض بالحسابات والخراب."
اتسعت ابتسامة ليوين، لكنها كانت ابتسامة خالية من المرح، مليئة بالاحتقار الصامت لكل هذه المثالية المنكسرة. لم يبذل جهداً للرد، فبالنسبة له، كانت كلماتهم مجرد ضجيجٍ صادر من أدواتٍ بدأت تدرك قيمتها الحقيقية.
استدار ليوين ببطء، معطياً ظهره للأبطال الخمسة، في حركة تعبر عن استهانة مطلقة بنواياهم.
لكن قبل أن يخطو خطوته الأولى، امتدت يد "مايك" القوية لتمسك بكتفه بضغطة قاسية كادت تحطم العظم. توقف ليوين، لكنه لم يلتفت، بل ظل يحدق في الفراغ أمامه.
"اسمع يا ليوين،" قال مايك بصوت منخفض، صوتٍ يحمل وعداً ثقيلاً كالدين الذي لا يُنسى. "ما حدث في أوروك.. ما فعلته بنا وبذلك الشيطان.. لن أنساه أبداً. قد لا أملك القوة الكافية لهزيمتك الآن، وقد أكون مجرد 'أحمق' في نظرك،"
" لكنني أعدك بشيء واحد: سأرد لك هذا الدين عشرة أضعاف في المستقبل."
نظر ليوين ببرود إلى اليد الضخمة المستقرة على كتفه، ثم وبحركة رشيقة وباردة، أبعد يد مايك عنه وكأنها مجرد قطعة قماش ملوثة. واصل سيره مبتعداً، دون أن يكلف نفسه عناء الالتفات.
صرخ مايكل خلفه بكرهٍ نابع من صدمة ذكائه المهان: "يا لك من كائن فظيع! كيف تستطيع العيش وأنت تنظر في المرآة؟ أنت لست بشرياً.. أنت مجرد فراغٍ أسود يبتلع كل ما هو جميل!"
انبعثت من مايك موجة من "مانا" مضطربة، واصطكت أسنانه وهو يهمس بصوتٍ خفيض يرتجف بنية قتلٍ صريحة: " سأبيده.. أقسم بفخري ودمائي التي سقطت في اوروك، سأقتله بيدي هاتين "
التفت كايزر إليه ببطء، وكانت عيناه خاويتين كبئرٍ عميق، ونطق بصوتٍ بارد يقطر كراهيةً تجمدت لها الأنفاس: " كلا يا مايك.. هذا اللعين مِلكي وحدي، ولن يجرؤ أحدٌ غيري على انتزاع روحه "
لم يعلق ليوين على كلامهم. سار في الممرات الطويلة للأكاديمية، حيث كانت المصابيح السحرية تومض بوهن، وكأنها تخشى حضوره. كانت الأصداء تلاحقه كأشباح الماضي، تهمس في أذنه بأسماءٍ نسيها أو حاول نسيانها.
دخل إلى غرفته الخاصة، تلك الغرفة التي كانت تفتقر للضوء عمداً، حيث يسكن الظلام في الزوايا كصديقٍ قديم لا يطرح الأسئلة. أغلق الباب خلفه، وجلس في وسط العتمة، يتنفس سكون المكان الذي يشبهه.
"هل شاهدتهم يا صديقي المظلم؟" همس ليوين في الفراغ، وصوته يتردد ببرود غريب في أرجاء الغرفة الصامتة. "لقد تغيروا. البشر كائنات تتغير بسرعة مذهلة، أليس كذلك؟ يكفي ضغطٌ واحد في المكان الصحيح، صدمة واحدة في الوقت المناسب، لينهار كل ما بنوه من قيم."
أغمض عينيه، واستحضر صورة وجوههم المحطمة في الساحة. "قد يكون الإنسان طيباً في فترة من حياته، يملؤه النور والإيمان بالعدالة.. ثم، عندما يصطدم بجدار الواقع القاسي، "
" يتغير. ينكسر شيء ما بداخله، ويصبح شخصاً آخر تماماً، شخصاً مختلفاً عما كان عليه في السابق...... تماماً مثل أبي."
توقف ليوين عن الكلام للحظة، وغاصت ذاكرته في بئرٍ قديم. تذكر وجه والده قبل تلك اللحظة الفارقة؛ كان يبتسم، كان يملك دفئاً في صوته.
ثم، في لمح البصر، تحول ذلك الدفء إلى شيء لا يرحم. "أبي.. عندما تغير وأصبح شخصاً مختلفاً بعد ذلك اليوم المشؤوم. أنا لا ألومه على كرهه لي، فبعد كل شيء.. أنا من قتلتُ حب حياته."
" أنا من سرقتُ منه الضوء الذي كان يرى به العالم. ومنذ ذلك الحين، علمتُ أن 'الحب' و'الطيب' هي مجرد قشور هشة، تسقط عند أول مأساة حقيقية بالطبع الأمر مختلف عنك وعن اخوتي. انتم مختلفون "
فتح ليوين عينيه في الظلام، وكان بؤبؤا عينيه يشعان ببريق غامض يعكس الفراغ الداخلي الذي يسكنه. "آرثر الذي كان يرى النور في كل مكان، أصبح الآن يرى القتل حلاً. مايك و ليا الذي كان يفتخرون بحمايتهم للضعفاء، أصبح يرى في وجودي نجاسة يجب تطهيرها. "
" لقد فقدوا براءتهم، ولم يعودوا تلك 'القطع' السهلة التي كنت أحركها. لقد أصبحوا أكثر حذراً.. وأكثر كراهية. لكن هذه الكراهية هي التي ستجعلهم أقوى في هذا العالم اللعين لاكن أنا لا اهتم بذالك "
ضحك ليوين ضحكة خفيفة ومكتومة، ضحكة تفتقر لأي رنين بشري، كأنها صوت تحطم الزجاج في مكانٍ ناءٍ. "لماذا البشر كائنات تتغير بسرعة هكذا؟ يظنون أنهم ينمون، بينما هم فقط يغرقون في أعماق الطبيعة البشرية المظلمة. يهربون من ألمٍ ليقعوا في ألم آخر ثم يغضبون،"
" ويسمون ذلك 'نضجاً'. هم لا يدركون أنهم ببساطة يتخلصون من أقنعتهم الجميلة ليظهر الوجه القبيح الذي يسكنهم منذ البداية الغضب هوه الشيء الوحيد الذي يخرج حقيقتهم ويكشف نفاقهم."
استند ليوين بظهره إلى الجدار الحجري البارد، وشعر بمانا الظلام تلتف حوله كشرنقة حانية. "فليتغيروا كما يشاءون.. فليصبحوا وحوشاً أو أبطالاً محطمين. ففي النهاية، كل الطرق تؤدي إلى نفس النهاية.. نهايتي أنا، حيث لن يبقى لا نور ولا ظلام اقسم اني سوف ابتلع هذه العالم فقط من أجل الفوز بذالك الرهان لعين ."
غاص ليوين أكثر في تأملاته، متذكراً كيف كان والده ينظر إليه قبل الحادثة، وكيف أصبحت نظراته بعد ذلك؛ نظرات كانت تخلو من الأبوة وتمتلئ بنوع من الرعب المقزز. كان يرى في ابنه القاتل،
والوحش، والذكرى المؤلمة التي لا تموت. "نحن لا نكره الآخرين يا أبي.. نحن نكره المرايا التي تذكرنا بفشلنا. آرثر والآخرون لا يكرهونني لأني 'شيطان'.. بل لأنني المرآة التي أرتهم كم هم ضعفاء وتافهون و كيف تم تلاعب بهم بسهولة."
ساد الصمت الغرفة مرة أخرى، صمتٌ أعمق من الموت، بينما كان ليوين غارقاً في بحرٍ من الذكريات والتوقعات.
خارج الغرفة، كانت ليا لا تزال تقف في الساحة، تشعر بأن الأرض تحت قدميها لم تعد ثابتة. كانت الصدمة تعتصر قلبها؛ فكيف يمكن لشخصٍ تعاملوا معه كزميل أن يحمل كل هذا المكر؟ كانت تتساءل في سرها:
"هل كانت كل ابتسامة عابرة، وكل كلمة صمت، جزءاً من فخ؟". أما مايكل، فقد عاد إلى غرفته وبدأ في تحطيم أثاثه، غاضباً من عجزه عن كشف خطة ليوين.
أما آرثر، فقد بقي وحيداً في الغابة لبعض الوقت، يحدق في سيفه. "لقد مات آرثر القديم في أوروك،" همس لنفسه. "وليوين هو من دفنه." لقد أدرك أن العالم يتطلب قسوة لم يكن يملكها، وأن ليوين كان المعلم الأكثر قسوة الذي مر بحياته.
ليوين في غرفته، كان يراقب خيوط المانا الظلامية وهي تتراقص أمامه. "تغيروا.. اصبحوا أقوى.. انا لا اهتم بذالك لاني انا من سوف يفوز ببطولة نهاية هذه العام "