مرت ثلاثة أيام على تلك الليلة المشؤومة التي تلطخت فيها أيدي "الأبطال" بدماء رفاقهم. ثلاثة أيام شعرت فيها المجموعة أن الزمن في الغابة السفلية لا يسير بخطوات مستقيمة،
بل يتمطط كعلكة لزجة وسامة تخنق الأنفاس. لم تكن هذه الغابة مكاناً للنوم أو استعادة القوى، بل كانت ساحة استنزاف دائم للحواس؛
فكل صوت غصن ينكسر كان يبدو كطلقة تحذيرية، وكل نسمة هواء باردة كانت تحمل معها همسات الوحوش البعيدة.
وجد الخمسة أنفسهم أخيراً قابيعن داخل كهفٍ ضيق للغاية، شقّ صخري في جدار جبل عظيم يطل على وادٍ غارق في ضبابٍ دامي اللون. داخل هذا الكهف، كان الظلام دامساً لولا منبع ضوء واحد يتيم ومتهالك؛
نورٌ أصفر باهت ينبعث من كفي **ليا**. كانت تجلس ومنكباها يرتجفان من فرط الإعياء، تمرر يديها المرتعشتين فوق جروح **مايك** العميقة التي رفضت الالتئام تماماً.
المانا الملوثة في جو الغابة كانت تمنع الخلايا من التجدد، محولةً الجروح إلى قروحٍ نابضة بالوجع.
كان وجه ليا شاحباً كشمعة ذابت في مهب ريح، وعيناها المحاطتين بهالات سوداء غائرة تنمان عن سهرٍ وقلقٍ وجودي لم تعرفه في حياتها المترفة بالأكاديمية او في منزلها.
الضوء الأصفر الذي كانت تصدره لم يعد دافئاً ومطمئناً؛ بل بدا باهتاً ومرتعشاً، يعكس ظلالهم على جدران الكهف بشكل مشوه، كأنهم مسوخٌ يتربصون ببعضهم البعض في عتمة التاريخ.
أسند **آرثر** رأسه المنهك على جدار الكهف الصخري البارد، وأغمض عينيه بقوة محاولاً تجاهل الصداع النابض الذي كان يطرق جمجمته كأنه مسمارٌ محمى بالنار.
كان إدريان يرتكز بثقلٍ وجسدٍ متهالك على جدار الكهف البارد، وكأن الحائط هو الخيط الوحيد الذي يمنعه من الانهيار التام. عندما خرج صوته، لم يكن مجرد كلمات، بل كان عبارة عن برودٍ أجوفٍ يفتقر لأي نبرة أمل أو حياة، كصدىً آتٍ من قاع بئرٍ مهجورة:
"كم تبقى لدينا.. من جرعات العلاج وترياقات المانا؟"
ساد صمتٌ ثقيل، صمتٌ كان يمكن فيه سماع دقات قلوبهم المضطربة وصوت قطرات الماء التي تنزلق من سقف الكهف لتصطدم بالأرض بصوتٍ يشبه وقع الخطوات.
تنحنح **مايكل الأيلف**، الذي كان يراقب مدخل الكهف بتركيزٍ محموم ورد بنبرة منكسرة: "لقد انتهت جميعها يا ادريان الجرعة الأخيرة استهلكها كايزر بالأمس بعد القتال العنيف مع ذلك الوحش من الرتبة A+."
" نحن الآن نعتمد كلياً على سحر ليا.. وسحرها، كما تشاهدون، يتلاشى مع كل نبضة قلب."
خفض آرثر رأسه أكثر، غاصت ذقنه في صدره وهو يفكر في مصيرهم المظلم. غياب العلاجات يعني أن أي جرح قادم، مهما كان بسيطاً،
قد يكون حكماً نهائياً بالموت، وأي استنزاف إضافي للمانا قد يؤدي إلى انهيار كامل للنظام الدفاعي الهش للمجموعة.
قطع **مايك** الصمت بصوتٍ أجش يملؤه الجوع، وهو يتحسس معدته التي أصدرت قعقعة مسموعة في أرجاء الكهف: "ليس العلاج وحده ما نفد.. المخزون الغذائي الخاص بنا، "
"تلك الوجبات السحرية المركزة التي زودتنا بها الأكاديمية، قد انتهت تماماً هذا الصباح. أمعائي تصرخ منذ ساعات، وإذا لم نجد شيئاً نأكله، سيقتلنا الضعف."
توقف الجميع عن الحركة، وساد توترٌ جديد. فكرة أكل كائنات الغابة السفلية كانت تبدو وكأنها انتحار بطيء. نظر إليهم **كايزر** بسخرية مريرة،
رغم شحوب وجهه وضيق أنفاسه، وقال بنبرة متهكمة: "هل تمزح يا مايك؟ هل تظن أننا نستطيع أكل تلك المسوخ؟ لحمها مشبع بالسموم الشيطانية والمانا العفنة.."
" إن أكلت قطعة واحدة، فقد تنمو لك قرون أو تذوب أمعاؤك قبل أن تشعر بالشبع."
رد **مايكل الأيلف** وهو يفرك صدغيه المجهدتين: "نظرياً، الأمر ممكن، لكنه مقزز. طاقة النور الطاقة المقدسة التي تمتلكها **ليا** و **آرثر** تعتبر مضاداً طبيعياً وقوياً للطاقة الشيطانية. "
"إذا قمنا بتطهير اللحم من خلال مانيتهم قبل طبخه، فقد يصبح صالحاً للاستهلاك البشري.. لن يكون طعاماً لذيذاً، لكنه سيبقي عضلاتنا قادرة على الحركة ليوم آخر."
لم يبدُ ادريان متحمساً للفكرة؛ فتطهير اللحم يعني استهلاك المزيد من الطاقة والمناخ المحدودة، وهي المانا التي يحتاجها الجميع للدفاع، لكن الجوع كان وحشاً حقيقياً ينهش دواخلهم بضراوة لا تقل عن ضراوة الذئاب.
نظر **مايكل** نحو الخارج، حيث كان الضباب الأرجواني يزحف مقترباً من فتحة الكهف مثل كفنٍ ينتظر الجثث. "نحتاج لتغيير هذا الموقع فوراً،" قال بحزم الأيلف الذي نشأ على قوانين الغابة،
"البقاء لأكثر من يوم في نفس المكان هنا هو انتحار صريح. رائحة المانا البشرية الممزوجة بالدماء تتراكم في الهواء، والوحوش الذكية ستبدأ برصدنا كمنارة في وسط الظلام. "
"يجب أن نتحرك الآن، قبل أن ينطبق علينا الحصار."
تحرك الجميع بتثاقل مؤلم، أجسادهم كانت تصرخ مع كل حركة، وعظامهم بدت وكأنها مصنوعة من رصاصٍ ثقيل. كانت **ليا** هي الأكثر تضرراً على الإطلاق؛
فقد وهبت كل ذرة مانا متبقية لديها لمعالجة رفاقها على مدار الأيام الثلاثة الماضية، متجاهلةً آلامها الخاصة. عندما حاولت الوقوف،
خانتها ركبتاها الضعيفة، واهتز جسدها النحيل وكادت تسقط على أرضية الكهف الخشنة.
في تلك اللحظة الحرجة، تحرك آرثر بسرعة غريزية. أمسك بـ **ليا** قبل أن يرتطم جسدها بالأرض، وبدون تردد أو كلمة واحدة، قام بحملها بين ذراعيه.
كانت ليا تشعر بالخجل والامتنان في آن واحد، ونظرت إليه بعيونٍ دامعة كأنها تعتذر عن كونها عبئاً، لكن آرثر لم ينظر إليها؛ كانت عيناه مثبتتين على الطريق المظلم الوعر الممتد أمامهم.
"لا تقلقي يا ليا،" قال آرثر بصوتٍ هادئ وعميق، كان فيه صدى لـ 'آرثر القائد و البطل' الذي عرفوه يوماً، ولكن بلمحة من القسوة الجادة التي فرضتها الغابة:
"سوف نخرج من هنا.. أعدكِ بهذا. لن تذهب تضحياتنا، ولا دماء من تركناهم، سدى. سننجو مهما كان الثمن."
خرجت المجموعة من شق الكهف الضيق، ليبدأوا رحلة أخرى وسط الأشجار البلورية التي كانت تطلق أصواتاً تشبه أنين الأرواح المعذبة بفعل الرياح المعدنية.
كان الرتم بطيئاً جداً ومضنياً؛ فكل خطوة كانت تتطلب حسابات دقيقة لتجنب الفخاخ الطبيعية أو جذب انتباه الكائنات المتربصة.
مشى مايك في المقدمة، بجسده الضخم الذي صار يحمل ندوباً لا تُحصى، ليكون درعاً بشرياً للمجموعة. يليه كايزر، الذي كانت شرارات البرق تظهر وتختفي حول أصابعه المرتعشة كدليل على توتر أعصابه المنهكة.
أما آرثر، وهو يحمل ليا، فقد كان يشعر بثقل المسؤولية يضغط على كاهله أكثر من ثقل جسدها. كان يفكر في "ليوين"؛ هل نجا من ذلك الانفجار؟
بينما كان إدريان ومايكل يغرسان أنظارهما في جوف الظلام، مستنفرين كل ذرة من حواسهما لمراقبة المحيط بدقةٍ متناهية؛ كان صمتهما ثقيلاً، تخنقه مخاوفٌ دفينة من أي غدرٍ مفاجئ قد ينبثق من بين ثنايا الأشجار.
لم تكن عيونهما تكتفي بالنظر، بل كانت تترصد حتى اهتزاز الهواء، بانتظارِ هجومٍ مباغتٍ قد يضع حداً لرحلتهما في هذه الغابة الملعونة.
الهواء كان يزداد برودة كلما توغلوا في أعماق الوادي، والضباب بدأ يتشكل في مخيلاتهم المنهكة على هيئة أشباح لرفاقهم الذين ضحوا بهم للذئاب.
لم يتحدث أحد؛ فالكلمات كانت ترفاً يستهلك طاقة لا يملكونها. كانت عقولهم قد توقفت عن التفكير في المبادئ أو البطولة، وصارت تصرخ بكلمة واحدة فقط، كلمة أصبحت مبرر لكل بشاعة ارتكبوها: **"الحياة"**.
بعد ساعات من المشي المتواصل في صمتٍ مطبق، توقف ادريان فجأة ورفع يده محذراً. اختبأ الجميع خلف جذع شجرة ضخم تكسوه بلورات حادة.
على بعد عدة أمتار، كان هناك كائن غريب يشبه الأيائل، لكن بقرون عظمية مسننة وجلد رمادي مغطى بحراشف صلبة،
كان يقتات ببرود على بعض الفطريات المتوهجة التي تنبت في الظل.
نظر آرثر إلى مايك، ثم أومأ برأسه ببرودٍ مرعب. لم تكن هناك حاجة لنقاش أخلاقي؛ فقد بدأت رحلة "التحول" الكاملة. لم يعودوا هؤلاء الطلاب النخبة في أكاديمية سحرية مرموقة؛
لقد أصبحوا حيواناتٍ مطاردة في القاع، يقتاتون على ما تمنحه لهم هذه الأرض الملعونة من دماء.
تقدم مايك بخطواتٍ صامتة ومدروسة كالمفترس الكاسر، عيناه مثبتتان بجمودٍ قاتل على رقبة الطريدة. بضربةٍ هائلة من قبضته المغلفة بالجرانيت، سحق فقراتها، مسبباً ترنحها وانفجار شلالٍ من الدماء القانية التي صبغت التربة المسمومة.
في لمحة عين، برز آرثر كشبحٍ أبيض، وبدقةٍ متناهية فصل نصل سيفه رأس الوحش عن جسده في قطعٍ نظيف.
لم يضيع إدريان ثانيةً واحدة؛ اندفعت سلاسله السوداء بصريرٍ معدني حاد، لتلتف بإحكام حول الجثة الهامدة، مغلفةً إياها بشبكةٍ حديدية تمهيداً لسحبها بعيداً قبل أن تجذب رائحة الموت مزيداً من كوابيس الغابة السفلية.
في تلك اللحظة، لم يكن هناك فرق جوهري بينهم وبين ذئاب التي نهشت رفاقهم. فكلاهما كانا يأكلون من هو أضعف منهم
الغابة السفلية لم تكتفِ بأخذ رفاقهم منهم، بل كانت تمتص إنسانيتهم ببطء، قطعة بقطعة، مع كل يوم يمر في ظلامها الدامس، محولةً إياهم إلى وحوشٍ بشرية لا تعرف سوى البقاء والعيش