‏ساد صمتٌ ثقيل لم يقطعه إلا صوت أنفاس إدريان المتقطعة، وصوت دماء الأستاذ روبيرت وهي تقطر بانتظام على الرخام البارد، كأنها دقات ساعة رملية تعلن نفاد الوقت.

‏ كان كريس واقفاً هناك، غبار المعركة يحوم حوله كأنه رداءٌ ملكي، وعيناه الأرجوانيتان لا تزالان تحتفظان ببرودهما المرعب، رغم الشرر الكهربائي الذي خلفه انفجار إدريان الروحي على كفيه.

‏التفت روبيرت ببطء نحو إدريان، كان وجهه لوحة من الألم والفخر الممتزجين. سعل دماً، ثم رسم ابتسامةً شاحبة غطتها جروحٌ غائرة.

‏"أنت موهوب.. يا إدريان،" همس روبيرت بصوتٍ يحمل وقار الموت. "رأيتُ في سلاسلك قبل قليل ما لم أره في مقاتلٍ من رتبتك قط. ليس من العدل..و ليس من الجيد أن تذبل زهرةٌ مثلك هنا، "

‏" في هذا الممر المظلم. اهرب.. اذهب الآن، سأحاول تغطية انسحابك بما تبقى في عروقي من نار."

‏شد إدريان قبضته على سلاسله، لترتجف الحلقات المعدنية برنينٍ حزين، ونظر إلى أستاذه بعينين تشعان ببريقٍ عنيد لا ينكسر.

‏"كلا.. يا أستاذ،" رد إدريان، وصوته يخرج كفحيح الأفعى الجريحة. "لقد سئمتُ من الهرب، وسئمتُ من رؤية الظهر الذي يحميني وهو يتحطم. إذا كان الفناء هو المكتوب في نهاية هذا الرواق.. فسوف نموت معاً ."

‏في تلك اللحظة، وقبل أن ينطق كريس بكلمةٍ استهزائية، اهتزت جدران الأكاديمية بعنف. لم يكن اهتزازاً عادياً، بل كان "زئيراً للأرض" نفسها.

‏"سجن الصخر الأبدي!"

‏صوتٌ مألوف انشق عنه الهواء، وفجأة، ارتفعت من تحت أقدام كريس أعمدة صخرية ضخمة، تتشابك بسرعةٍ إعجازية لتشكل قبةً فولاذية البناء، تحيط بكريس من كل جانب، وتطبق عليه في شرنقةٍ من الحجر المقدس.

‏ظهر **مايك**، وعروقه تبرز في جبهته من شدة التركيز، يداه مغروستان في الأرض وكأنه يضخ حياته في هذا السجن الصخري. "لقد وصلنا في الوقت المناسب!" صرخ مايك بنبرة يملؤها التوتر.

‏من خلف القبة، تناهى صوت تنهيدةٍ هادئة وباردة. صوت كريس."تباً.. ضيوف غير مرحب بهم من جديد. ألا ينتهي هذا الطابور من الأطفال اليائسين؟"

‏**طااااااااخ!**

‏انفجرت القبة الصخرية من الداخل إلى الخارج، وتطايرت الأشلاء الحجرية كالقذائف. خرج كريس من وسط الغبار، لكنه لم يجد ثانيةً واحدة لالتقاط أنفاسه.

‏"تنين الصاعقة.. الافتراس!"

‏"إعصار الحطام الجوي!"

‏انطلق **كايزر** كالسهم، وجسده مغلفٌ بمانا زرقاء ساطعة شكلت رأس تنينٍ ضخم من البرق الصافي، بينما أطلق **مايكل** عاصفةً دورانية عملاقة، مزجت ضغط الهواء بشظايا الرخام المحطم.

‏ اصطدم الهجومان بكريس في آنٍ واحد، مما أحدث دوياً زلزل الأكاديمية بالكامل، وانبعث ضوءٌ أبيض غطى الرؤية للحظات.

‏في تلك الأثناء، شعرت يد إدريان وروبيرت ببرودةٍ لطيفة تلامس جروحهم. ظهرت **ليا** خلفهم، يداها تشعان بنورٍ أصفر ذهبي. لم تكن هناك حاجة للكلام؛ كانت دموعها تنهمر وهي ترى حالة الدمار حولهم

‏لكن يداها ظلتا ثابتتين وهي تغلق الجروح المفتوحة وتعيد المانا إلى أجسادهم المنهكة.

‏تبدد الدخان ببطء.. وظهر كريس.

‏كان لا يزال واقفاً. ثيابه تمزقت أكثر، وظهرت بعض الكدمات على ساعديه، لكنه بدأ يضحك. لم تكن ضحكةً عادية، بل كانت ضحكة جنونٍ تقطر استهزاءً.

‏"جيد جداً.. أيها الأطفال،" قال كريس، وعيناه تتسعان ببريقٍ شيطاني. "الم يقل لكم أحدٌ من قبل أن لا تقاطعوا من هم أكبر منكم سناً؟ يبدو أن هذه الأكاديمية لم تنجح في تعليمكم الأدب أو تقدير الفوارق."

‏خطا خطوةً للأمام، فتشققت الأرض تحت قدمه بفعل هيبته المظلمة. "بصفتي شخصاً بالغاً، يقع على عاتقي اليوم تعليمكم بعض الدروس التي ستأخذونها معكم إلى القبور."

‏" والدرس الأول هنا: أن قوة الصداقة الحمقاء والتعاون الذي تتبجحون به.. مجرد تفاهاتٍ ورماد، لا قيمة لها أمام القوة الحقيقية التي تسحق الواقع."

‏تراجع الثلاثة (مايك، كايزر، مايكل) خطوةً لا إرادية للخلف؛ كانت الهالة التي تنبعث من كريس الآن قد تضاعفت، وكأن الظلام نفسه بدأ يبتلع الضوء في الممر.

‏نهض الأستاذ روبيرت ببطء، مدعوماً بعلاج ليا، لكنه كان يعلم الحقيقة التي لا يريد الأبطال رؤيتها. نظر إليهم وقال بصوتٍ هادئ:

‏ "جميعكم تطورتم.. وصلتم لرتبة B، وهذا إنجازٌ عظيم.. لكن، حتى بهذا المستوى، لن نستطيع الفوز عليه. هو ليس بشراً الآن هو كارثة تمشي "

‏أغمض روبيرت عينيه، وأخذ نفساً عميقاً، وفجأة.. بدأ الهواء من حوله يتوهج باللون البرتقالي القاتم. "سأقتله ... وسأكون أنا الثمن."

‏بدأ جسد روبيرت يتغير. لم تعد النار تخرج منه، بل بدأ جسده نفسه "يتحول" إلى مادة سائلة ملتهبة. جلده أصبح كالقشرة البركانية السوداء التي تتشقق لتكشف عن حممٍ تغلي في الداخل.

‏ ارتفعت حرارة الممر لدرجة أن الرخام بدأ يذوب، وتحولت المانا الخاصة به إلى نار الحمم المطلقة، محرقاً طاقة حياته بالكامل ليتحول إلى كتلة حممٍ بشرية.

‏تراجع الجميع بصدمة، حتى كريس.. لأول مرة، تقلصت حدقتا عينيه، وظهر مسٌ من التوتر على ملامحه. شعر أن الحرارة التي تنبعث من روبيرت الآن قادرة على صهر حتى السحر المظلم.

‏"يا أطفال،" قال روبيرت، وصوته الآن يشبه هدير البركان. "أنتم هم الدرع الأخير. لو عبر هذا الوحش وحصل على البلورة.. فلا أعلم أي جحيمٍ سيحل بالعالم. أنتم الأمل.. ساعدوني للمرة الأخيرة، لنخلق ثغرةً في جدار هذا الظلام!"

‏تحركت ليا فوراً، ورسمت دائرةً سحرية عملاقة غطت الفريق بالكامل، لتضخ فيهم طاقة تجددٍ مستمرة لمواجهة الحرارة والضغط

‏كايزر، تحول جسده بالكامل إلى "كتلة من الكهرباء الوحشية" الزرقاء التي تزيز بقوة.

‏مايكل، جعل الرياح تدور حوله بجنون كأنه مركز إعصارٍ هادم.

‏مايك، شكل حوله درعاً صخرياً مغلفاً بطبقات من الجرانيت المقدس.

‏أما إدريان.. فقد التفت السلاسل حول ذراعيه، واشتعلت بكهربائه الروحية الزرقاء، لتبدو كأنها أفاعٍ جائعة.

‏"الآن!" صرخ روبيرت.

‏اندفع الجميع في هجومٍ انتحاري موحد، تقوده كتلة الحمم البركانية التي كانت يوماً أستاذاً عظيماً، بينما كريس يرفع يديه، مجمعاً كل ظلام العالم لمواجهة هذا الهجوم الذي سيقرر مصير هذه المعركة

‏تحول الممر إلى ساحة رقصٍ مع الموت. السلاسل الكهربائية التي أطلقها إدريان لم تكن مجرد معدن، بل كانت خيوطاً من الروح تتلوى كالأفاعي المشحونة، انطلقت بسرعة البرق لتطبق على ذراع كريس اليمنى.

‏ كان الرنين المعدني الممزوج بزيز الكهرباء يملأ الفضاء، لكن كريس لم يبدِ أي مقاومة؛ كان يحرك يده المقيدة بسلاسة مرعبة، وكأنه يجر خلفه ألعاباً من ورق لا سلاسل فولاذية.

‏في تلك الأجزاء من الثانية، اندفع مايك كالجبل الساقط، قبضته المغطاة بطبقات الجرانيت المقدس كانت كفيلة بسحق حصنٍ كامل، لكن كريس، بحركة انسيابية تكسر قوانين الفيزياء،

‏مال بجسده ليمر الهجوم بمحاذاة وجهه. ولم يكتفِ بالتجنب، بل تحولت يده اليسرى في لمحة عين إلى نصلٍ غاسق، خنجر من الظلام الخالص كاد أن يشطر جسد مايك لولا تدخل كايزر.

‏انفجر كايزر كقنبلة موقوتة، مفعلاً مهارة "ضربات البرق المئة". كان يتحرك كشبح أزرق، لكمات مشحونة بالبرق الأزرق نحو صدر كريس،

‏وبجانبه كان مايكل يرقص مع الرياح، محولاً الهواء من حوله إلى شفرات غير مرئية تقطع الرخام كأنه زبدة. كان الهجوم رباعياً، منسقاً، ويائساً.

‏مايك، الذي استعاد توازنه، أطبق بذراعه الصخرية على يسار كريس محاولاً شل حركته تماماً. في تلك اللحظة، اتسعت ابتسامة كريس.. كانت ابتسامة وحش يرى فرائسه يبذلون قصارى جهدهم قبل السقوط.

‏ انبثق من خلفه ظلام بنفسجي كثيف، تشكل كأذرع أخطبوط عملاق، شبح من المانا الغاسقة كان على وشك تمزيقهم جميعاً في طرفة عين لكن... كان هذا كل ما يحتاجه روبيرت.

‏انشق الغبار عن كتلة من الصهر المستعر. لم يعد هناك أثر للرجل الذي كان يسمى روبيرت؛ بل صار "نيزكاً" بشرياً من الحمم التي تغلي فوق درجة الغليان. انطلق بجسده المتهالك، وأطبق بكلتا يديه المشتعلتين على صدر كريس وخصره.

‏ساد صوت "شواء" مرعب، رائحة احتراق المانا واللحم ملأت المكان. صرخ كريس بغضب لأول مرة، ملامحه المتغطرسة تشوهت بفعل الألم الحارق وهو يشعر بحمم روبيرت تخترق جسده

‏نظر روبيرت إليه بعينين ذائبتين كذهبٍ مصهور، وضحك بابتسامة جنونية مدمية:"دعنا نذهب للجحيم معاً.. أيها الطالب المشاغب."

‏"تراجعوااااا!" صرخ إدريان وهو يسحب رفاقه بكل ما بقي له من قوة.

‏طااااااااااااااااااااااااخ!

‏انفجارٌ لم تشهد الأكاديمية له مثيلاً. لم يكن صوتاً، بل كان زلزالاً محا نصف المبنى من الوجود. غيمة من الحمم والدخان الأسود غطت الأفق، وتطاير الحطام كشظايا بركانية غاضبة.

‏ساد سكونٌ جنائزي بعد الانفجار. لتضهر حفرة عملاقة من الصهر والرماد، كان الأبطال مبعثرين كدمى محطمة بعيده مايك سقط بجسدٍ متهشم،

‏درعه الصخري تحول إلى تراب وهو يصارع لالتقاط أنفاسه الأخيرة. كايزر ومايكل وإدريان، كانت أجسادهم مغطاة بحروق من الدرجة الثالثة، يرتجفون وسط الغبار والدم.

‏وحدهـا ليا، التي قذفتها موجة الارتداد بعيداً، كانت في حالة تسمح لها بالحركة. زحفت برعب نحوهم، يداها المرتجفتان تحاولان إطلاق مانا علاجية باهتة وسط اليأس المطلق.

‏ثم.. حدث الشيء الذي جمد الدماء في عروقهم.

‏من وسط قلب الحفرة، من بين حمم اللهب التي لا تنطفئ، بدأ شيءٌ ما بالتشكل. كان كتلة مشوهة من اللحم والظلام، بقايا جسد لا ينبغي أن ينجو بدأت كخيوط من الظلام البنفسجي، تشبه خيوط العنكبوت، تنسج نفسها بسرعة إعجازية فوق العظام المحطمة واللحم المحترق.

‏ببطءٍ قاتل، اكتمل نصف وجهه.. ثم شعره الأحمر القاني الذي بدا كأنه مغسول بالدماء. وقف كريس وسط الحمم وكأنها مياه باردة. لم ينظر حتى إلى جراحه التي تلتئم؛ كانت عيناه مثبتتين على الأفق.

‏مشى بخطوات هادئة، يمر بجانب أجسادهم المحطمة وكأنهم حشرات لا تستحق السحق. وصل إلى جانب ليا، التي تجمدت في مكانها، عيناها متسعتان من الرعب، وأنفاسها محبوسة في صدرها.

‏انحنى كريس قليلاً، وهمس بصوت مشوه، عميق، يخرج من حنجرة لا تزال ترمم نفسها، صوت تردد في أركان الممر المحطم ليسمعه الجميع "انتهى الدرس.. يا أطفال."

‏ساد صمت مرعب، قبل أن يتابع ببرود يذيب العظام:

‏" ربما في لقائنا القادم، سأعلمكم الدرس الثاني.. لكن الآن، أنا منشغلٌ حقاً.. ولا بد أن السيد سيفر قد نفد صبره الآن."

‏ترك خلفه رائحة الموت والكبريت، واختفى في عتمة الممرات المنهارة، تاركاً إياهم محطمين، ليس فقط جسدياً، بل في أعماق أرواحهم، بعد أن أدركوا أن تضحية أستاذهم لم تكن سوى تأخير بسيط لوحشٍ لا يقهر.

2026/03/31 · 15 مشاهدة · 1529 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026