كانت الساحة الكبرى للأكاديمية تضجّ بحياةٍ صاخبة، حياةٍ بدت، في تلك اللحظات الخادعة، وكأنها آخر ما تبقى من عالمٍ لم تمسه الكوارث بعد؛
ضحكاتٌ تتعالى بلا حذر، وأصواتٌ تختلط بموسيقىٍ سحرية ناعمة، وملابس رسمية زاهية تلمع تحت ضوء الشمس كأنها ألوان الربيع تجسدت في هيئة بشر.
تجمع طلاب السنة الأولى والثانية في دوائر متفرقة،
بعضهم يتفاخر بإنجازاته، وبعضهم يضحك بلا سبب، وآخرون يحدقون في الطعام وكأنهم لم يذوقوا شيئًا منذ أيام. كان كل شيء… طبيعيًا أكثر مما ينبغي، وكأن هذا الهدوء لم يكن إلا ستارًا رقيقًا يخفي خلفه شيئًا ينتظر اللحظة المناسبة لينقض.
وعلى مقربةٍ من المنصة الملكية المشيدة من الرخام الأبيض، وقف عددٌ من الطلاب البارزين، وجوههم لا تحمل نفس الخفة التي تعلو بقية الحشود؛ آرثر بهالته البيضاء والتي تخرج منها نور خافت من الون الأزرق التي كانت تتسرب من جلده ببطء،
كضبابٍ يتنفس، وعيناه ثابتتان على الزحام دون أن ترف لهما جفن، وكأنه يحاول أن يلتقط شيئًا لا يراه غيره.
إلى جانبه، وقفت ليا، وعيناها تحملان حزن صامت، لم تكن طبيعية على شخصيتها المرحة والمتفائلة
كانت تحدق في الوجوه حولها من دون اهتمام كبير أما كايزر، فكان مختلفًا… كان جسده تخرج منه هالة خفيفة من البرق وقوة مختلفة عن السابق، عضلاته مشدودة، وأنفاسه أثقل مما يجب،
على مقربةٍ من الصخب الزائف، كان مايك يقف كطودٍ عظيم، جسده الضخم وعضلاته التي كادت تمزق نسيج بدلة الأكاديمية الرسمية تعطي انطباعاً ببركانٍ يغلي تحت جلدٍ من حديد.
لم تكن عيناه تتابعان الحفل أو الموسيقى، بل كانت مثبتة في زاويةٍ قصية، حيث يقف ذلك الفتى الذي لم يتجاوز ربيعه السابع عشر.
هناك، في تلك الزاوية، كان ليوين يقف ببرودٍ مرعب، كأنه تمثالٌ نُحت من جليدِ الهاوية. لم يكن مهتماً بالضحكات ولا بالطعام، بل كان ينظر إلى الفراغ بأعينٍ خالية من أي بريق إنساني، وكأن العالم حوله مجرد مسرحيةٍ تافهة لا تستحق عناء الالتفات.
اشتدت قبضة مايك حتى ابيضت مفاصله، وسمع صوت صرير أسنانه وهو يهمس بغضبٍ مكتوم، كادت نية القتل أن تتسرب من جسده وتفضح أمره.
وفي تلك اللحظة، تحرك مايكل بهدوء، واضعاً يده الثقيلة على كتف مايك العريض، ضاغطاً عليها بذكاء ليذكره بالمكان والزمان.
أمال مايكل رأسه قليلاً، وقال بصوتٍ منخفض، حاد، يحمل نبرةً من الوعيد المبطن:
"اكبح جماحك الآن يا مايك.. لا تدع غضبك يحرق الطبخة قبل نضوجها.."
"سيأتي الوقت الذي ننتزع فيه ذلك القناع عن وجهه، وحينها.. سيكون الانتقام طبقاً يُقدم ببطء، تماماً كما تشتهي."
زفر مايك هواءً ساخناً من رئتيه، لكنه لم يشح بنظره عن ليوين، وكأنه كان يغرس نصله في جسد الفتى بنظراته فقط.استمرت الضحكات واستمر الاحتفال.
وفجأة، وكأن يدًا خفية ضغطت على قلب المشهد—
ساد صمتٌ مهيب.ارتقت سيليا المنصة.
بشعرها الفضي الطويل الذي انعكس تحت أشعة الشمس كخيوطٍ من نورٍ هادئ، وبخطواتٍ متزنة تحمل ثقةً لا تهتز،
بدت كرمزٍ للنظام وسط عالمٍ فوضوي. رفعت يدها قليلًا، فتلاشت الأصوات تدريجيًا، وانحنت الفوضى أمام حضورها.
نظرت إلى الطلاب، نظرة أمٍ ترى أبناءها مجتمعين تحت سقفٍ واحد، لكنها، في عمق تلك النظرة، أخفت شيئًا… قلقًا خافتًا، شعورًا غير مريح لم تستطع تفسيره.
تنحنحت بخفة،
ثم قالت بصوتٍ رنان انتشر في الساحة بفعل سحر التضخيم:
"لقد مضت ستة أشهر كاملة منذ بداية هذا العام… ستة أشهر من الجهد، من الألم، من التحديات التي واجهتموها وصمدتم أمامها."
توقفت، وعيناها تجولان بين الوجوه، تراقب الفخر، الحماس، وحتى البراءة التي لم تُكسر بعد.
"لقد رأيناكم تنمون… تتطورون… وتثبتون أنكم جديرون بحمل اسم هذه الأكاديمية." ابتسمت
"ولهذا… هذا اليوم وهذه الاحتفال من اجلكم. استمتعوا به."وما إن أنهت كلماتها—
انفجرت الساحة بالحياة من جديد.
تعالت الهتافات، وارتفعت الضحكات، واندفع الخدم والعمال السحريون من كل اتجاه،
يحملون صواني الطعام الفاخرة؛ لحومٌ مشوية تفوح منها رائحة الأعشاب السحرية، فواكه لامعة تنبض بطاقةٍ منعشة، وأشربة ملونة تنساب داخل كؤوسٍ كريستالية كأنها قطعٌ من الضوء السائل.
اختلطت الروائح، وارتفعت الأصوات، وعاد كل شيء إلى طبيعته… بل إلى ما هو أفضل من طبيعته.
أكثر حياة.
أكثر أمانًا.
أكثر خداعًا.
مرت الساعات، والاحتفال بلغ ذروته.
الطلاب يضحكون، يأكلون، يتباهون… وكأن العالم خارج هذه الأسوار لا وجود له.ومع اقتراب النهاية، عادت سيليا إلى المنصة مرةً أخرى.
لكن—
قبل أن تتحدث—
طَق… طَق… طَق…
صوت تصفيق.
بطيء.
بارد.
غير منسجم مع أي شيءٍ حوله.
توقفت الضحكات.
خفتت الموسيقى.
التفتت الرؤوس… واحدةً تلو الأخرى.
حتى ساد الصمت.
في وسط الحشود—
وقف شاب.
يرتدي زي الأكاديمية الرسمي، مرتب… طبيعي… لكن شيئًا فيه كان خاطئًا.
خاطئًا بطريقةٍ جعلت العيون تتردد في النظر إليه طويلًا.
ابتسامته كانت ثابتة، جامدة… لا حياة فيها.
بدأ يتقدم.
خطوة.
ثم أخرى.
وصوت خطواته فوق الرخام بدا أعلى من اللازم… أو ربما كان الصمت هو الذي جعل كل شيءٍ يبدو أوضح.
شعرت سيليا بانقباضٍ حاد في صدرها.
إحساسٌ غريزي بالخطر.
"سيدتي سيليا…" قال الشاب بنبرةٍ هادئة تحمل سخريةً خفيفة،
"يا له من احتفالٍ رائع."
صمت لثوانٍ.
ثم أمال رأسه.
"حقًا… جميل."
اتسعت ابتسامته.
"لكن… أليس مملًا؟"
وفي لحظةٍ واحدة—
تغير كل شيء.
"لنبدأ العرض."
لم تكن صرخة.
لم تكن إشارة واضحة.
لكنها كانت كافية.
فجأة—
تحولت عيون العشرات من الطلاب إلى شيء غريب أعين مختلفة
بدون إنذار.
بدون تردد.
وفي نفس اللحظة
استلّوا أسلحتهم.
"هاه…؟"
"ماذا—"
لم تكتمل الكلمات.
اخترقت الشفرات الأجساد.
تناثر الدم
وسقط أول جسدٍ على الأرض.
ثم الثاني.
ثم—
انفجرت الصرخات.
"لااااااا!!!"
"توقف!!!"
"ماذا تفعل؟!"
تحولت الساحة، في رمشة عين، إلى جحيم.
طلابٌ يهاجمون بعضهم البعض،
أصدقاء يقتلون أصدقاءهم،
وأصواتٌ ترتفع، تتكسر، تختلط حتى لم يعد بالإمكان تمييزها.
ركض أحد الطلاب وهو يصرخ، قبل أن يتعثر ويسقط،
ليجد زميله فوقه، عينيه حمراوين خاليتين من أي وعي،
يرفع سيفه—
ويغرسه في صدره.
فتاةٌ وقفت متجمدة، تحدق في صديقتها التي كانت
تضحك معها قبل لحظات… قبل أن تهجم عليها وتغرس
خنجرها في بطنها.
"ل… لماذا…؟"
لم تأتِ الإجابة.
فقط دم.
سقطت صواني الطعام، تناثرت الأطباق، واختلطت رائحة الأعشاب العطرة برائحة الحديد والدم التي بدأت تملأ الهواء.
انزلق أحدهم فوق الدم، صرخ، حاول النهوض—
لكن يدًا أمسكته من الخلف.
ثم—
صمت.
"اهربوا!!!"
"إنهم مجانين!!!"
"ساعدوني!!!"
تراجع البعض، ركض البعض، تجمد البعض في أماكنهم
غير قادرين على استيعاب ما يحدث.
الخوف انتشر أسرع من أي شيء.
خوفٌ خام.
بدائي.
يحطم التفكير.
فوق المنصة، اتسعت عينا سيليا.
"المصفوفة…؟"
لم تشعر بها.
هناك من اطفأ المصفوفهتمامًا.
وكأنها لم تكن موجودة أبدًا.
وفي لحظةٍ باردة—
فهمت.
"القلب البلوري…"
سُرق.
وقبل أن تستوعب الفكرة بالكامل—
اهتزت السماء
تشققت الغيوم، وتجمعت في دوامةٍ سوداء هائلة، تدور ببطءٍ مرعب، كعينٍ عملاقة تنظر إلى الأسفل.
خفتت الأصوات.
حتى الصراخ… تراجع.
ليس لأن الخطر انتهى—
بل لأن شيئًا أسوأ… قد وصل.
ومن قلب الغيوم السوداء—
هبط.
كيانٌ جعل الهواء نفسه يثقل.
سيفر.
وقف معلقًا في السماء، قرناه يشقان الغيوم، وعيناه الحمراوان تتوهجان بنورٍ شيطاني سحق إرادة كل من نظر إليهما.
بعض الطلاب سقطوا على ركبهم.
بعضهم لم يستطع التنفس.
والبعض… لم يفهم لماذا بدأ جسده يرتجف.
ثم—
تحطم الرخام.
هبط بفر.
بقفزةٍ واحدة، تكسرت الأرض تحت قدميه، وانتشر الغبار.
رفع فأسه الضخم، وأطلق ضحكةً خشنة هزت المكان.
"اليوم…"
صمت للحظة.
ثم زمجر:
"ستنتهون."
ولوّح بسلاحه—
فسقطت ثلاثة أجساد دفعةً واحدة.
انفجرت الصرخات من جديد.
أعلى.
أقسى.
أكثر يأسًا.
وفي أنحاء الساحة—
بدأت بوابات الظل بالانفتاح.
واحدة… اثنتان… عشرات.
خرجت منها كائنات مشوهة، أنيابها طويلة، ومخالبها
تقطر سُمًا، وأعينها تتوهج بجوعٍ لا يشبع
.
انتشروا بين الطلاب.
كالطاعون.
أحدهم ركض نحو البوابة… فقط ليُسحب داخلها وهو يصرخ.
آخر حاول القتال… تم تمزيقه خلال ثوانٍ.
وقف سيفر في السماء، يراقب.
بهدوء.
ببرودٍ مطلق.
ثم—
حول نظره نحو سيليا.
وابتسم.
في الأسفل—
لم يعد هناك احتفال.
لم تعد هناك أكاديمية.
فقط—
دماء.
صرخات.
وخوف… أعلن بداية السقوط.
"تجربة جديدة لكتابة الفصل +
لن أُدرج طلاب السنتين الثالثة والرابعة في هذا 'الأرك'، والسبب أن العامين الأخيرين في الأكاديمية مخصصان للتخرج والحصول على الخبرة الميدانية بشكل دائم. فهناك طلاب يشاركون في الحروب، وآخرون يعملون على تطهير الغابات أو 'الزنزانات' التي سنراها في المستقبل. لذلك، سيكون هذا 'الأرك' مخصصاً لطلاب السنتين الأولى والثانية تحديداً."