نعود إلى جانب بفر
وسط الأنقاض التي لا تزال تهتز من أثر الصدامات السابقة، وقف بُفر كطودٍ من الفولاذ والعظام. لم تكن هناك خدشة واحدة تزين درعه العظمي المنيع؛ سحب فأسه الثقيل فوق الحطام محدثاً صريراً يمزق الأعصاب، ثم رفع بصره المحتقر نحو الأساتذة وآرثر وقال بنبرةٍ باردة:
"ممتعون.. حقاً ممتعون. لكن تسليتكم هذه لا تملك الثقل الكافي لانتزاع حياتي. هجماتكم ليست سوى تأخيرٍ مهذب لموتكم المحتوم."
تبادل مايكرو وفارون نظراتٍ جليدية؛ كان الغبار يغطي وجوههما المنهكة، لكن الإرادة في أعينهما لم تنطفئ. همس فارون بصوتٍ أجش: "مايكرو.. هجماتنا لن تجدي نفعاً. نحتاج إلى ضربةٍ مشتركة واحدة، حتى لو لم تسقطه، يجب أن تترك ندبةً تعيد ترتيب موازين هذه المعركة."
أومأ مايكرو بصمت، وبدأت الرياح تدور حول جسده بسرعة جنونية، محولةً الهواء من حوله إلى شفرات غير مرئية تصرخ بحدة. وفي تلك اللحظة، ركز فارون كل ذرة من كيانه في نصل سيفه
فجأة، انبعثت من السيف طاقة غريبة، ليست سحراً عادياً ولا عنصراً طبيعياً، بل كانت تتدفق كدخانٍ فضي كثيف يغلف النصل برهبةٍ صامتة.
اتسعت عينا آرثر وهو يراقب المشهد بذهول، وتمتم في سره: 'هالة السيف.'
التفت فارون نحو آرثر ونطق بصرامة: "آرثر! استجمع كل ما تبقى في جوفك.. نحتاج لهجوم قوي مجدداً رد آرثر بحزم: "علم، أيها الأستاذ."
رفع بير يديه عالياً، وانبثقت منهما مانا زرقاء ملكية غلفت الجميع، مانحةً أجسادهم المنهكة دفعةً أخيرة من القوة والتحمل. ابتسم بُفر من خلف خوذته، ولم يبدِ أي علامة على القلق،
بل قال بتهكم: "رائع.. كنت أظنكم ستبحثون عن جحرٍ للاختباء، لكنكم اخترتم الموت وقوفاً."
انطلق فارون ومايكرو كالقذائف. اصطدم سيف فارون المغطى بـهالة السيف بفأس بُفر؛ شعر الوحش لأول مرة بثقلٍ مختلف، ضغطٌ يخترق المادة ليصل إلى الجوهر.
"هالة السيف؟" زمجر بُفر وهو يشدد قبضته، "من كان يظن أن محارباً مثلك يلامس هذا المستوى؟ لكنها هالة ناقصة وغير مكتمله لن تصمد طويلاً أمام حقيقة قوتي!"
ضغط بُفر بقوة هائلة أجبرت فارون على الركوع على ركبة واحدة، بينما تشققت الأرض تحت قدميه بعمق أمتار. وفي تلك اللحظة، ظهر مايكرو من الجانب، مرسلاً عاصفةً مدمرة من راحة يده استهدفت رأس بُفر.
تراجع بُفر بخفة غير متوقعة ليتجنب الضربة، ثم اندفع بسرعة خاطفة مصطدماً بصدر فارون، مما جعله يغوص أكثر في الرخام المحطم.
استدار بُفر نحو مايكرو الذي حاول المناورة، ومر نصل الفأس بإنشات قليلة من رأس الأستاذ. وفي حركة غادرة، انبثقت ظلال بنفسجية من الأرض قيدت أقدام مايكرو، لكنه فجر إعصاراً حول جسده ليحطم القيود.
حاول مايكرو سحب بُفر داخل دوامة هوائية عنيفة، لكن الصدمة كانت صاعقة؛ بُفر لم يطر، ولم ينجرف، بل ارتفع جسده بضع سنتيمترات فقط، ثابتاً كالجبل وسط العاصفة.
شعر مايكرو ببرودة الموت وهي تقترب مع نصل الفأس المتجه لعنقه، لكن فارون انفجر مجدداً؛ اندفع بسيفه المشحون بالهالة، مسدداً ضربةً جانبية أصابت خاصرة بُفر بقوة هزت المكان.
استغل مايكرو الثغرة، وشكل مانا الرياح على هيئة سهمٍ ضخم يدور بسرعة البرق، يسحب معه كل الحطام والركام في الساحة. ومن خلفه، انطلق آرثر بهجوم "تنين النور الفضي الكامل".
وفي لحظةٍ من التناغم الأسطوري، اندمج تنين آرثر مع سهم مايكرو الإعصاري، ليتشكل "تنين العاصفة الفضي الكامل"؛ كيانٌ من النور والرياح القاطعة زأر في أرجاء الأكاديمية قبل أن يصطدم بصدر بُفر الذي كان لا يزال يترنح من ضربة فارون.
وقع انفجارٌ هائل، وموجات من الضوء والريح مزقت كل ما تبقى من الساحة حولهم. طار بُفر إلى الخلف بقوة خرافية، محطماً عشرات الجدران الرخامية في طريقه حتى غاب عن الأنظار خلف سحب الغبار الكثيفة.
ساد صمتٌ طويل.. الأبطال يلهثون، ودماء فارون تقطر على الأرض، وأعينهم معلقة بالخراب الذي خلفه الهجوم. وبينما بدأ الأمل يتسلل إلى قلوبهم بأن هذا الوحش قد انتهى أو تاذر قليلا
بدأ ظلٌ يتحرك وسط الغبار البعيد. وببطءٍ شديد، وبخطواتٍ مستقيمة وهادئة بشكلٍ مرعب، ظهر بُفر من جديد. كان يمشي بثبات، ولم يكن يترنح أو يمسك جرحاً؛ وكأن ذاك الهجوم الذي استنزف أرواحهم لم يكن سوى ريحٍ عابرة لم تؤثر في كبريائه أبدأ.
لكن حالما ظهر جسد بفر بالكامل من وسط حطام الجدران، كان المشهد مرعباً لدرجةٍ تجمدت معها الدماء في العروق. لم يعد ذاك الجبل الذي لا يطاله خدش؛ فدرعه العظمي العظيم الذي كان يوماً رمزاً للمناعة أصبح الآن متشققاً بالكامل، تملؤه تصدعاتٌ عميقة تنزف مانا سوداء لزجة نتيجة هجوم فارون ومايكرو و ارثر بدعم بير
أما الجزء الأكثر رعباً، فقد كان نصف خوذته؛ لقد تدمرت تماماً تحت وطأة الهجمات السابقة وتحولت إلى فتاتٍ أسود يتساقط في كل خطوة يخطوها نحوهم. ومع كل حركة، كانت بقايا المعدن العظمي تتفتت وتتهاوى فوق الأنقاض،
كاشفةً عن جزءٍ من وجهه المشوه الذي لا يشبه البشر ولا الشياطين. كان يمشي بخطواتٍ مستقيمة وهادئة بشكلٍ مرعب، وكأن جسده المحطم يرفض الانكسار، بينما يتساقط حطام خوذته خلفه كأنه رمادٌ منسي في مهب الريح.
ساد سكونٌ لزج، سكونٌ لم يكسره سوى فحيح البخار الأسود المنبعث من جروح بُفر المفتوحة. وقف الأربعة في حالة ذهول؛ الهواء من حولهم صار ثقيلاً، مشبعاً برائحة النحاس والجلد المحترق. كانت المانا في أجسادهم تئن، ونواتهم السحرية تكاد تتشقق من فرط الإجهاد.
نظر **بُفر** إلى قطع خوذته المتناثرة تحت قدميه كأنها بتلات وردٍ ذابلة. وبحركةٍ بطيئة ومستفزة، رفع يده الضخمة ومسح السائل الأسود الذي يسيل من شق وجهه المشوه. لم تكن عينه الخضراء الباقية تلمع بالجنون فحسب، بل كانت تعكس قروناً من العذاب المصبوب في جسدٍ واحد.
"هل ترون هذا؟" نطق بُفر، وصوته لم يعد خشناً فحسب، بل صار متعدداً، كأن مئات الأرواح المعذبة تتحدث من خلال فمه المليء بالأنابيب المعدنية. "هذا هو الثمن.. ثمن هذه القوة التي املكها أنا لستُ شيطاناً وُلد من العدم فقط أنا نتاجُ آلاف التجارب والعذاب بسببكم انتم أيها البشر"
لم يترك **فارون** لخصمه ترف الخطابات الجنائزية. وبخطواتٍ وئيدة، جرّ سيفه فوق الرخام، محدثاً صريراً حاداً يمزق الأعصاب. انفجرت مانا دمه مرة أخرى، لكن هذه المرة لم تكن حمراء فحسب، بل كانت تميل للسواد؛ مانا "الاحتراق الذاتي".
انطلق فارون، لكن حركته كانت غريبة، كانت "بطيئة" بشكلٍ مقصود ليضلل حواس بُفر. وفي اللحظة التي رفع فيها بُفر فأسه،
اختفى فارون من أمامه ليظهر من تحت ظله، موجهاً طعنةً استهدفت الأنابيب النحاسية المغروسة في رقبة بُفر.
*صرير معدني حاد!*
تصدى بُفر للطعنة بذراع درعه، لكن فارون لم يتراجع؛ بل ثبت قدمه الوحيدة في الأرض، وبدأ يضغط بكل ثقله. وفي تلك الأجزاء من الثانية،
تلاقت أعينهما؛ رأى فارون في عين بُفر وميضاً من ذكرى قديمة.. ذكرى طالبٍ كان يرتدي نفس زي الأكاديمية قبل عشرات السنين."أنت.. كنتَ واحداً منا؟" همس فارون بذهول وهو يبصق دماً.
لم يجب بُفر، بل ركله بقوةٍ جعلت عظام صدر فارون تصدر صوتاً يشبه تحطم الأغصان اليباب، ليطير فارون بعيداً ويرتطم بحطام الساحة
**إعصارُ المانا المحرمة:**
في تلك الأثناء، كان الأستاذ **مايكرو** قد وصل إلى ذروة تركيزه. أصبح هو نفسه مركزاً لإعصارٍ شفاف. بدأ بير يرسم في الهواء رموزاً محرمة بلونٍ أزرق باهت، رموزاً تستنزف سنواتٍ من عمره مقابل كل ثانية من أجل دعم وزيادة قوى رفاقه
"سجنُ الرياحِ الأبدية!" صرخ مايكرو، وانطلقت من يديه خيوطٌ غير مرئية من الرياح القاطعة، التفّت حول أطراف بُفر كالأغلال. تجمدت حركة الوحش لثوانٍ، وبدأ جسده المشوه ينزف بغزارة تحت ضغط الرياح التي كانت تحاول تمزيق لحمه عن عظمه المعدني.
استغل الأستاذ **بير** هذه الفرصة، ووضع يديه على الأرض المحطمة. "انفجارُ النواةِ السفلية!" تفجرت الأرض تحت قدمي بُفر،
وانبثقت منها أعمدة من الطاقة الفيروزية الصرفة التي ضربت مفاصل درعه العظمي المحطم، مما جعل بُفر يسقط على ركبته الواحدة لأول مرة في المعركة.
**نورُ النهايةِ والوجهُ الجحيمي:**
وسط هذا الحصار، تقدم **آرثر**. لم يكن يركض، بل كان يمشي بخطواتٍ ثقيلة، وسيفه يفيض بنورٍ ذهبي لم يعد ينتمي لهذا العالم. كانت الهالة من حوله تشكل أجنحة ملاكٍ محطم، وعيناه الزرقاوان استحالتا إلى اللون الأبيض الخالص.
"انتهى الأمر.. يا من فقدتَ إنسانيتك،" قال آرثر بنبرةٍ هادئة ومرعبة في آنٍ واحد.
رفع آرثر سيفه عالياً، واجتمعت كل رياح مايكرو، وسحر بير، وعزيمة فارون الساقط، في نصل سيفه. انطلق آرثر كصاعقةٍ من النور المطلق، مستهدفاً قلب بُفر المكشوف بين شقوق الدرع.
*انفجارٌ كوني صمّ الآذان!*
اصطدم السيف بصدر بُفر، وحدث انفجارٌ ضوئي غطى الأكاديمية بالكامل، محولاً الليل إلى نهارٍ زائف. وفي قلب الضوء، وقع ما لم يكن في الحسبان.
تحطمت بقايا خوذة بُفر بالكامل، وتطايرت الأجزاء العظمية كشظايا زجاجية. ومع زوال القناع، برز الوجه المشوه بوضوحٍ مرعب تحت ضوء النور الذهبي.
كان النصف الأيمن من وجهه عبارة عن تجويفٍ عميق، تبرز منه تروسٌ معدنية تدور ببطء وتنزف زيتاً أسود ممزوجاً بالدم. عينه الخضراء كانت معلقة بخيوطٍ عصبية دقيقة،
بينما كان فمه المشوه، المليء بالأنابيب والأسلاك، ينفتح ليصدر صرخةً صامتة هزت نسيج الواقع. لم يكن مجرد تشوهٍ جسدي، بل كان "هندسةً شيطانية"؛ جسدٌ بشري تم تفكيكه وإعادة تركيبه ليكون وعاءً للألم.
تراجع آرثر ثلاث خطوات للوراء، وسيفه لا يزال يقطر نوراً، لكن قلبه انقبض من هول المنظر. نظر إليه بُفر بوجهه العاري والمشوه، وضحك.. ضحكةً لم تكن حيوانية هذه المرة، بل كانت ضحكة إنسانٍ فقد كل شيء، حتى حقّه في الموت.
"أتنظرون إليّ بقرف؟" سأل بُفر وهو يقف مجدداً ببطء، وعظامه المعدنية تصدر صريراً حاداً. "أنا لستُ سوى مرآتكم.. أنا المستقبل الذي ينتظر كل بطلٍ يظن أن القوة بلا ثمن."
أعاد بُفر إحكام قبضته الفولاذية على مقبض فأسه، منتصباً بجسده المحطم وسط ذهول الجميع. كان تركيزه حاداً كالمدية، غارقاً في نشوة قتالية مظلمة وهو يراقب علامات الرعب التي بدأت ترتسم بوضوح على وجوه خصومه المنهكين.
بالنسبة له، كانت هذه هي اللحظة المثالية لحصاد الأرواح.. لكنه لم يكن يعلم أن الموت نفسه كان يراقبه من زاويةٍ لا تصله إليها حواسه الشيطانية.
هنا حانت اللحظة.. هنا انبثقت الفرصة التي انتظرها ذاك القابع في ثنايا العتمة.
من قلب ظل بُفر المتراقص فوق الحطام، انسلّ جسدٌ بشري كأنه جزءٌ من نسيج الليل. لم يشعر بُفر بأي اهتزاز في المانا، ولم يصله صدى أي نفَس؛
كان ليوين يتحرك كخيالٍ ميت لا وجود له. وبسرعةٍ فائقة تجاوزت حدود الإدراك، برز خنجرا ليوين كأنياب أفعى، ليغرس أحدهما بعمقٍ وحشي في عين بُفر اليمنى.
سكووووت!
تجمدت ملامح بُفر في صدمةٍ لم يختبرها منذ قرون. لم تكن الصدمة من الألم فحسب، بل من الرعب الوجودي؛ لقد انطفأ نصف عالمه في طرفة عين. وقبل أن يتمكن الوحش من الاستدارة بجسده الضخم ليمزق هذا الدخيل، كان ليوين قد تراجع للوراء بخفةٍ مستخدم خطوة الضل تاركاً خلفه أثراً من السواد.
وفي منتصف تراجعه التكتيكي رفع ليوين خنجريه لتنفجر منها طاقةٌ غارقة في العتمة، صرخ بحدة: "غراب الظلام الأبدي!"
انطلق الهجوم على هيئة ظلٍ طائر يتوهج بسوادٍ مطلق، ليصطدم بقوةٍ زلزالية في ظهر بُفر المتفاجئ. ترنح الجبل العظمي إلى الأمام، وسُمع صرير تحطم درعه من الخلف، بينما كان ليوين يهبط على الأنقاض ببرودٍ جارح، وعيناه تراقبان فريسته التي فقدت بصرها