في زاوية غرفته المظلمة بالأكاديمية، حيث تتراقص الظلال على الجدران كأنها أشباحٌ تستعيد ذكرياتها الأليمة، جلس **ليوين** مغمض العينين. لم يكن ينام، بل كان يغرق في بئر الماضي السحيق،
في ذلك الجزء المحرم من ذاكرته الذي يحاول دفنه يومياً تحت طبقات سميكة من الجليد واللامبالاة. هناك، خلف أسوار "ليوين" الشيطان البارد،
كان يوجد "ليوين" الطفل المشرد الذي لم يكن يملك سوى جوعه المنهك وارتجاف جسده الضئيل تحت مطر لا يرحم.
عادت الصور لتتشكل ببطء شديد في مخيلة ليوين، كأنها ضبابٌ كثيف ينقشع عن مشهدٍ مغموس بالألم. كان الزقاق المظلم ضيقاً وقذراً،
جدرانه المتآكلة تضيق عليه كفكي وحشٍ حجري، ورائحة النفايات الرطبة واختناق المدينة تملأ رئتيه الصغيرتين.
كان ليوين الصغير ملقى على الأرض الباردة، جسده النحيل يرتعش بفعل الركلات القاسية التي تلقاها من أولئك الفتية.
وبينما كان يغالب شعوره بالدوار والألم، أبصر خيالاً ينحني فوقه. لم تكن يد ممدودة للضرب هذه المرة، بل كانت يداً تشع بدفءٍ غريب.
بدأ ذلك الفتى الغريب الذي ظهر أمامه بمحاولة ترميم جروحه وتضميد خدوشه النازفة بلمساتٍ حانية وهادئة. رفع ليوين نظره بانكسار،
ليرى ملامح الفتى الذي أنقذه، والذي قال بصوتٍ يملؤه الهدوء والطمأنينة: "لا تخف.. أنا ن...، سأعتني بك الآن."
اقترب الأثنان الأخرين من ليوين الملقى وسط الطين. نظر **م** إلى جسد ليوين المهشم، ثم التفت إلى **ال** و **ن** بعينين تفيضان بالشفقة والعزيمة.
"اتركوا هذا الفتى لي،" قال *م..* بنبرة هادئة لكنها قاطعة. "أنا سأهتم بأمره، سأساعده في بعض الأمور التي يحتاجها. هذا الطفل يحتاج لأكثر من مجرد إنقاذ من ضرب مبرح؛ إنه يحتاج لمكان ينتمي إليه."
أومأ *ال* و *ن* برؤوسهما في صمت، تاركين ليوين في عهدة *م*. انحنى *م* وحمل ليوين برفق كأنه قطعة من الزجاج القابل للكسر. "لا تخف يا صغير،" همس *م* في أذنه. "منذ هذه اللحظة، لن يلمسك أحد بسوء. الرغيف الذي سرقته لتأكل.. سأعطيك بدلاً منه مخبزاً من الأمان."
تذكر ليوين كيف أخذه *م..* من ذلك الزقاق الموحش. لم يذهب به إلا اي مكان ليضرب به ليوين أو يتخلص منه كما كان يفكر، بل إلى متجرٍ صغير متواضع في طرف المدينة،
تفوح منه رائحة الصوف الجديد والصابون. كان ليوين يشعر بالخزي من طينه الذي يلوث أرضية المتجر النظيفة، لكن *م..* لم يهتم.
اشترى له سترةً صوفية سوداء داكنة، كانت ثقيلة وناعمة الملمس. تذكر ليوين كيف كان *م...* ينحني أمامه، يمسح الطين عن وجهه بمنديل قماشي نظيف،
ثم يززر له أزرار السترة بعناية الأخ الأكبر. كانت أصابع *م* دافئة، تلامس ذقن ليوين المرتجف.
"الملابس الجديدة ليست للزينة يا ليوين،" قال له *م...* بلهجة مليئة باليقين. "إنها درعك الصغير الذي يخبر العالم القاسي أنك لست مُستباحاً. "
"عندما يراك الناس بملابس نظيفة، سيترددون قبل أن يمدوا أيديهم لضربك. تذكر هذا الدرس جيداً."
ثم جاءت الهدية التي لم يحلم بها ليوين قط؛ غرفةٌ صغيرة ليعيش بها. لم تكن قصراً، بل كانت مجرد غرفة واحدة بفرشٍ بسيط ونافذة وحيدة تطل على النجوم البعيدة. لكن عندما رآها ليوين أراد أن يسقط بسبب البكاء
عندما دخلها ليوين لأول مرة، لم يصدق أن الأرضية خشبية وليست طينية.
"هذا بيتك يا ليوين،" قال *م...* وهو يسلمه مفتاحاً معدنياً بابتسامة فخر. "هنا تستطيع أن تغمض عينيك وتحلم دون أن تخشى أحداً. هذا المفتاح هو حدك الفاصل بين العالم الخارجي وبين سلامك الداخلي."
نظر إليه ليوين بأعين دامعة، ولأول مرة في حياته الجديده ليست تلك الحياة التي تركها ورائه عندما ترك والده نطق بكلمة لم يكن يعرف معناها الحقيقي: "شكراً لك".
كانت الأيام تمر هادئة. كان ليوين يقضي وقته داخل تلك الغرفة، يراقب الشمس وهي تدخل من النافذة، يلمس جدرانها وكأنه يتأكد أنها ليست وهماً. و*م..* وباقي إخوته لا يتوقفون عن العطاء.
كان يأتي كل مساء بعد عملهم الشاق، يحمل معه الطعام وأحياناً كتاباً قديماً، ودائماً يحمل معه ذلك الحوار الذي كان ليوين يمتصه كالأرض العطشى.
ذات ليلة، بينما كانا يجلسان على الأرضية الخشبية، سأله ليوين: "لماذا تفعل كل هذا من أجلي؟ أنا لا أملك شيئاً لأعطيك إياه."
رد *م* بهدوء وهو يمسح على رأس ليوين بيده: "البشر لا يعطون ليأخذوا دائماً يا أخي الصغير. نحن نعطي لنشعر أننا لا نزال بشراً. "
"عندما أنظر إليك وأنت تنام بأمان، أشعر أنني قد فعلت ما كان يجب فعله "
في أحد الأيام، قرر ليوين الخروج من غرفته ليشتري شيئاً لـ *م*. كان يشعر بالثقة بفضل سترته وهذه الحياة التي حصل عليها بفضله مشى في الشوارع،
رأى الناس يمرون بجانبه دون أن يضربوه، ظن أن العالم قد تغير حقاً. اشترى "رغيف خبز" دافئاً بمالٍ أعطاه إياه *م* كـ "مصروف"، وكان يخطط لتقاسمه معه في المساء.
ولكن القدر قرر أن يضع حداً دموياً لهذا الحلم.
تغير المشهد في عقل ليوين فجأة. انطفأ ضوء الغرفة الدافئ، وحل محله ضوء مصابيح الشوارع الصفراء، وصوت فرامل سيارةٍ صرخت في ليل المدينة كأنها عواء ذئبٍ جريح.
وقف ليوين على الرصيف، جسده تجمد في مكانه، الكيس الورقي الذي يحمل الخبز سقط من يده ليتناثر فوق الإسفلت.
أمام عينيه مباشرة، كانت هناك جثة ملقاة بوضعية مأساوية. لقد كانت جثة *م...*. الدماء كانت تسيل ببطء مرعب، ترسم خطوطاً حمراء قانية تصل إلى حذاء ليوين.
مشى ليوين بخطواتٍ آلية، وانحنى فوق الجثة. كانت عينا *م...* مفتوحتين بذهول، تعكسان فراغاً أسود. كانت الدماء لا تزال حارة،
بخارها الدافئ يصعد في هواء الليل، ورائحتها المعدنية اخترقت أعماق ليوين لتعيد إيقاظ وحشٍ نائم.
في تلك اللحظة الدموية، لم يرَ ليوين جثة صديقه فحسب. بل رأى خلفها جثة والدته المسجاة تحت أنقاض ذكرياته المحترقة.
تداخلت صورة دماء *م...* مع دماء أمه القديمة، وصوت ارتطام السيارة تحول في أعماق عقله إلى صوت انكسارٍ مدوٍ وفظيع.
***طَق...***
ذلك الصوت المشؤوم الذي ظن ليوين أنه دفنه في ركام الماضي، يوم فقد والدته وترك والده خلفه ليتجرع مرارة اليتم والضياع؛ ذلك الصوت الذي كان يتوهم أنه لن يطرق أبواب حياته الجديدة أبداً، عاد الآن ليرنّ بصداه المرعب للمرة الثالثه في حياته الجديده.
لكن هذه المرة، لم يكن مجرد صدىً باهت، بل كان دوياً هائلاً زلزل كِيانه، شعر به ليوين يمزق روحه وجسده معاً.
عاد ذلك النحيب الحجري ليرنّ داخل جدران جمجمته مرة أخرى، وكأنه ناقوسٌ يعلن نهاية العالم الصغير الذي بناه م.... لم يكن انكساراً في العظام يمكن تجبيره،
بل كان تهشماً في نسيج الروح ذاته؛ انكسارٌ لآخر رابطٍ هشٍ كان يربطه بمعاني الرحمة أو الأمل في هذا الوجود القاسي
"الحياة تتغير بسرعة.. والواقع يصدمنا دائماً،" همس ليوين لنفسه وهو يقف فوق الجثة، وعيناه تحولتا إلى ثقبين أسودين يفيضان ببرودٍ مطلق.
"والأقدار تتحطم في لحظة واحدة تنهد لماذا كنتَ طيباً يا م... ؟ لو كنتَ قذراً وغادراً مثل بقية هذا العالم، لما آلمني موتك بهذا الشكل. لكن شكراً لك لأنك لم تفعل ذالك لكن"
"لقد سقطتَ أنت أيضاً في فخ العدم.. وتركتني وحيداً أصارعُ شياطين هذا العالم وأنا أعزل... من الآن فصاعداً، أقسمُ بالدم الذي يلوث يدي وبالانكسار الذي يسكن جمجمتي،"
" أني لن أفتح أبواب قلبي لطارقٍ أبداً. لن أتشبث بظلٍ، ولن أراهن على بقاء كائن."
"أمي.. أبي.. ن... و ال...، وأنت يا م...؛ كنتم جميعاً قِبلتي التي أتوجه إليها، والمبرر الوحيد الذي يجعلني أتحمل بصق هذا العالم في وجهي."
" لقد عشتُ من أجلكم، وأحرقتُ روحي لأستمد من دفئكم نوراً، والنتيجة؟ أنا الآن حطامُ إنسانٍ يقف فوق رصيفٍ بارد، يجمع شتات نفسه من بين بقع الدماء."
وقف ليوين وسط الحشود التي بدأت تتجمع، ووسط صرخات الذعر، كان هو الكيان الوحيد الصامت تماماً. لقد مات ليوين مع آخر جثة من إخوته أصدقائه، النور الذي ينير طريقه انطفأ هناك
بجانب جثة أخيه. ووُلد في تلك اللحظة "ليوين" الذي يجلس الآن في الأكاديمية، "ليوين" الذي لا يرى في الناس سوى أدوات، ولا يرى في هذا العالم سوى رهانٍ لعين يجب الفوز به.
تنهد ليوين في غرفته المظلمة بعمق، وفتح عينيه اللتين تشعان بمانا الظلام. كان صدى صوت "الانكسار" لا يزال يطن في أذنيه كصرخة أبدية.
"لقد دفعتُ الثمن غالياً من روحي يا صديقي المظلم،" قال للظلام المحيط به. "ولن أسمح لأي 'بطل' تافه أن يسلب مني ما جنيته من هذا الحطام سوف أعيدهم اقسم بذالك سوف أعيدهم "