‏لم يكن الألم هو أول ما استقبله **آرثر** عند استيقاظه، بل كان ذلك الإحساس المقيت بالثقل، وكأن الهواء نفسه قد تكثف ليتحول إلى معدن سائل يضغط على صدره، محاولاً عصر رئتيه المنهكتين.

‏ فتح جفنيه ببطء، فاستقبلته سماءٌ لم يرها حتى في أشد كوابيسه قتامة؛ كانت أرجوانية كدرة بلون نبيذٍ فاسد، تتخللها سحب خضراء باهتة لا تتحرك، كأنها غازات سامة محبوسة في سقف العالم.

‏حاول آرثر استنشاق الهواء، لكنه شعر بوخز حاد وحارق في أعماق صدره. هواءٌ غريب، مشبع بمانا ملوثة وعتيقة، مانا ترفض جسده الذي اعتاد على نقاء سحر النور. "هل مت؟" سأل نفسه، وصوته الداخلي بدا غريباً،

‏ بعيداً كأنه صدى يتردد في بئرٍ عميقة. حاول تحريك ذراعه اليمنى، فانفجرت في جسده موجة ألم جعلته يطلق صرخة مكتومة؛ جروحه التي ظن أن الترياق قد أخمدها بدأت تنبض بحرارة مسمومة، وكأن جسد البطل المختار يرفض الالتئام في هذه البيئة المعادية.

‏وقف بالكاد، مرتكزاً على جذع شجرة بلورية باردة الملمس، كانت تنبض بضوء خافت يميل للزرقة. نظر بجانبه ليجد سيفه

‏وعلى بعد بضعة أمتار، رأى قامة سوداء تقف بجمود مهيب؛ كان **ليوين**.

‏وقف ليوين وظهره لآرثر، يحدق في الأفق حيث تظهر بقايا قمم صخرية تطفو في الهواء كأشلاء حضارة بائدة. "ليوين.." خرج صوت آرثر مبحوحاً ومحطماً، "هل تعرف.. أين نحن؟"

‏التفت ليوين ببطء شديد، كانت ملامحه باردة لدرجة تثير القشعريرة، وعيناه السوداوان تعكسان ضوء الغابة الأرجواني دون أن يرمش له جفن. قال بصوت هادئ، لكنه كان كوقع النصل البارد على الحجر:

‏"نحن وسط الموت دعنا نقوم بايقاض الجميع"

‏تحرك ليوين وسط الأشجار بخطوات واثقة، لم تكن هناك أي علامة على التردد في حركته، وكأنه يطأ أرضاً يعرف خباياها في زمنٍ غابر. توجه نحو **مايك**، الجبل الهامد الملقى بين شجيرات بلورية مسننة.

‏لم يحاول ليوين استخدام كلمات رقيقة؛ تراجع خطوة وسدد ركلة عنيفة بأسفل قدمه مباشرة إلى وجه مايك.

‏"استيقظ أيها القزم. إذا كنت تنوي الموت، فافعل ذلك بعيداً عن طريقي."

‏استفاق مايك بذعر، يده تحسست وجهه المتألم، وعيناه المحتقنتان بحثتا عن مصدر الإهانة قبل أن يصرخ بغضب مكتوم: "تباً لك ليوين! ألا ترى أنني أكاد ألفظ أنفاسي؟"

‏هز ليوين رأسه بلامبالاة باردة، وأشار نحو الأشجار التي تتلوى أغصانها كأفاعٍ حجرية: "لقد تم نقلنا إلى مكان لا يعترف بعضلاتك. انظر حولك قبل أن تفتح فمك مجدداً."

‏في مكانٍ قريب، كان **إدريان** مستلقياً على ظهره، وسلاسله السوداء من حوله تبدو وكأنها فقدت روحها، صدئة وباهتة. استيقظ على صوت شجار مايك وليوين، فشعر ببرودة الأرض تخترق عموده الفقري.

‏حاول استدعاء مانا الكهرباء الروحية، لكن لم تخرج سوى شرارة ضعيفة تلاشت في الهواء المسموم. نظر إدريان إلى ليوين والجميع

‏أما **ليا**، فقد فتحت عينيها لتجد آرثر بجانبها. حاولت غريزياً استدعاء سحر الشفاء، لكنها سحبت يدها وصرخت بصوت مخنوق. المانا تخرج من كفيها مشوهة، مضطربة،

‏ وتتلاشى قبل أن تتشكل. "المانا هنا.. إنها حامضة، ثقيلة،" قالت وهي ترتجف من بردٍ لا مصدر له.

‏استيقظ **مايكل** الأيلف، وهو يغطي أذنيه بيديه المرتجفتين: "الأصوات.. الأشجار تهمس بلغة الموت، والمانا تلسع جلدي كالإبر." بينما وقف **كايزر** بصعوبة بالغة، ممسكاً بخصره النازف، وعيناه تفحصان المحيط بحذر قاتل.

‏اجتمع الأبطال الستة (آرثر، إدريان، مايك، ليا، كايزر، مايكل). نظر الجميع نحو ليوين؛ كانت نظراتهم خليطاً من الخوف والحاجة للمعلومات.

‏استدار ليوين إليهم، وظله يمتد بشكل مشوه على الأرض المتوهجة: "مسار النقل انحرف بفعل ضربة سيفر. نحن الآن في **الغابة السفلية**.. المنطقة المحرمة في أعماق أرض الشياطين. نحن الوحيدون من جنس البشر في هذا النطاق."

‏سقطت الكلمات كالصاعقة. الغابة السفلية.. المكان الذي لم ينجُ منه مستكشف واحد. تابع ليوين ببرود يذيب الروح: "نسبة نجاتنا هنا لا تتعدى الـ 5%. هذا المكان لا يهتم ببطولاتكم الزائفة."

‏تقدم إدريان، وهو يشد على حلقات سلسلته الباردة: "وكيف عرفت ذلك يا فتى هل كنت هنا من قبل؟"

‏نظر ليوين إلى إدريان بنظرة خالية من أي بريق إنساني:

‏ "هذا ليس من شأنك. المهم أن الليل هنا لا يشبه ليلنا.. في الغابة السفلية، الليل هو الوقت الذي تخرج فيه الكوابيس لتقتات."

‏وقف كايزر متحملاً آلامه: "إذن، بما أنك 'الخبير' هنا، ماذا تريد منا؟ هل تتوقع أن نتبعك بعد كل ما حدث؟"

‏جال ليوين ببصره في وجوههم؛ آرثر المكسور، إدريان المشكك، ليا المذعورة، ومايك الثائر. لم تكن في عينيه شفقة، بل نوع من القرف المقيت. استدار وبدأ بالمشي نحو الضباب الكثيف.

‏"أريد منكم شيئاً واحداً فقط،" قال ليوين بصوت قاطع، "ألا تزعجوني. سأحاول النجاة بمفردي في هذا المكان."

‏تجمد الأبطال في أماكنهم، وقد غلفهم ذهولٌ أثقل من صخور هذه الغابة الملعونة؛ كانت عقولهم المنهكة قد نسجت سيناريو بديهياً يقضي بأن ليوين،

‏رغم بروده، سيتشبث بهم كطوق نجاةٍ أخير، وسيطلب التعاون والمساعدة كضرورةٍ لا مفر منها للبقاء. لكنَّ ما فعله للتو كان صفعةً لواقعهم المنهار.

‏كان انسحابه الصامت وهجره لهم في هذه المقبرة الحية بمثابة حكمٍ بالإعدام، ليس عليهم بل على نفسه كيف لجسدٍ واحد أن يصمد أمام أهوال الغابة السفلية؟ هل بلغ به الغرور حد الانتحار ؟

‏نظر إليه كايزر بغضب: "جيد.. هذا الوغد كان سيرمينا للموت مجدداً ليحمي نفسه فقط." بينما نظر إدريان نحو ظهره المتلاشي بحيرة

‏لم يلتفت ليوين. غاص في الظلال، تاركاً إياهم وسط السماء التي بدأت تتحول للون أحمر دموي مخيف، إيذاناً ببدء الليل. بدأت أصوات عواء معدنية حادة تمزق السكون، وكأن الغابة بدأت ترحب بضحاياها الجدد.

‏كسر إدريان حاجز الصمت الجليدي بعد مغادرة ليوين استدار نحو البقية وهو يلملم شتات سلاسله الهامدة، وقال بنبرةٍ تحاول التماسك: "بالمناسبة.. أنا إدريان، طالب في السنة الثانية."

‏ارتسمت ملامح التقدير الباهتة على وجوههم، ورد آرثر وهو يتكئ على سيفه: "أهلاً بك يا إدريان.. أنا آرثر، في السنة الأولى. وهؤلاء هم رفاقي: مايك، ومايكل، وكايزر، وليا.. جميعنا في السنة الأولى. تشرفنا بلقائك رغم سوء هذه الأقدار."

‏أومأ إدريان برأسه، لكن عينيه ظلتا عالقتين بالخيط الرفيع من الضباب الذي ابتلع ليوين منذ قليل. سأل بنبرةٍ يملؤها الفضول المشوب بالحذر:

‏"ولماذا كنتم غاضبين منه إلى هذا الحد؟ يبدو شخصاً قوياً، وأكاد أجزم أنه يمتلك بعض المعلومات لهذا الجحيم في عقله.. معلوماته كانت لتكون تذكرتنا الوحيدة للخروج من هنا."

‏تغيرت ملامح الجميع فور ذكر "ليوين". زفر كايزر غضباً مكبوتاً كاد أن يحرق الهواء من حوله، وقال بكلماتٍ تقطر سماً: "كلا.. ذلك الخائن لا يستحق حتى أن نتلفظ باسمه. إنه شيطانٌ يسكن جسد إنسان، ولا يملك ذرةً من الرحمة."

‏أومأ البقية برؤوسهم في صمتٍ ثقيل، وقد ارتسمت أمام أعينهم صور الخيانة التي تجرعوها على يد ليوين تفاجأ إدريان من حدة رد الفعل، فاستدرك آرثر قائلاً بمرارة:

‏ "إنها قصةٌ طويلة ومؤلمة يا إدريان.. لكن باختصار، هذا الشخص قد داس على ثقتنا ومزقها، ورمى بنا إلى أنياب الموت وهو يراقب احتضارنا ببرودٍ "

‏اتسعت عينا إدريان بصدمةٍ حقيقية، ورفع حاجبيه وهو يعيد تقييم الموقف، ثم تمتم بجدية: "إذا كان الأمر كذلك.. فلا بأس. لعل رحيله هو النجاة الحقيقية لنا. شخصٌ بهذه الخطورة. يجب ألا يسافر معنا"

‏شد مايك قبضته وقال: "دعونا نفكر بما علينا فعله تالياً.. قبل أن يأكلنا هذا المكان."

‏نظر آرثر إلى سيفه، ثم إلى الفراغ الذي تركه ليوين، وهمس بمرارة: "أجل.. دعونا نجد مكاناً لترميم أنفسنا أولاً."

‏اجتمع الناجون حول بقايا أجساد زملائهم؛ مشهدٌ يمزق الروح، طلابٌ كانوا بالأمس يجلسون معهم في قاعات الأكاديمية صاروا الآن جثثاً هامدة أو أجساداً تحتضر، تغطيها دماءٌ قانية بدأت تتخثر بفعل برودة الغابة

‏ المسمومة. وقف كايزر وسط هذا الخراب، ونظر بعينين مثقلتين بالهموم متسائلاً بمرارة: "ماذا نفعل بهم؟ هل نتركهم لمصيرهم هنا؟"

‏تبادل الجميع نظراتٍ يملؤها العجز، حتى قطع إدريان الصمت بصوتٍ حازم رغم وهنه: "لن نترك أحداً. سنحاول معالجتهم.. وجودهم معنا يعني قوةً إضافية."

‏أومأ آرثر برأسه موافقاً، لكنَّ الأرض تحت أقدامهم بدأت بالاهتزاز الخفيف،

‏من خلف جذوع الأشجار العملاقة، ومن أعماق الظلام الكثيف، بدأت تنبثق أعينٌ حمراء متوهجة كالجمر المشتعل. لم تكن عيناً واحدة أو اثنتين، بل كانت عشراتٍ من الوحوش المفترسة التي تحاصرهم بصمتٍ مخيف.

‏شعر الجميع ببرودة الموت تجمد عروقهم؛ فاستعدوا للقتال غريزياً رغم تمزق أجسادهم. تقدمت قطيع من الذئاب الرتبة B، فراءها يبدو كأنه مصنوعٌ من أسلاكٍ شائكة ومخالبها تقطر سماً.

وفي قلب القطيع، انشقت الصفوف ليخرج "القائد"، ذئبٌ أضخم منهم بمراحل، تنبعث منه هالةٌ خانقة للرتبة A، وعيناه تشعان بنية القتل

‏ساد التوتر الخانق، ونظر مايكل الأيلف نحو جثث الطلاب الملقاة والدم الذي غطى مساحةً كبيرة من الأرض، ثم قال بصوتٍ يرتجف: "لقد شَمّوا رائحة الدماء هنا "

2026/04/01 · 19 مشاهدة · 1334 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026