في قعر الهاوية، حيث لا يجرؤ الضوء على النفاذ، كانت تقع القاعة الكبرى لأحد الحراس الخمسه، "سيفر". لم تكن القاعة مجرد بناء، بل كانت تجويفاً حياً ينبض بمانا الظلام الفاسدة. الجدران كانت مغطاة بمادة لزجة تشبه القطران،
تفرز بخاراً بارداً يمتص الحرارة من أي جسد يقترب منها. الصمت هناك كان مرعباً، لا يقطعه سوى صوت تقطر المانا السوداء من السقف المرتفع الذي غاب في العتمة.
كان **سيفر** يجلس على عرشه العظيم. لم يكن جسده بشرياً بالمعنى التقليدي؛ كان كتلة من الظلام المركز الذي يبدو وكأنه يبتلع ذرات الهواء من حوله. طوله الفارع وقرناه اللذان يمتدان كأنهما أغصان شجرة محترقة يمنحانه هيبة إله شياطين سقط من السماء.
عيناه الحمراوان، الخاليتان من البياض، كانت تلمعان بضوء دموي خافت يراقب كل حركة في القاعة ببرود قمة SS+ على بعد خطوة واحده لدخول المستوى الذي يجعله يقف مع ملك الشياطين ليكون ذراعة اليمنى
بجانبه، كان يقف ذراعه اليمنى، **بفر**. كان بفر تجسيداً للقوة الخام؛ جسده مصفح بحراشف معدنية رمادية نبتت من جلده مباشرة، ووجهه مخفي خلف قناع حديدي مرعب لا يظهر منه سوى عينين خضراوين تشعان بنية قتل
كان يمسك بفأس "قاطع الروح"، وهو سلاح ضخم ينضح بهالة قريبة من هالة كريس، مما يجعل مجرد الوقوف بجانبه اختباراً للتحمل النفسي.
تقدم كريس وركع نصف ركوع وراسه منخفض للأرض كان يشعر بضغط هالة سيفر تسحق رئتيه، لكنه لم يتجرأ على الأنين.
"تحدث،" قال سيفر، وصوته تردد في جمجمة كريس مباشرة قبل أن يتردد في القاعة. "هل أتممت ما كُلفت به في مهد البشر ذلك؟"
رفع كريس رأسه قليلاً، وعيناه تلمعان بولاء أعمى. "أجل سيدي العظيم. لقد وضعت البذور في التربة المناسبة. الخونة داخل الأكاديمية."
" الانقلاب جاهز، والصفوف منظمة. الأكاديمية ستسقط من الداخل هم فقط ينتظرون أمري"
ابتسم سيفر، وشقت الابتسامة وجهه المظلم لتظهر أنياباً حادة كأنها أنياب مفترس قديم. "جيد جداً.. القلب البلوري. ذلك الحجر اللعين الذي يغذي مصفوفة الدفاع القاري ودفاع الأكاديمية بشكل خاص. يجب أن نحصل عليه بسرعة وبأي ثمن. بمجرد أن يسقط، سوف يكون لدينا فرصة لفتح بوابات الجحيم على مصراعيها،"
" ولن يبقى للأكاديمية أو لغيرها وجود... بعد بضعة أسابيع سوف نتحرك جهز نفسك جيدا كريس."
---
على الجانب الآخر من القارة، تحت سماء الأكاديمية التي بدأت تتلون بألوان الغسق الأرجواني، كانت ساحة التدريب تشهد صراعاً من نوع آخر. صراع إرادة بشرية تحاول كسر قيود العجز.
كان آرثر يقف وسط الساحة، وصدره يعلو ويهبط بحركات متشنجة. العرق كان يغسل وجهه، ممتزجاً بتراب الساحة، وشعره الأسود الفحمي كان يلتصق بجبينه وجوانب وجهه. كان يلهث بعمق،
وكل شهيق كان يشعره بحرقة في رئتيه، لكن عينيه الزمرديتين كانتا مختلفتين تماماً عما سبق. لم يعد فيهما ذلك البريق الطيب، بل حل محله بريق "النور البارد"، نور الشخص الذي فقد إيمانه بالمعجزات وبدأ يؤمن فقط بالقوة التي يقتلعها بيده.
أمام آرثر، كان الأستاذ بير يقف بهدوء مخيف، يديه خلف ظهره، وعيناه "عين الصقر" تراقبان أدق اهتزاز في عضلات آرثر.
"أستاذ بير.." نطق آرثر بصوت مبحوح، محاولاً استجماع مانه المشتتة. "أشعر بها.. الطاقة السحرية بدأت تذوب في تقارب النور الخاص بي. لم تعد مجرد قوتين متجاورتين، بل بدأت تصبح شيئاً واحداً.. "
"شيئاً حاداً. دعنا نستمر، لا تتوقف الآن، أريد أن أصل إلى تلك النقطة"
ابتسم بير ابتسامة تحمل حزناً خفياً. كان يرى كيف يحطم هذا الشاب نفسه ليصل إلى مستوى جديد من القوى.
"لا بأس يا آرثر. الإرادة هي السلاح الأقوى، لكن تذكر أن النصل الذي يُسخن أكثر من اللازم قد ينكسر عند أول اصطدام. اهجم الآن،."
صرخ آرثر صرخة مكتومة فجرت مانا النور من حوله. لم تكن هالة بيضاء كما في السابق، بل كانت تشع بلون أزرق خفيف، يشبه لون الثلج تحت ضوء القمر.
انطلق باتجاه بير بسرعة كانت تترك وراءها صوراً وهمية لجسده. كانت نية القتل تنضح من كل مسام جسده، ولم يعد هناك مجال للتردد.
سدد آرثر ضربة أفقية بسيفه، حركة كانت تهدف لقطع رأس بير بوضوح تام. نصل السيف المغطى بالنور الأزرق شق الهواء بصوت رنين معدني حاد.
خفض بير رأسه بحركة انسيابية، ليمر السيف فوق خصلات شعره مباشرة، تاركاً خلفه ريحاً باردة ومحترقة في آن واحد.
لم يتوقف آرثر عند هذا الحد. استخدم قوة دورانه ليسدد ركلة خاطفة نحو وجه بير. كانت الركلة مشحونة بمانا مركزة تجعلها قادرة على تحطيم صخرة صلبة. ابتسم بير،
وبحركة بدت بطيئة لكنها كانت أسرع من البرق، أمسك بقدم آرثر بيده اليسرى، وبلمسة خاطفة من يده اليمنى أمام بطن آرثر، استدعى دائرة سحرية برتقالية اللون.
"تراجع،" قال بير بهدوء.
انفجرت الدائرة السحرية بقوة دفع هائلة، قذفت بآرثر إلى الخلف بقوة مرعبة. طار جسد آرثر في الهواء كدمية خشبية محطمة، ليصطدم بالجدار الحجري للساحة.
دوي الاصطدام جعل الطيور تطير مذعورة من الأشجار المحيطة، وانهارت أجزاء من الحجر لتغطي جسد آرثر الساقط.
ساد صمت ثقيل. اقترب بير ببطء، وخطواته كانت ترن على أرض الساحة. توقف فوق آرثر الذي كان يحاول النهوض بصعوبة بالغة. الدماء كانت تسيل من جبهته لتغطي عينه اليسرى،
لكن عينه اليمنى كانت لا تزال تحدق في بير بتحدٍ جنوني.
"هل أنت بخير يا آرثر؟" سأل بير، ونبرته تحمل قلق المعلم الذي يخشى على تلميذه من الضياع. "ربما علينا التوقف. جسدك لن يتحمل المزيد من هذا الضغط."
ابتسم آرثر وهو يسعل دماً خفيفاً، ويداه ترتجفان وهو يغرس سيفه في الأرض ليرفع جسده المنهك. "لا بأس أستاذ.. أنا بخير تماماً،" قال بصوت يقطر إصراراً مظلماً. "هذا الألم هو الشيء الوحيد الذي يخبرني أنني لا زلت قادراً على التغير. وقد تبقا بضع أشهر فقط من أجل البطولة "
"وليوين ينتظرني في نهايتها."
وقف آرثر مجدداً، والنور الأزرق الخفيف بدأ يشتعل حوله مرة أخرى، أضعف من قبل لكنه أكثر حدة، معلناً عن بداية جولة جديدة من التدريب الذي يشبه الانتحار.
---