‏كان الوقت يمر كأنه شفراتٌ حادة تحز في عنق الواقع. في كل ثانيةٍ تمضي، كان الأستاذ **روبيرت** يتراجع خطوةً ثقيلة إلى الوراء، تاركاً خلفه آثار أقدامٍ محفورة بالدم البنفسجي الممزوج بالرماد.

‏لم يعد جسده ذلك البركان الهادر الذي يخشاه الجميع؛ بل أصبح أشبه بنجمٍ يحتضر، يحاول بث الدفء في محيطٍ من الظلام المطلق الذي يفرضه كريس.

‏اللكمات المتبادلة لم تعد مجرد اصطدام قوى، بل أصبحت صوتاً رتيباً للموت. مع كل ضربة يوجهها كريس، كان يتبعها رشقة من الدماء على الأرض الرخامية المحطمة. كريس،

‏الذي لم تفارق البرودة ملامحه، قال بنبرة هادئة تخللتها أنفاس روبيرت المتهدجة:

‏"هيا يا أستاذ.. توقف عن هذا العبث. لا أريد قتلك حقاً، فقط.. ابتعد عن طريقي بسلام."

‏رفع روبيرت رأسه ببطء، والدم يغطي نصف وجهه، لكن عينه المشتعلة بالنار لم تنطفئ. ارتسمت على شفتيه المحترقتين ابتسامةٌ دامية، ورد بصوتٍ أجش يخرج من أعماقه:

‏"كلا أيها الطالب المشاغب.. يبدو أنني فشلت في تعليمك الأدب، لكنني لن أفشل في حماية ما تبقى من شرف هذه الأكاديمية. لن تعبر هذا الممر.. إلا إذا دست على جثتي الهامدة أولاً."

‏تلاشت الابتسامة الباهتة من وجه كريس، وحل مكانها فراغٌ مرعب. " كنتُ أظنك أكثر حكمة، لكنك اخترت الفناء. "

‏بسرعةٍ لا تدركها العين، اندفع كريس وأطبق يده القوية على رأس روبيرت، دافعاً به نحو الأرض الرخامية بقوةٍ هزت أركان القاعة. لم يكتفِ بذلك، بل بدأت مانا بنفسجية كثيفة تخرج من أصابعه،

‏تتلوى كديدانٍ من الظلام تحاول اختراق جمجمة الأستاذ. كان كريس يحاول زرع الظلام داخل عقل روبيرت، ليمتص وعيه ويحوله إلى دميةٍ تحت سيطرته. صرخ روبيرت صرخةً صامتة، وعروقه بدأت تبرز بلونٍ داكن، وكان على وشك السقوط في هاوية التلاشي..

‏لكن، انشق الهواء بصوتٍ جنائزي.

‏من وسط الغبار والأنقاض، انطلقت سلسلةٌ سوداء ضخمة، نبتت من العدم كأنها أفعى مبعوثة من أعمق طبقات الجحيم. لم تكن مجرد معدن، بل كانت "كتلةً من الكراهية المتجسدة".

‏قبل أن يدرك كريس ما يحدث، التفت السلسلة حول خصره وذراعيه بإحكامٍ شديد، ضاغطةً على جسده بقوةٍ

‏وبقوةٍ غاشمة، سُحب كريس للخلف بعنف. التفت ليرى **إدريان** واقفاً، عيناه الزرقاء والرمادية تشعان بنورٍ ميت، وسلاسله تمتد من يديه كأنها جزءٌ من روحه الممزقة.

‏لم يمنح إدريان كريس ثانيةً واحدة للتنفس؛ رفع يده للأعلى، فطار جسد كريس في الهواء مقيداً بالسلاسل، ثم ارتطم بالأرض بقوةٍ جعلت الرخام يتفتت كالهباء.

‏كرر إدريان الأمر مراراً.. يرفعه ثم يحطمه، يميناً ويساراً، كأنه يفرغ كل غضبه وحزنه على جثث أصدقائه في جسد هذا الخائن. كان صوت ارتطام كريس بالأرض يتردد كدقات طبلٍ حربي.

‏وفي الضربة الأخيرة التي كانت كفيلة بتحطيم عظام أي كائنٍ حي، فعل كريس شيئاً غير متوقع.

‏وسط الارتطام، تحول جسد كريس إلى دخانٍ بنفسجي، وخرج من بين حلقات السلسلة بانسيابيةٍ مرعبة، ليعيد تشكيل جسده على بعد خطوات،

‏واقفاً بثباتٍ وبرود تام، وكأن كل ما حدث لم يكن سوى نزهةٍ بسيطة. نظر إلى ثيابه الممزقة قليلاً، ثم رفع عينيه نحو إدريان.

‏"جيد جداً.." همس كريس بصوتٍ يقطر استهزاءً، " أنت تتجرأ على مهاجمتي بهذه السلاسل الصدئة؟ "

‏في تلك الأثناء، نهض روبيرت بصعوبة، متكئاً على يده المرتجفة، وصدمةٌ كبيرة تملأ وجهه وهو يرى إدريان يقف أمامه.

‏"إدريان!.. لماذا؟ " سعل روبيرت دماً، وتابع بصوتٍ واهن: "كان يجب أن تهرب.. اذهب وساعد زملائك، أو انجُ بنفسك.. هذا القتال ليس لك. "

‏التفت إدريان قليلاً نحو أستاذه، وارتسمت على وجهه المتعب ابتسامةٌ حزينة لكنها صلبة كالفولاذ.

‏"اعتذر منك يا أستاذ.." قال إدريان وهو يشد سلاسله التي بدأت تتوهج بسوادٍ داكن يمتص كل ضوءٍ محيط، "لكن هذا اللعين قد بدأ جحيماً لا ينتهي إلا بموته. سأقتله أولاً.. "

‏ساد صمتٌ ثقيل، لم يقطعه سوى أزيز الهواء المحترق حول جسد روبيرت وصوت "جر" السلاسل المعدنية خلف إدريان. انطلق كريس من جديد بأعين مشتعلة كان كأنه ينزلق فوق نسيج الواقع، مخلفاً وراءه شقوقاً أرجوانية في الفضاء.

‏وصل كريس إلى مدى ذراع إدريان في رمشة عين. سدد لكمةً مغلفة بـ "مانا غاسقة" كانت تستهدف قلب إدريان مباشرة. تحرك روبيرت بجسده المتهالك، مرتمياً في مسار الضربة؛

‏اصطدمت قبضة كريس بساعد روبيرت المشتعل، فسمع الجميع صوت تفتت العظام تحت ضغط الظلام. زأر روبيرت ألما، لكنه لم يتراجع، بل أطلق انفجاراً نارياً من صدره في وجه كريس مباشرة.

‏تراجع كريس برأسه مليمترات، لتمر النار بمحاذاة شعره الأحمر، وفي تلك اللحظة.. تحركت الأرض.

‏من تحت أقدام كريس، انبثقت عشرات السلاسل الدقيقة، تلتف كخيوط العنكبوت حول كاحليه. لم تكن سلاسل غليظة، بل كانت حادة كالشفرات. قفز كريس في الهواء لتجنبها، لكنه وجد إدريان ينتظره؛

‏كان إدريان يمسك بطرفي سلسلةٍ طويلة، وبحركةٍ لولبية سريعة، ألقاها لتطوق عنق كريس في منتصف الهواء.

‏"أمسكت بك،" همس إدريان، وعيناه تشعان ببريقٍ بارد.

‏شعر كريس بضغط الفولاذ المغطى بالكامل على حنجرته، لكنه لم يرتعب. وبدلاً من محاولة فك السلسلة بيده، أطلق "نبضة مانا" عكسية من عنقه، فاهتزت السلسلة بعنف. وفي لمح البصر،

‏استغل كريس قوة الارتداد ليدور حول نفسه، ساحباً إدريان خلفه بقوة السلسلة ذاتها. ارتطم جسد إدريان بعمود رخامي ضخم، فتحطم العمود إلى أشلاء، لكن السلسلة لم تفلت من يده.

‏نهض إدريان من وسط الغبار، وسحب السلسلة بقوةٍ جعلت كريس يترنح في الهواء. وفي تلك اللحظة، تدخل روبيرت مجدداً؛ قفز الأستاذ عالياً، جامعاً كل ما تبقى من "نار القمة" في قبضتيه، وهبط كنيزكٍ ملتهب نحو كريس المقيد.

‏طااااااااخ!

‏كان الانفجار هائلاً، غطى الدخان الأبيض والأسود ساحة المعركة. كان كريس يصد قبضة روبيرت المشتعلة بيده اليمنى، بينما يده اليسرى كانت تشد السلسلة التي يحاول إدريان سحبه بها.

‏كان المشهد أشبه بصراع آلهة؛ رجلٌ واحد يواجه ضغط "النار المطلقة" من جهة، و"السلاسل الروحية" من جهة أخرى.

‏كان كريس يبتسم، رغم أن الدماء بدأت تسيل من أنفه بسبب الضغط المزدوج. وبحركةٍ تقشعر لها الأبدان، ضخ كريس كمية مرعبة من المانا الشيطانية في السلسلة التي يمسكها. تلونت حلقات السلسلة باللون البنفسجي، وانتقلت الطاقة كتيار كهربائي أسود نحو جسد إدريان.

‏شعر إدريان ببرودة الموت تخترق روحه عبر السلسلة. اهتز جسده، وبدأ يسعل دماً غامقاً، لكنه شد قبضته أكثر. "قد لا تعلم ذالك لكن هي مرتبطة بروحي.. وأنا لن أفلتها حتى لو موت قبلها!"

‏تجمعت مئات السلاسل الأخرى من حول كريس، لتبدأ بضربه من كل اتجاه كأنها مئات السياط الحديدية. كان كريس يتجنب أغلبها بحركات بهلوانية مستحيلة، يميل برأسه،

‏يرفع قدمه، يصد بساعده، وكان يفعل كل ذلك وهو لا يزال يشتبك مع روبيرت في صراع قوة. كان قتالاً من "طرف واحد" ذهنياً؛ كريس كان يتلاعب بهما كما يتلاعب عازف البيانو بأوتاره.

‏بضربةٍ قوية من ركبته، أبعد كريس روبيرت عنه، ثم قبض على السلسلة الضخمة التي تربطه بإدريان بكلتا يديه. سحبها بقوةٍ مذهلة، ليجبر إدريان على الاندفاع نحوه. وعندما صار إدريان على بعد إنشات، همس كريس ببرودٍ يذيب العظام:

‏"أنت تتحدث عن الروح وكأنك تملك واحدة.. "

‏اشتعلت يدا كريس بظلامٍ سائل، وبدأ يغرس أصابعه في حلقات السلسلة، وكأنه يحاول الوصول إلى "جوهر" إدريان عبرها.

‏ كانت السلاسل تصرخ برنينٍ معدني حزين، وكان إدريان يرتجف، وعيناه بدأت تفقد ألوانها وتتحول إلى الرمادي الباهت، كأن الحياة تُسحب منه ببطء.

‏" اعتذر منك يا سيد أحمق.." قال إدريان بأسنانٍ مشدودة، بينما بدأت السلاسل تلتف حول جسد إدريان نفسه لتمنحه درعاً يائساً، "لكن روحي.. ليست للبيع."

‏وفي اللحظة التي بدأت فيها ملامح إدريان تذبل، انفتحت عيناه على وسعهما بومضةٍ زرقاء برقية ثم حدث انفجاراً صامتاً للمانا الروحية.

‏"طااااااااخ!"

‏انفجرت السلاسل فجأة بطاقة كهربائية زرقاء، لم تكن سحراً عادياً، بل كانت مانا السلاسل نفسها التي ثارت للدفاع عن صاحبها. انطلقت الصاعقة عبر الحلقات المعدنية لتضرب كفي كريس مباشرة،

‏مما أجبره على إفلات السلسلة لأول مرة منذ بدء النزاع. تسببت موجة الارتداد في دفع الجسدين بعيداً عن بعضهما؛ تراجع كريس خطواتٍ رشيقة، واضعاً قدمه خلفه ببرود ليثبت جسده،

‏بينما كان ينظر إلى كفيه اللتين انبعث منهما دخانٌ خفيف بملامح تخلو من الألم، بل تمتلئ بالفضول

‏أما إدريان، فقد اندفع إلى الوراء بعنف، كأنه قذيفةٌ حطمت ما تبقى من أعمدة الرخام خلفه. سقط على ركبتيه، وصدره يعلو ويهبط بجنون، بينما كانت السلاسل من حوله ترتجف وتصدر أنيناً معدنياً منكسراً.

‏لم يكن ذلك الانفجار "هجوماً" بالمعنى التقليدي، ولم يقصد إدريان به إصابة كريس؛ فقد أدرك بوضوحٍ مرير أن الهجوم على هذا الوحش هو انتحارٌ محض في حالته الراهنة.

كانت تلك الكهرباء الروحية مجرد "درع يائس"، وسيلة لخلق مسافة، صرخة انسحابٍ اضطرارية قبل أن تُسحب روحه بالكامل إلى داخل جوف كريس المظلم.

‏وقف إدريان يلهث، والدم يقطر من أصابعه التي تلونت بالسواد من أثر مانا كريس، ونظر إلى الأستاذ روبيرت المنهار بجسده المحطم كانت الحقيقة واضحة كالشمس وسط هذا الخراب: هم لا يقاتلون شخصاً عادي بل يقاتلون هاويةً تمشي على قدمين.

2026/03/31 · 13 مشاهدة · 1375 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026