في زاويةٍ قصية من الأكاديمية العريقة، التي بدأت تفقد وقارها التاريخي وتتحول إلى أطلالٍ تنزف تحت وطأة الغدر، كان الهواء يرتجف بطريقةٍ لا تمت للقوانين الطبيعية بصلة.
لم يكن مجرد اضطرابٍ جوي، بل كان تصادماً كونياً بين مفهومين متضادين؛ حرارةٍ مطلقة تذيب كينونة الصخر، وظلامٍ سحيق يبتلع النور والوجود.
**روبيرت**. لم يكن مجرد رجلٍ يقاتل، بل كان يتجسد كبركانٍ بشري، أحد أعمدة القوة الذين قامت على أكتافهم هيبة هذه المؤسسة. بصفته ممارساً لسحر النار من "مستوى قمة S"،
لم تكن الهالة التي تحيط به لهباً عادياً يقتات على الأكسجين، بل كانت جحيماً برتقالياً مركزاً، يميل بياضُ لُبّه إلى لون النجوم المستعرة من فرط كثافته الحرارية. كان الضغط الجوي حوله ثقيلاً لدرجة أن الحصى تحت قدميه لم يعد يتحمل،
فاستسلم وحاد عن صلابته ليتحول إلى حممٍ سائلة تتلوى كالأفاعي الذهبية في ثوانٍ معدودة.
أمام هذا الإعصار المستعر، وقف **كريس**. لم يعد ذلك الطالب الهادئ الذي يجلس في زوايا الحفلة بملامحٍ باهتة؛ لقد انقشع القناع الزائف تماماً ليكشف عن وحشٍ يسكن جلد بشر.
كان شعره الأحمر القصير يتطاير مع ضغط المانا كأنه خيوطٌ من الدم المنسوج في أنوال الجحيم، وعيناه.. تلك العينان اللتان كانتا يوماً تعكسان الطموح في أعين روبيرت أصبحتا الآن تشعان ببريقٍ أرجواني بارد،
لونٌ لا ينتمي للطبيعة، يحمل في طياته صقيع العدم الذي لا يعرف الرحمة. وقف بوضعيةٍ مسترخية، يديه تتدليان بجانبه ببرودٍ مستفز وسط جثث الطلاب والشياطين والحرائق المستعرة، وكأن هذا الخراب هو موطنه الأصلي الذي طالما اشتاق للعودة إليه.
ثبّت روبيرت قدميه في الرخام المنصهر، وارتفعت ألسنة اللهب من كتفيه لتتشكل في الهواء خلفه كأجنحةٍ عظيمة من نارٍ حارقة، تمنحه هيبة ملاكٍ ساقط قرر إحراق الأرض. نظر إلى طالبه السابق بعينين يختلط فيهما بريق الخيبة بلهب الغضب المكتوم، وقال بصوتٍ جهوري اهتزت له جدران القاعة المتصدعة:
"كريس.. لقد كنتُ أرى فيك شعلةً ستضيء مستقبل هذه الأكاديمية، بذرةً نادرة من القوة.. لكنك اخترت أن تدفن موهبتك في وحل الخيانة النتن. سلم نفسك الآن، وتوقف عن هذا الجنون قبل أن أحول عظامك إلى رمادٍ تذروه الرياح."
أمال كريس رأسه قليلاً ببطءٍ مدروس، وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ باهتة، لكنها كانت تحمل في ثناياها سخريةً لا نهائية تزدري كل ما هو مقدس. "أستاذ روبيرت.." نطق كريس الكلمة بنبرةٍ هادئة، هدوءٍ كان أشد رعباً من صراخ الموتى،
"لطالما كنت معلماً حكيماً، رجل مبادئ في عالمٍ بلا مبادئ. لذا أرجوك، لا تجبرني على تدنيس ذكرياتي الجميلة معك بدمائك. ابتعد عن طريقي بسلام، فهدفي أسمى من حطامكم هذا. كل ما أريده هو تلك البلورة الجميلة التي تخفونها.. وبعدها سأرحل، وأترك لك ما تبقى من هذه المؤسسة الفاشلة لتبكي فوق أطلالها."
زفر روبيرت زفرةً خرجت كأنها نفخةٌ من تنينٍ غاضب، واشتعلت يداه بنارٍ تضاعف حجمها وكثافتها في لحظةٍ واحدة، محولةً الهواء حوله إلى فراغٍ خانق. "إذن، لقد استسلمت للظلمة تماماً. لقد اخترت طريق الهلاك بملء إرادتك."
في جزءٍ من الثانية، انكسر السكون الموتر بانفجارٍ حراري هائل انطلق من تحت قدمي روبيرت؛ لم يكن مجرد انطلاقٍ جسدي، بل كان قذيفةً بشرية من اللهب الصافي شقت الأرضية الرخامية خلفها كأن نيزكاً أحمر قد قرر الارتطام بالتراب.
طار روبيرت في الهواء مخلفاً وراءه ذيلاً من النار المستعرة التي أحرقت جزيئات الهواء، وتحولت يده اليمنى في لمح البصر إلى مخلبٍ ضخم من "الحمم المركزية" المشبعة بالمانا. لم يكن ذلك المخلب يكتفي بالإشعاع الحراري، بل كان يذيب الأبعاد من حوله ليخلق فراغاً صوتياً مرعباً يسبق الضربة.
كانت الضربة موجهة بدقةٍ جراحية وقوةٍ تدميرية نحو وجه كريس، هجمةٌ لو لامست جبلًا من الفولاذ الخالص لحولته إلى بركةٍ من السائل المتوهج قبل أن يدرك الجبل سقوطه. لكن كريس لم يرمش،
ولم تتسارع دقات قلبه. ببرودٍ يثير القشعريرة في الروح، وبحركةٍ انسيابية لا تمت للبشر بصلة، تماهى جسده مع الظلال المحيطة وكأنه فقد كتلته المادية فجأة؛ أمال رأسه وجذعه في اللحظة الحرجة التي سبقت ملامسة المخلب الحارق لجلده بمليمتراتٍ لا تُرى بالعين المجردة.
مر هجوم روبيرت بجانبه، ليترك أثراً من "الاحتراق الجوي" على مساره، وكأن نصلًا من الشمس قد اخترق الزمكان. لكن كريس لم يكتفِ بالتفادي؛ فبينما كان روبيرت لا يزال محكوماً بزخم اندفاعه الهائل، استل كريس يده اليمنى بقوةٍ خاطفة،
وكانت قبضته مغلفةً بمانا بنفسجية كثيفة، ليست طاقةً سحرية عادية، بل كانت "ظلاماً سائلاً" يقطر شراً ويمتص كل ذرة حرارة من المحيط. سدد كريس طعنةً بقبضته نحو ثغرةٍ لا تُرى في دفاع روبيرت، هجمةٌ كانت تستهدف تهشيم جمجمته وإنهاء النزاع في مهده.
لكن روبيرت، الذي صقلت غريزته آلاف المعارك الدامية وهو في قمة المستوى S، لم يقع في الفخ بتلك السهولة. وبحركةٍ فطرية مذهلة، رفع يده اليسرى التي اشتعلت فجأة بلهبٍ أزرق مائل للون الجحيم من فرط الضغط، ليعترض قبضة كريس المظلمة.
**طااااااااخ!**
عند نقطة التلامس، وقع انفجارٌ تنافري هز أركان الأكاديمية وصُمّت له الآذان؛ صرخت النار وهي تحاول حرق العدم الذي لا يحترق، وزمجر الظلام وهو يحاول خنق اللهب الذي لا ينطفئ.
كان صوت "الشواء" العنيف بين كف روبيرت وقبضة كريس يشبه تصدع الجبال الجليدية العملاقة تحت وطأة الزلازل، وتصاعدت أبخرةٌ رمادية كثيفة كانت نتاج احتراق المانا المظلمة بالحرارة الفائقة.
وقف الاثنان متجمدين في تلك اللحظة الكونية؛ عينان تشتعلان بنار العدالة الحارقة، وعينان تغرقان في ظلال الخيانة الباردة، بينما كانت الأرض تحتهم تنهار وتتحول إلى غبارٍ ناعم، كأن المادة نفسها تخجل من الصمود تحت وطأة هذا الصدام المرعب.
بعد ذلك التصادم الذي كاد يمزق نسيج الواقع، دفع الارتدادُ العنيف جسديهما بعيداً عن المركز بقوةٍ طاردة؛ ترنح كلٌ منهما خطواتٍ ثقيلة إلى الوراء، تاركين آثار أقدامٍ غائرة في الرخام الذي بدأ يغلي ويفور. لكن، وقبل أن تستقر كعابُ أحذيتهما، وقبل أن يستعيد الهواء سكونه المسلوب، حدث انكسارٌ مفاجئ في قوانين الحركة.
استخدما زخم التراجع ذاته كقوة دفعٍ عكسية؛ وبانفجارٍ مفاجئ في مانا الظلام، انطلق كريس كأنه تمزقٌ في فضاء القاعة، مخلفاً وراءه أطيافاً من الظلال البنفسجية التي لم تستطع اللحاق بجسده السريع.
اندفع كإعصارٍ غاسق، مسدداً عشرات اللكمات المشحونة بـ "ظلامٍ هائل"؛ مانا كثيفة لدرجة أنها كانت تمتص النيران المنبعث من جسد روبيرت قبل أن يلمسه، وكأن كل ضربة هي ثقبٌ أسود متناهي الصغر يحاول ابتلاع جوهر الخصم.
وسط هذا الفيضان المظلم المتلاحق، وقف روبيرت شامخاً كطودٍ من الصهارة المشتعلة. لم تكن يداه مجرد أطرافٍ بشرية، بل تحولتا إلى "دروعٍ شمسية" صلبة تفتك بكل ما يلامسها؛ كانت نيرانه تلتف حول ساعديه بكثافةٍ جعلت الهواء من حوله يصرخ ويئن.
كان يصد كل ضربةٍ غادرة ببراعةٍ فطرية مذهلة، مصدراً أصوات انفجاراتٍ مكتومة مع كل التحام، وفي الأجزاء من الثانية التي تفصل بين الضربات، كان يقتنص الفرصة ليوجه ضرباتٍ مضادة—انفجاراتٍ حرارية مركزة من قبضتيه—أجبرت كريس على التراجع القهري مراراً لتجنب الاحتراق الجزيئي.
كان القتال يمثل "إبادةً صامتة" للمحيط؛ الرخام تحت أقدامهما لم يعد يتفتت فحسب، بل استحال بودرةً ناعمة طارت في الهواء لتشكل سحابةً من الموت، بينما الأعمدة الرخامية العتيقة القريبة بدأت تذوب وتنهار من جهة روبيرت وتتشقق بفعل "صقيع العدم" المنبعث من مانا كريس من الجهة الأخرى.
الضغط الجوي الناتج عن تصادم قوتين من المستوى S خلق موجاتٍ صدمية دائرية دفعت الحطام بعيداً، صانعةً ساحةً قتالية نقية وخالية، لا يوجد فيها سوى رجلين يقرر كل منهما مصير الآخر ومصير العالم مع كل نفس.
وفي ذروة هذا الهياج السحري، وبينما كان روبيرت يركز كامل وعيه وحواسه الفائقة على "الرقص القتالي" ليدي كريس السريعتين، وقع الغدر من حيث لا يُتوقع، من بقعةٍ لا يمكن حمايتها.
من خلف ظهر روبيرت، وتحديدا من ظله الشخصي الممتد على الأرض، انشق نسيج الواقع وانطلق "رمحٌ أسود" نبت من العدم المطلق. لم يكن سلاحاً مادياً، بل كان تجسيداً لـ "خسة المانا المظلمة"؛
رمحٌ نسجته الظلال السفلية السائلة، سريعاً كخاطر الموت ومرتبطاً بالأرض بسلسلةٍ من العتمة الدامسة. انطلق النصل المظلم متجهاً نحو ثغرةٍ قاتلة في دفاع روبيرت الخلفي، في هجمةٍ لم تكن تستهدف الجسد الفاني فحسب، بل كانت تهدف إلى غرس "سم الخيانة" في قلب الجحيم المشتعل.
توسعت عينا روبيرت من هول الصدمة؛ كان الهجوم غادراً، مفاجئاً، ومن زاويةٍ ميتة تماماً. حرك جسده بسرعةٍ انتحارية في محاولةٍ أخيرة لتجنب اختراق قلبه، لكن الرمح المظلم كان أسرع من رد فعله؛
اصطدم بكتفه الأيسر ومزق اللحم والنسيج العضلي بقوةٍ مرعبة، مخلفاً جرحاً غائراً ينضح بمانا سوداء تتلوى كالأفاعي، تحاول تسميم دمه والسيطرة على عروقه.
ترنح روبيرت قليلاً، وخرجت من صدره زفرة ألم مكتومة، لكنه لم يصرخ ولم يسقط. بدلاً من ذلك، ارتسمت ابتسامةٌ مجنونة، ابتسامة مقاتلٍ وجد أخيراً سبباً ليحرق كل شيء،
على وجهه الذي غطته الدماء والعرق. أمسك بالرمح المظلم المغروس في كتفه بيده اليمنى العارية، وبدأت حرارة يده ترتفع لدرجة البياض المطلق. "هل تظن حقاً.. أن هذا الوتد التافه سيوقف لهيبي؟"
قال روبيرت بصوتٍ يحاكي رعد العواصف، ثم أطلق موجة حرارةٍ داخلية هائلة أحرقت الرمح وهو لا يزال داخل جسده، وحولته إلى رمادٍ تذروه الرياح في ثوانٍ.
ثم، في مشهدٍ يجسد قسوة المحارب، خرجت نيرانٌ مركزة من جرحه، وسُمع صوت "كيّ اللحم" بوضوحٍ مرعب في أرجاء القاعة؛ حيث استخدم روبيرت ناره الخاصة ليصهر جرحه ويغلقه تماماً،
مانعاً المانا المظلمة من الانتشار في جهازه الدوري. كانت عمليةً انتحارية تجعل أي كائنٍ آخر ينهار من شدة الألم، لكن روبيرت لم يرمش له جفن، بل زاد بريق عينيه اشتعالاً.
"والآن يا كريس.." زمجر روبيرت وهو يندفع مجدداً نحو خصمه، محاطاً بهالةٍ نارية تضاعفت قوتها وحجمها ثلاث مرات، "سأريك لماذا يُطلق عليّ لقب 'جحيم الأكاديمية'! سأحرق الظل الذي تختبئ فيه حتى لا يبقى لك أثر!"
انطلق الاثنان مجدداً في قتالٍ تدميري لم يسبق له مثيل؛ روبيرت يطلق كراتٍ نارية مركزة تنفجر كالقنابل النووية التكتيكية، وكريس يتلاعب بالظلال من حوله كأنها كائناتٌ حية، يشكل منها نصالاً ورماحاً وشرانق تهاجم من كل اتجاهٍ ممكن.
كان المشهد مهيباً ومرعباً، صراعاً بين شمسٍ ترفض الأفول وظلامٍ يقسم على ابتلاع الكون، حيث كانت ألسنة اللهب البرتقالية تتشابك وتتعانق مع خيوط الظلام البنفسجية في رقصة فناءٍ أخيرة، رقصة لن تنتهي إلا عندما يخر أحدهما جثةً هامدة، محترقة أو ممزقة، على هذا الرخام الذي استحال قبراً لهما.
استمر الصدام وتصاعدت وتيرته، حتى بدأ سقف القاعة ينهار تحت ضغط القوى المتصادمة، وتساقطت قطع الحجارة الضخمة لتتحول إلى غبارٍ قبل أن تلمس الأرض بفضل الحرارة المنبعثة من روبيرت.
كان كريس يزداد سرعة، وجسده يبدو وكأنه يتلاشى ويظهر في أماكن متعددة في آنٍ واحد، مستغلاً كل ذرة ظلٍ يخلفها لهب روبيرت ضده. أما روبيرت، فقد كان يتحرك كإعصارٍ لا يهدأ، كل ضربةٍ منه تخلف وراءها انصهاراً في المادة.
"أنت تقاتل بظلٍ مستعار يا كريس!" صرخ روبيرت وهو يسدد ركلةً نارية حطمت دفاع كريس الظلي، "الظلام ليس له كيان، إنه مجرد غياب للنور، وسأملأ هذا الغياب بناري حتى تتلاشى!"
رد كريس بضحكةٍ خافتة تخللتها برودة الموت: "بل النور هو الغريب يا أستاذ.. الظلام هو الأصل، هو الرحم الذي خرج منه الكون وهو القبر الذي سيعود إليه. ونارك هذه.. ليست سوى عود ثقابٍ يرتجف قبل أن يغرق في محيطي."
ومع هذه الكلمات، تمددت المانا البنفسجية من تحت قدمي كريس لتغطي القاعة بأكملها، محولةً المكان إلى "ميدان العدم المطلق"، حيث بدأ النزاع الحقيقي
أطبق الظلامُ فكّيه على المكان، محولاً ساحة القتال إلى سجنٍ من العتمة البنفسجية التي ابتلعت كل ذرة ضوء انبعثت من لهب الأستاذ روبيرت. اختفى أثر كريس تماماً،
وكأنه ذاب في نسيج هذا العدم. في تلك اللحظة، لم يعتمد روبيرت على بصره؛ بل أغمض عينيه، حابساً أنفاسه، محاولاً استشعار أدق اهتزاز في "مانا" المحيط.
ومن قلب الفراغ المطلق، انشق السكون.
اندفع كريس كخنجرٍ مسموم خرج من طيات المجهول، مسدداً ضربةً وحشية لم تكن تستهدف اللحم فحسب، بل كانت تهدف لتمزيق الروح. تمزقت ثياب الأستاذ روبيرت من جانبه،
وانغرست في جسده ندبة أرجوانية متوهجة، سمٌّ من الظلام بدأ ينهش حيويته. حاول روبيرت الرد بانفجارٍ حراري، لكن كريس تلاشى قبل أن تلمسه الشرارة الأولى، ليعيد الكرة من زاوية أخرى.. ثم أخرى.. في كل جزء من الثانية، كان يظهر ويختفي كشبحٍ يعبث بضحيةٍ تحتضر
استشاط روبيرت غضباً، وفتح عينيه اللتين استحالتا جمرتين من الجحيم، وزأر بصوتٍ هز أركان الأكاديمية، مفجراً موجةً من النيران حطمت قبة الظلام من حوله. وقف كريس بعيداً،
يراقب روبيرت بابتسامةٍ باردة، بينما كانت دماء الأستاذ تتساقط على الرخام المحترق.. دماءٌ لم تعد حمراء، بل تلوثت بلونٍ بنفسجي غريب، يقطر من ثيابه الممزقة وجسده الذي أثخنته الجراح.
وعلى مقربةٍ من هذا الصدام المدمر، وسط الجحيم المشتعل، وقف فتى من السنة الثانية بدا وكأنه نجا للتو من قاع الهاوية. إدريان.. بشعره الأسود الفاحم، وعينيه اللتين تحملان تناقضاً مرعباً؛ يمنى زرقاء كالسماء الصافية، ويسرى رمادية بلون النصال الباردة.
امتدت من بين أصابع يديه سلاسل طويلة سوداء، كانت تختفي وتظهر داخل مسامه وكأنها جزءٌ من جهازه العصبي. كفّاه كانتا مغطيتين بدمٍ دافئ.. دمٍ يعرف رائحته جيداً؛
إنه دم أعز أصدقائه. وتحت قدميه، سكنت جثتان لرفاقٍ كانوا حتى الأمس يشاركونه الضحك والأحلام.
وقف إدريان بتعبيرٍ يمزقه الحزن والذهول، هامساً بصوتٍ مخنوق غلفته بحة القهر:
"لماذا.. لماذا أجبرتموني على فعل هذا؟ لماذا اخترتم الموت على يدي؟"صمت للحظة، ثم صرخ في وجه العدم: "من هو اللعين الذي تلاعب بعقولكم؟ وحولكم إلى وحوشٍ لا تفرق بين الصديق والعدو؟"
رفع إدريان رأسه نحو السماء التي لم تعد تشبه السماء؛ نصفها تجمد في صقيعٍ أبدي بسبب "سحر سيليا"، ونصفها الآخر غرق في ظلامٍ دامس بفعل "قوة سيفر". كان العالم من حوله ينهار؛
الشياطين تنهش أجساد الطلاب، والأساتذة يستميتون في دفاعٍ يائس. وعلى الجانب الآخر، كان بفر يقاتل وحده في ملحمةٍ ضد ثلاثة أساتذة وطالبٍ واحد
سحب إدريان سلاسله، التي أصدرت رنيناً معدنياً جنائزياً فوق الرخام، وتقدم بخطواتٍ بطيئة وواثقة نحو القتال الدائر بين كريس وروبيرت؛ ذلك القتال الذي بدأ يميل كفّته بشكلٍ مرعب لصالح الخيانة.
تقدم إدريان، وثبّت نظراته الثاقبة على كريس، وقال بنبرةٍ تقطر ثقلاً وكراهية:"أنت.. أنت هو اللعين الذي أشعل فتيل هذا الجحيم."