اتجهت أنظار الجميع نحو قطيع الذئاب المحتشد أمامهم كجدار من الفراء الداكن والعيون الحمراء، وسكنت في عقولهم حقيقة واحدة مُرة لا تقبل التأويل: "لا يمكننا الفوز". كانت الأنفاس تخرج متلاحقة، ممزوجة برائحة الدم والعرق، بينما كان الموت يقف على بُعد خطوة واحدة منهم.
ألقى مايكل نظرة أخيرة بائسة نحو جثث الطلاب الملقاة والآخرين المغمى عليهم الذين كانو بجانبهم كحطام بشري، ثم هز رأسه بأسى عميق ونبس بصوت خفيض يكاد يخرج من بين حطام روحه: "لدي خطة للهروب". التفت إليه كايزر بلهفة شابتها الريبة وقال: "ما هي؟ قلها بسرعة.. الوقت ينفد منا!".
أجاب مايكل، وعيناه لا تزالان معلقتين بالأجساد الهامدة: "سنحتاج إلى طُعم.. ثغرة نفتحها لنهرب من هذا الحصار". تنهد مايك بمرارة وهو يتحسس جروحه النازفة، وقال بصوت مثقل بالهزيمة: "وكيف؟ نحن بالكاد نستطيع الوقوف على أقدامنا بسبب هذه الإصابات".
في تلك اللحظة، كان آرثر وأدريان و ليا يرقبان مايكل بصمت، ينتظران منه إكمال حديثه الذي بدا وكأنه نذير شؤم.استجمع مايكل شتات نفسه، وأشار بيده المرتجفة نحو الطلاب المغمى عليهم وقال ببرود جاف: "سنجعلهم هم الطُعم.. لنجاتنا نحن".
ساد صمتٌ ثقيل، صمتٌ كاد يمزق الصدور من فرط الصدمة. كان أدريان أكثرهم ذهولاً، فصرخ بصوت مخنوق: "ماذا؟ كيف تجرؤ؟ كيف تريد أن تضحي بزملائك هكذا؟". أما آرثر، فقد أظهر بروداً غير متوقع؛ تجمدت ملامحه كقناع من الجليد،
وعيناه الزرقاوات تترصدان أي حركة من الوحوش بتركيز مميت، وكأنه قد حسم أمره بالفعل.
حدق مايكل في عيني أدريان بحدة يائسة وأجابه: "هل لديك خطة أخرى لنجاتنا إذن؟ إما أن نموت جميعاً هنا، أو يموت هؤلاء فقط ليعيش البقية". نكس أدريان رأسه ببطء، غارقاً في دوامة مظلمة من الاحتمالات،
بينما ارتسمت على وجه كايزر ابتسامة قاسية وخالية من الرحمة وهو يتجه نحو الأجساد قائلاً: "ساعدوني.. سأرميهم في الجانب الأيمن، وعلينا أن نخلق فرصتنا في الجانب الآخر للفرار".
التفتت السلاسل المعدنية الخاصه بادريان وهو يقول "تبا" كانت اصوات سلاسل تخرج بصرير مقزز حول جثة أحد الطلاب ورفع كايزر طالباً مصاباً كان لا يزال صدره يعلو ويهبط بأنفاس ضعيفة،
بينما حمل مايكل جسدين دفعة واحدة بجهد جهيد. رفع آرثر سيفه الذي توهج فجأة بهالة بيضاء كثيفة، مستنزفاً آخر قطرات "المانا" لديه ليشق طريق الخروج. صرخ مايكل فيهم بصوت يملؤه الاستعجال: "ارموهم الآن!".
في لحظة تجردوا فيها من كل ذرة رحمة بقيت في قلوبهم، قذف الجميع الطلاب المغمى عليهم نحو فكوك الذئاب الجائعة. لم ينتظروا لرؤية المذبحة أو لسماع صرخات التمزق، بل شنوا هجوماً كاسحاً ومستميتاً على الجهة الأخرى حيث لم يتبقَ سوى عدد قليل من الذئاب المشتتة.
انطلق الجميع للركض بأقصى ما ملكوا من قوة، يجرون أجسادهم المنهكة بعيداً عن ذلك الجحيم، تاركين وراءهم في تلك الغابة الملعونة.. آخر بقايا إنسانيتهم.
---
كان ليوين ينسل بين الأشجار البلورية العملاقة كأنه طيفٌ منسوج من مادة لا تنتمي لهذا العالم. لم يلتفت خلفه ولو لمرة واحدة؛ ليس قسوةً منه، بل لأنه لم يكن يجرؤ على إظهار ذرة من التردد امامهم ولأنه يعلم جيدا أنهم لن يثقو به مجددا
كان وقع خطواته صامتاً تماماً، كأنه يطأ الهواء لا الأرض، بينما بدأت مانا الظلام التي تجري في عروقه تتناغم مع "الهواء الحامض" للغابة السفلية،
وكأن جسده قد وجد أخيراً موطنه الأصلي بعد سنوات من الاغتراب في أنوار الأكاديمية الزائفة والبراقة.
"حمقى.." همس ليوين لنفسه، وتلاشت كلماته فوراً كدخانٍ وسط أزيز الرياح المعدنية التي كانت تنهش قمم الأشجار العملاقة. " يظنون أن هذا المكان مجرد ساحة لعب، أو ربما حصة تدريبية قاسية تحت إشراف الأساتذة.."
" لا يدركون أن الخطأ الأكبر هو افتراقنا ونحن في هذه الحالة المزرية؛ نحن لا ننسحب، بل نوقع بأيدينا صك إعدامنا الجماعي."
توقف ليوين لثانية، وأغمض عينيه وهو يستنشق هواء الغابة المسموم، ثم أطلق تنهيدةً ثقيلة حملت معها ذرات الغبار الأرجواني. فتح عينيه اللتين اشتعلتا بنورٍ بارد وقال بنبرةٍ قاطعة:
"لا.. لن أموت في هذا الجحر المظلم أبداً. الموت لا يليق بي الآن، فما زال هناك رهانٌ معلق.. رهانٌ سأحرق العالم بأسره قبل أن أخسره."
اعتصر ليوين مقبض خنجره المتبقي بقوة جعلت مفاصل يده تبيض، وشعر بمرارة طعم الدم في حلقه. كان يعلم يقيناً أن آرثر وكايزر بالخصوص والبقية ينظرون إليه كخائنٍ جبان،
تقدم ليوين لمسافة كيلومترات، محاولاً الابتعاد قدر الإمكان عن "رائحة البشر" المنبعثة منهم. كان يتحرك في ظلام وهو يخفي نفسه بشكل كامل
ليصبح مجرد ثقب أسود يتحرك في نسيج الغابة المظلمة. عيناه اللتان اعتادتا الظلمة لم تتوقفا عن مسح الأرض؛ يبحث عن آثار أقدام منقرضة، عن بقايا جثث متحللة بمانا الشياطين، أو عن تلك العلامات الإقليمية الخفية التي تتركها الوحوش الكاسرة لتحديد نفوذها.
الهواء هنا أصبح أكثر كثافة بشكل خانق، والضباب الأرجواني صار لزجاً يلتصق بالجلد مثل طبقة من الزيت البارد. شعر ليوين بنبضات قلبه تتسارع، ليس خوفاً بالمعنى البشري، بل استجابةً غريزية لـ "غريزة المفترس" التي بدأت تستيقظ في أعماقه بقوة مرعبة لم يعهدها من قبل.
توقف فجأة خلف جذع شجرة عملاقة تكسوها طحالب فسفورية، وحبس أنفاسه تماماً. سكنت الغابة فجأة؛ حتى الأصوات المعدنية البعيدة التي تشبه احتكاك الشفرات توقفت،
وساد صمتٌ جنائزي ثقيل، لا يقطعه سوى صوت تقطر المانا الملوثة من الأغصان العالية، محدثةً صوتاً يشبه فحيح الأفاعي.
'أنا في أمان هنا مؤقتاً..' فكر ليوين، وبدأ بمسح العرق البارد الذي تصبب من جبينه. لكنه كان يعلم أن "الأمان" في الغابة السفلية هو مجرد وهم بصري يسبق العاصفة، مجرد هدوءٍ زائف يمنحه العالم لفرائسه قبل أن يبتلعها.
دون أي حفيف للأوراق، ودون أن تهتز غصن واحد، انشق نسيج الظلام أمام ليوين مباشرة. لم يكن مجرد وحش، بل كان كتلة هائلة من العضلات المتفجرة والفراء الأسود الكثيف الذي بدا وكأنه قطعة من الفراغ نفسه.
**دبٌّ شيطاني ضخم**، يرتفع لأكثر من ثلاثة أمتار، عيناه تلمعان ببريق أحمر قاني يشبه الجمر المستعر في قلب رمادٍ قديم.
هجم الدب بسرعة إعصارية لا تتناسب مطلقاً مع كتلته الضخمة. كان هجوماً من "اللامكان"، خروجاً من العدم إلى الواقع في جزء من الثانية.
تفاجأ ليوين لدرجة أن قلبه كاد يتوقف؛ فحواسه التي كان يفاخر بها لم ترصد اهتزازاً واحداً للهواء إلا عندما صار الوحش على بعد إنشات من وجهه.
غريزة الموت هي الوحيدة التي تحركت فيه، دفعته للقفز إلى الخلف بجنون، مستخدماً مانا الظلام لتعزيز دفع قدميه، لكن مخلب الدب كان أسرع من رد فعله.
*تمزيق!*
شعر ليوين ببرودة نصلٍ حاد تخترق نسيج صدره، تلاها احتراقٌ مفاجئ كأن حمماً بركانية صُبت داخل عروقه. طار ليوين في الهواء من قوة الضربة واصطدم بجذع شجرة بلورية، ليتحطم اللحاء الصلب ويسقط هو على الأرض وهو يشهق باحثاً عن ذرة أكسجين.
نظر إلى صدره برعب؛ كان هناك جرحٌ عرضي مرعب يمتد من كتفه الأيسر إلى أسفل أضلاعه اليمنى. الدماء القانية بدأت تتسرب بغزارة، مخضبةً من ثيابه السوداء محولةً لون التربة تحت قدميه إلى طينٍ لزج.
وقف ليوين بصعوبة بالغة، ومسح الدم الذي تدفق من فمه بيده المرتعشة، ثم نظر إلى الوحش الذي كان يقف بجمود ويزأر بصمتٍ ترددت صداه داخل جمجمة ليوين فقط.
ابتسم ليوين بسخرية مريرة كأنما يخاطب الموت: "رائع.. حقاً رائع. وحش من الرتبة **A+** في أول ليلة لي؟ يبدو أن أقدار هذا العالم تشتهي موتي أكثر مما كنت أتخيل."
لم يمهله الدب وقتاً لاستيعاب الصدمة أو حتى تضميد جرحه. اندفع الوحش مجدداً بوحشية عمياء، محطماً الأشجار البلورية التي تعترض طريقه وكأنها مجرد أعواد كبريت جافة.
الأرض كانت تهتز بعنف تحت وطأة أقدامه الثقيلة، مسببةً صريراً في صخور القاع.
أدرك ليوين يقيناً أنه لن ينجو بالاعتماد على السرعة المجردة في هذا المكان المفتوح. ركز مانيته السوداء في راحة كفيه،
وشعر بحرارة الجرح تزداد مع كل نبضة سحرية، صرخ بصوت مكتوم وهو يضرب الأرض بيديه: "مهارة المجال - القبة المظلمه!"
انفجرت المانا السوداء كقنبلة دخانية من جسد ليوين، لتشكل قبةً نصف دائرية من الظلام المطلق، غطت مساحة قطرها عشرة أمتار،
مبتلعةً ليوين والوحش داخل شرنقة من العدم. داخل هذه القبة، انعدمت قوانين الضوء تماماً؛ صار العالم أسوداً كجوف قبر، وأصبح ليوين هو "سيد المكان" الذي يرى بمانيته لا بعينيه.
بدأ ليوين بالتحرك كالشبح الهائم داخل مجاله الخاص. كان يظهر كخيالٍ مفاجئ من خلف ظهر الدب ويطعن بخنجره المسموم بمانا الظلام، ثم يختفي في السواد المطلق قبل أن تصل ضربة الوحش،
ليظهر مجدداً من جهة اليمين ليجرح الأوتار. كان خنجره يتحرك كالبرق الأسود وسط ليلٍ دامس، يمزق الفراء الأسود مراراً وتكراراً. أصدر الدب صرخات غضب مكتومة وهو يتلقى الطعنات المتتالية،
لكن ليوين لاحظ شيئاً أرعبه وجمد الدماء في عروقه؛ كل جرح كان يصيبه بجهدٍ جهيد لم يكن سوى "خدش" سطحي بسيط على ذلك الجلد الشيطاني الذي يفوق الفولاذ صلابة.
كانت مانا الوحش تقوم بترميم الفراء والأنسجة فوراً، وكأن ليوين يهاجم كائناً مصنوعاً من الظلام المتجدد لا من لحمٍ ودم.
أحس الدب الشيطاني أن فريسته "البشرية" الصغيرة تتلاعب به داخل هذا المجال المظلم، وتستنزف طاقته بوخزاتٍ لا تنتهي. فجأة، توقف الوحش عن الحركة العشوائية والزئير،
ووقف بتباتٍ مرعب ثم فتح فمه الواسع الذي بدا وكأنه بوابة للجحيم. بدأت طاقة أرجوانية كثيفة وشديدة الانضغاط تتجمع في حنجرته، مسببةً اضطراباً مغناطيسياً في الهواء وتشوهاً مرئياً في نسيج القبة المظلمة التي صنعها ليوين.
توسعت عينا ليوين من هول ما رأى، وشعر بضغط المانا يكسر عظامه: "تباً.. إنه ينوي تفجير مكاني!"
أطلق الوحش من فمه نيزكاً من المانا الشيطانية المضغوطة كانت كروية من الطاقة المتوهجة التي انفجرت بمجرد ملامستها للهواء داخل القبة.
الانفجار لم يحطم القبة الفراغية فحسب، بل محاها تماماً من الوجود في أجزاء من الثانية، محولاً منطقة الاشتباك إلى حفرة مشتعلة بالنيران الأرجوانية التي تذيب الأعشاب من حولها
تطاير الرخام المكسور والأشجار المحترقة والتراب في الهواء كأنها شظايا قنبلة ذرية صغيرة. ساد صمتٌ مطبق بعد الانفجار،
ولم يبقَ سوى رائحة الكبريت واللحم المحترق. وسط الغبار الكثيف والرماد المتطاير، لم يظهر أي أثر لجسد ليوين.
لقد اختفى ليوين تماماً من المكان؛ استخدم مهارة "خطوة الظل" ليقذف بنفسه خارج نطاق الانفجار في اللحظة الأخيرة، مضحياً بمزيدٍ من مانا وبجسده المنهك.
ترك خلفه الوحش يزأر بغيظٍ مكتوم وهو يضرب الأرض بحوافره، باحثاً عن رائحة الفريسة التي انسلّت من بين مخالبه كالدخان،
تاركةً وراءها دماءً وعلامةً واضحة بأن الصيد في الغابة السفلية قد بدأ للتو، وأن ليوين لم يعد الصياد، بل صار هو الفريسة الأغلى ثمناً.
---