ساد صمتٌ خانق في أرجاء الساحة عقب ظهور و انفجار مهارة ليوين. الغبار الذي كان يرقص بفعل مانا بفر البنفسجية صار الآن أسوداً، ثقيلاً، وكأنه رمادٌ جنائزي.
الأستاذ بير، الذي أفنى عقوداً من عمره في سبر أغوار تصنيفات القوة وفلسفة المانا، شعر بقشعريرةٍ جليدية تخترق نخاعه الشوكي وتجمد أنفاسه.
لم يكن ذهوله نابعاً من قوة الضربات، بل من "الاستحالة" التي رآها؛ التفتت عيناه بحدة نحو الفراغ الذي انسل منه الفتى، وهتف في أعماقه بذهولٍ مرير:
'ليوين.. متى وكيف استطاع التسلل إلى ظل هذا الوحش دون أن ترصده حواس رتبة الـ SS-؟'
ثم، ولأول مرة منذ بداية المذبحة، التمعت في عينيه الباهتتين شرارةُ أملٍ استعاد بها اتزانه. قبض على يداه بقوة وهو يراقب إصابة بفر وتابع حديثه النفسي بنبرةٍ يملؤها الإصرار:
'كلا.. هذه ليس مهم الآن لقد منحنا هذه الفتى ليوين فرصةً لم تكن في الحسبان. إصابة العين اليمنى سوف يعيق هذه الوحش حتى لو كان قليلا. مع ظهور هذا الفتى الآن.. قد لا يقتل الوحش، لكنه حتماً سيقلب موازين القوه'
أما **فارون** و**مايكرو**، فقد تبادلا نظرةً يملؤها مزيجٌ من الصدمه والامتنان. كان ليوين يقف بظهره المنحني قليلاً،
وخنجره يقطر دماً شيطانياً أسود، يبدو كأنه ثقبٌ في نسيج الواقع؛ وجودٌ لا ينتمي لهذا المكان.
آرثر، الذي كان يرتكز على ركبته المحطمة، يحاول يائساً سحب الهواء إلى رئتيه الممتلئتين بغبار الرخام والدم، نظر إلى القامة السوداء الواقفة أمام بفر بذهولٍ شلّ حواسه عما حوله.
لم تكن الصدمة ناتجة عن قوة الضربة فحسب، بل من حقيقة أن "الهارب" قد عاد كمنقذ. تصارعت الأفكار في عقله المنهك كأمواجٍ هائجة: 'ليوين؟ كيف.. ولماذا هو هنا الآن؟'
اعتصر آرثر مقبض سيفه، وهو يتذكر كيف كان يظن في أعماقه أن ليوين قد غادر الساحة منذ اللحظات الأولى للهجوم،
هارباً بجلده مثل ماحدث في مدينة اوروك شعر آرثر بلسعةِ خجلٍ اخترقت كبرياءه؛ فبينما كان هو يواجه الموت علانية بجسدٍ متمزق، كان ليوين يحيك خيوط النهاية من قلب الظل.
'كنت أظن أنه تركنا.. كنت أظنه جباناً يخشى المواجهة،' فكر آرثر وهو يراقب بفر يتخبط بصرخات الألم الشيطانية،
'لكنه لم يهرب.. لقد كان ينتظر تلك الثانية الواحدة التي يخفض فيها بفر دفاعاته بشكل كامل'
"لا تقفوا هكذا كالأصنام!" صرخ فارون فجأة، وصوته يخرج مبحوحاً من بين ضلوعه المحطمة. "الوحش لم يمت.. إنه يجمع شتات نفسه!"
استفاق بير من ذهوله بحدة. مد يده المرتعشة نحو خاتم التخزين في يده، وبأصابع تكسوها الحروق، سحب ثلاث زجاجات من **"العلاج"**—وهو سائلٌ أخضر متوهج ليشفي جروحهم.
ألقى بالزجاجة الأولى نحو آرثر، والثانية نحو مايكرو واحتفظ بالثالثة لنفسه وفارون.
بمجرد أن لامس السائل الأخضر حلوقهم، شعروا وكأن حمماً بركانية تجري في عروقهم. صرخ آرثر وسقط على الأرض بينما كانت أنسجة عضلاته المتمزقة تلتحم بسرعةٍ بصرية مسببةً صريراً مرعباً للعظام.
عظام صدر فارون أصدرت أصوات "طقطقة" حادة وهي تعود لمكانها، بينما كان مايكرو يلهث والرياح من حوله بدأت تكتسب لوناً أخضر شاحباً بفعل بقايا الترياق.
آرثر، بعيونٍ تشتعل بنيرانٍ جديدة، نظر إلى سيفه الذي يكاد أن يتحطم بسخرية، ثم رماه جانباً. وبحركةٍ بطيئة مليئة بالهيبة، مد يده نحو فضاء موازٍ عبر خاتم التخزين الخاص به.
بوميضٍ فضي ساطع، أخرج سيفٌ طويل بقوة سيفه السابق من أجل إكمال القتال
بفر، الذي كان يقف بابتسامته المجنونة وعضلاته النابضة بالعروق السوداء، لم يعد ينتظر. زأر زئيراً زلزل أساسات الأكاديمية، واندفع بجسده العاري الضخم نحوهم.
وهنا، حدث ما لم يكن في الحسبان.
انطلق **ليوين** و**آرثر** معاً. كان المشهد مهيباً؛ آرثر يندفع كخط من النور الأبيض الساطع المشوب بطاقة زرقاء متفجرة،
وليوين يتحرك كظلٍ يزحف على الأرض بجانبه، كتلة من السواد الدامس الذي يمتص الضوء. مع طاقة الاستاذ بير حولهم لزيادة قوتهم صاروا يتحركون كجسدٍ واحد بثمانية أطراف؛ آرثر يغطي يمين ليوين، وليوين يغوص في ظل آرثر ليظهر من يساره
بفر وجه لكمةً هائلة نحو آرثر، لكن ليوين انبثق من الأرض وسحب ساق بفر بمقدار إنشات قليلة، مما أفقد الضربة توازنها. استغل آرثر الفجوة ودار حول نفسه بحركةٍ دائرية،
مسدداً ضربةً أفقية بسيفه الجديد أصابت صدر بفر، محدثةً انفجاراً من الضوء المقدس الذي حرق الجلد الشيطاني.
"تنسيقٌ مثالي.." همس الأستاذ بير وهو يدعمهم. من الخلف
لم يتوقف الهجوم عند الصغيرين. **مايكرو**، مستخدماً مانا الرياح التي تجددت بفضل الترياق، شكل إعصاراً مضغوطاً حول قدمي بفر ليمنعه من الحركة السريعة.
وفي الوقت نفسه، انطلق **فارون**، المحارب ذو الذراع الواحدة، وبسرعةٍ تفوق الوصف، وجه طعناتٍ متتالية بسيفه المتبقي نحو مفاصل بفر، مستهدفاً الأوتار التي كشفها هجوم آرثر.
بفر كان يتلقى الضربات بابتسامةٍ تزداد اتساعاً وجنوناً. "ممتع.. ممتع جداً!" صرخ وهو يمسك بسيف فارون بيده العارية ويحطمه، ثم يوجه ركلةً قذفت بفارون بعيداً.
لكن ليوين كان هناك دائماً. بمجرد أن ركل بفر فارون، قفز ليوين فوق ظهر الوحش، وغرس خنجره في كتفه، ضاخاً كميةً هائلة من **"مانا الظلام الأزلي"**.
شعر بفر لأول مرة بأن عضلاته تتجمد. آرثر، مستغلاً شلل بفر المؤقت، قفز في الهواء وجمع كل مانا النور في نصل سيفه.
**"تقنية النور المقدسة: قاطع الأفق!"**
نزل السيف كالمقصلة السماوية. اصطدم النور بجسد بفر، ليخلق موجةً ارتدادية حطمت ما تبقى من رخام الساحة. لكن بفر، برتبته المرعبة، صد الهجوم بفاسه. "هل هذا كل ما لديكم؟"
بدأ الاشتباك يتحول إلى صراعٍ وحشي. بفر أفلت سيف آرثر ووجه نطحةً برأسه حطمت واقي وجه آرثر، لكن في نفس اللحظة، ركله ليوين في ركبته من الخلف، مما أجبر الوحش على الانحناء.
ليوين وآرثر لم يتراجعا؛ صارا يتبادلان المواقع بسرعةٍ تجعل بفر يضرب الهواء. عندما يضرب بفر النور (آرثر)، يجد نفسه يضرب فراغاً،
ليخرج الظلام (ليوين) من تحت قدميه ويطعنه. وعندما يحاول الإمساك بالظلام، يتفجر النور في وجهه.
كان القتال برتمٍ بطيء ودقيق؛ يمكنك سماع صوت تمزق ألياف العضلات الشيطانية، وصوت تدفق المانا في عروق ليوين التي بدأت تبرز باللون الأسود نتيجة الضغط الهائل.
ليوين كان يستهلك طاقة بشكل كامل ليجاري سرعة بفر، بينما كان آرثر يحرق روحه ليبقي نصله مشتعلاً.
بفر بدأ يشعر بالخناق. الأساتذة من الخلف (بير ومايكرو) صاروا يقصفونه بوابلٍ من السحر البعيد؛ كرات نارٍ مضغوطة وشفرات رياحٍ حادة، مما منعه من التركيز على ليوين وآرثر.
جمع بفر كل مانيته البنفسجية في قبضتيه، وضرب الأرض بقوةٍ خرافية. **"ميدان الفناء الشامل!"** انفجرت الأرض تحتهم، لتخرج منها أعمدة من الطاقة الشيطانية التي تذيب العظم.
آرثر صرخ: "ليوين! الآن!"
ليوين لم يرد، بل أمسك بيد آرثر الحرة. تداخلت المانا الزرقاء والبيضاء لآرثر مع السواد الدامس لليوين. تشكلت حولهما شرنقةٌ غريبة من الطاقة "الرمادية"—مزيجٌ بين الوجود والعدم.
انطلقوا ككتلةٍ واحدة، لا يمكن تمييز من هو آرثر ومن هو ليوين. اخترقوا أعمدة الطاقة الشيطانية وكأنهم سهمٌ لا يقهر. سيف آرثر وخنجر ليوين تصالبا في الهواء ليشكلوا علامة (X) من الطاقة المتصادمة، وانقضوا على صدر بفر المكشوف.
*بؤؤؤؤؤؤؤؤؤؤؤؤؤؤم!*
كان الانفجار صامتاً في بدايته، ثم تلاه دويٌّ هز جبال المملكة بأكملها. قُذف الجميع في الهواء. تحطمت الارض من تحتهم، وساد غبارٌ كثيف لدرجة أن ضوء القمر لم يعد يستطيع اختراقه.
وسط الحطام، وقف بفر. جسده كان يرتجف، وصدره يحتوي على علامة (X) عميقة تنزف بغزارة، وعضلاته الشيطانية بدأت تذبل.
نظر إلى ليوين وآرثر اللذين كانا ملقيين على الأرض، يحاولان الوقوف وجسديهما يرتجفان من الإجهاد الذي يتجاوز حدود البشر.
بفر مسح الدم عن فمه، ونظر إليهم بعينٍ واحدة متبقية، وبدأ يضحك.. ضحكةً منخفضة، مرعبة، تدل على أن الجولة القادمة ستكون هي الأخيرة والأكثر دموية.
"لقد جعلتموني أعاني." قال بفر وهو يشد عضلات يده، "الآن هيا نهايتكم"
---