‏ساد الصمتُ لثوانٍ وهم يراقبون جثة الوحش ذو الحراشف المعدنية؛ لم تكن نظراتهم نظرات صيادين فخورين، بل كانت نظرات جائعين يوشكون على فقدان صوابهم.

‏الجوع في الغابة السفلية لم يعد مجرد قرصة في المعدة، بل صار صوتاً يصرخ في رؤوسهم، يطغى على صوت الضمير والخوف.

‏قاموا بسحب الجثة الثقيلة نحو منطقة صخرية محمية ببروز جبلي. بدأ آرثر وليا بعملية "التطهير"؛ غرس آرثر سيفه العريض وبدأ بضخ مانا النور المزرقة،

‏بينما ساعدته ليا بنورها الأصفر. المانا السوداء بدأت تخرج من مسام الوحش كدخان كثيف، تاركةً اللحم بلون أحمر داكن يميل للبنفسجي.

‏أخرج آرثر سيفه الذي صُمم لصد وقتل الوحوش والشياطين ومسح النصل برداء ممزق، ثم بدأ ببرود غريب وبحركات احترافية بتقطيع اللحم إلى شرائح. أطلق ضحكة ساخرة جافة:

‏"يا لسخرية القدر.. سيف مخصص لقتل الشياطين أصبح اليوم مجرد 'سكين مطبخ' متطور لتقطيع وحش رتبة B من أجل سد الجوع."

‏توقف فجأة، رفع السيف الملطخ بالدماء، والتفت إلى الرفاق الأربعة الذين يراقبونه بأعين يلمع فيها بريق الجوع، وسأل بنبرة جادة للغاية:

‏"إذن.. سؤال جوهري: من منكم، يا ورثة الممالك والعائلات العظيمة، يعرف طريقة الطبخ؟"

‏ساد صمتٌ مطبق. كان آرثر قد نسي للحظة أن هؤلاء الشباب لم يلمسوا في حياتهم سوى مقابض السيوف وأقداح العصير البارد.

‏التفت آرثر أولاً نحو **ليا**. كانت تجلس على صخرة، وبدأت فجأة باللعب بخصلات شعرها الزرقاء بتوتر ملحوظ، ثم رفعت رأسها لتنظر للسماء بخجل: "أنا؟ في منزلي كان هناك طهاة ملكيون يرتدون القفازات البيضاء.."

‏" وفي الأكاديمية الطعام كان جاهز دائما لذالك لم أشعل ناراً في حياتي لذالك هل تتوقع مني أن أعرف كيف ينضج اللحم؟"

‏هز آرثر رأسه بيأس، واستدار نحو **مايكل الأيلف** الذي رفع حاجبه باستنكار مضحك: "لماذا تنظر إليّ هكذا؟ أنا أميرٌ في مملكة الأيلف الغربية! نحن نقتات على رحيق الزهور والمانا المقطرة والفاكهة التي تقشرها لنا الخادمات حتى لا تلمس أصابعنا القشرة الخشنة! "

‏"هل تظن حقاً أن أميراً للايلف سيدخل للمطبخ ليطبخ لنفسه؟ هذه إهانة لتاريخي الجيني!" ثم حول ارثر نضره نحو كايزر

‏هنا انفجر **كايزر** بغضب: "أنا وريث 'غضب السماء'! سليل عائلة الصواعق! يداي خُلقتا للإمساك بالبرق وتحطيم الحصون،"

‏" لا لتقليب قطع اللحم المزعجة فوق نار بدائية! اطبخ لنفسك يا آرثر، أو دع الوحوش تأكلنا، فهذا أشرف لي من الوقوف أمام موقد!"

‏نظر آرثر نحو إدريان الذي أدار وجهه بسرعة، متفادياً نظرات العتاب، وقال بصوتٍ خافت ونبرةٍ يملؤها مزيج غريب من الإحراج والكبرياء الجريح:

‏"صحيحٌ أنكم ورثة لعوائل كبرى تهتز لها الممالك، لكنني في النهاية ابن عائلة نبيلة أيضاً.. لم ألمس مقلاةً في حياتي، وكان هناك خدمٌ يهرعون لتحضير طعامي بمجرد أن أشعر بالجوع."

‏ساد صمتٌ قصير ومضحك، حيث تبادلت المجموعة نظرات الذهول.كايزر، توقف فجأة ونظر إلى إدريان بذهول ساخر: "حتى أنت يا إدريان؟ كنتُ أظن أن 'نبلاء الطبقة المتوسطة' على الأقل يعرفون كيف يسلقون بيضة!"

‏أما مايك، فقد انفجر بضحكة ضخمة هزت جنبات الكهف وهو يربت على كتف إدريان بقوة كادت تسقطه أرضاً: "أهلاً بك في نادي 'العجزة عن الطبخ' يا صديقي! يبدو أننا جميعاً سنموت إما بمخالب الوحوش، أو بسبب الجوع الان "

‏خفتت حدة التوتر تماماً، وبدأ الجميع يدركون بمرارة مضحكة أن ألقابهم العظيمة وتاريخ عوائلهم العريق قد اجتمعوا أخيراً ليفشلوا أمام أبسط مقومات البقاء.. نارٌ وقطعة لحم.

‏وسط هذا الانهيار الكبريائي، تقدم **مايك** بضخامته المعهودة: "يا رفاق، توقفوا عن هذا الهراء. إنها مجرد قطعة لحم.. النار تحرق، واللحم ينضج، والمعدة تمتلئ. سأريكم كيف يفعلها الرجال الذين لا يملكون خادمات تقشر لهم العنب."

‏بينما كان مايك يجمع الحطب بهمة ونشاط، كان إدريان يقف بعيداً قليلاً، يراقب المشهد بملامح منزعجة وقلقٍ بدا واضحاً على تقاسيم وجهه.

‏كانت السلاسل حول يديه تصدر صريراً خفيفاً يعكس اضطراب أفكاره؛ فقد استقرت في عقله حقيقة مريرة جعلت معدته تتقبض أكثر من الجوع.

‏نظر نحو آرثر الذي يقطع اللحم باحترافية المحارب، ثم نحو ليا ومايكل و كايزر اللذين ينتظران "المعجزة"، وهمس لنفسه بمرارة ساخرة:

‏'كيف بحق الجحيم سنأكل هذا الشيء؟ تلميذة القديسة ووريث عائلة الصواعق، وأميران من الأيلف والأقزام، ووريث بطل النور وابن أفضل من حمل السيف في القارة.. '

‏' كل هذه الألقاب الرنانة هنا، ولا أحد منهم يعرف الفرق بين الملح والسماد! هل سنموت جوعاً أمام جثة وحش لمجرد أننا لم نجد خادماً يربط لنا مناديل الطعام؟'

‏"أيها العباقرة.." نطق إدريان وهو يسحب سلاسله بضجر، "النار التي جمعها مايك تكفي لحرق الغابة بأكملها وليس لطهي شريحة لحم. وبالنسبة لك يا كايزر، بدلاً من الصراخ، "

‏"هل يمكنك استخدام صاعقة 'مجهرية' لتسخين الحجر؟ أم أن قواك العظيمة تعمل فقط في وضع 'التدمير الشامل'؟"

‏كايزر نظر لإدريان باحتقار: "تطلب مني تحويل أعظم قوة سحرية في قارة استاريا إلى 'ولاعة' للسجائر؟" لكنه في النهاية أطلق شرارة بسيطة بتذمر، ملقياً باللوم على "الظروف الحالية السيئة".

‏بدأت عملية الطبخ "الكارثية". مايك كان يشرف على اللحم بجدية مفرطة، يقلب الشرائح باستخدام أغصان شجره الرائحة كانت مشجعة، لكن مايك انشغل بالدفاع عن نفسه ضد سخرية كايزر الذي لقبه بـ "الشيف الفاشل" وبدأ بالسخرية منه

‏فجأة، انبعث دخان أسود مر. نظر مايك للحم بذعر، ثم حك مؤخرة رأسه بابتسامة بلهاء: "اممم.. يا رفاق.. أظنني قد أحرقت الطعام.. قليلاً."

‏رفع آرثر شريحة من اللحم؛ كانت سوداء تماماً كالفحم من الخارج، ومن الداخل كانت ما تزال نيئة وتقطر دماً أرجوانياً.

‏"أحرقته قليلاً؟" صرخ كايزر، "لقد حولت البروتين إلى ألماس من كثرة التفحيم! هل نأكل هذا أم نستخدمه كحجارة لرمي الوحوش؟"

‏أما **إدريان**، فقد أخذ قطعة ونظر إليها بأسى: "في عائلتي لو قدم الطباخ طبقاً كهذا لتم نفيه إلى غابة الذئاب. مايك، أنت لم تطبخ اللحم، أنت قمت بعملية 'تحنيط' سريعة له."

‏لكن الجوع كان أقوى. أخذ آرثر أول قضمة، وسمع الجميع صوت "قرمشة" الفحم. صمت وعيناه تدمعان من المرارة: "حسناً.. المذاق يشبه طعم الحذاء العسكري القديم الذي نقع في الوحل لسنوات.. لكنه دافئ. كلوا قبل أن يبرد الفحم."

‏بدأ الجميع بالأكل. **ليا** كانت تغلق عينيها مع كل قضمة وهي تحاول الابتلاع، بينما كان **مايكل الأيلف** ينوح: "معدتي الملكية ستقدم استقالتها غداً.. هذه جريمة طهي دولية!"

‏كايزر كان يأكل ويشتم مايك بصوت عالي ومايك يرد بابتسامة فخورة: "غداً سأتحسن، ربما أضيف بعض الأعشاب المسمومة للنكهة!."

‏هنا تدخل مايكل الأيلف وهو يمسح شعره الأشقر المليء بالرماد: "توقفا عن الصراخ، أذناي المرهفتان لا تحتملان ضجيجكم. لكن صدقاً يا آرثر، كيف لم يعلمك 'أفضل سياف في القارة' كيف تقطع البصل؟ هل كان يظن أنك ستقاتل الوحوش بطعام جاهزة؟"

‏ضحك آرثر بسخرية وهو ينضر الى سيفه في الأرض: "والدي كان مشغولاً بتدريبي على كيفية قطع رأس الوحوش بضربة واحدة، لم يخبرني اي شيء عن طبخ الوحوش ماذا عنك يا 'أمير الغابات'؟ هل كنت تظن أن الأشجار ستنحني لتقدم لك الطعام مقطعة وجاهزة في الغابات أو الزنازل ؟"

‏التفت الجميع فجأة نحو ليا التي كانت تحاول أخذ قضمة صغيرة ولكن لا تستطيع بسبب قسوة اللحم. قالت ليا وهي تمضغ بصعوبة:

‏"توقفوا عن مضايقة بعضكم.. على الأقل نحن نأكل. لكن يا مايك، هل أنت متأكد أن هذا 'لحم'؟ المذاق يشبه طعم درع قديم تم نقعه في مستنقع."

‏انفجر مايك ضاحكاً وهو يلتهم قطعة ضخمة: "يا إلهي! تلميذة القديسة تنتقد الطبخ! ليا، أنتِ التي كنتِ تظنين أن النار تخرج من الخشب لأن الخشب 'غاضب'، "

‏" وليس بسبب الاحتكاك! ها ها ها "

‏غرق الجميع في ضحك خفيف، ضحك كسر حدة التوتر. "على الأقل يا مايكل،" قالت ليا وهي تضحك نحو مايكل، "شعرك لم يعد يبدو ملكياً.. إنه يشبه عش طائر مهجور أصابه برق كايزر الطائش!" نضر مايكل بغضب نحو ليا التي كانت تبتسم بخبث نحوه

‏بعد "الوليمة"، نام الجميع بتعب. نام مايك يتبعه مايكل، ثم ليا التي استسلمت للنوم وهي تحاول تدفئة يديها. كايزر غط في نوم عميق وهو يتمتم بكلمات عن "الانتقام من مايك في المستقبل".

‏بقي آرثر وإدريان مستيقظين عند مدخل الفجوة الصخرية، يراقبان الظلام الدامس الذي يلف أرجاء الغابة السفلية. التفت آرثر نحو إدريان وقال بنبرة هادئة: "يمكنك الذهاب للنوم الآن يا إدريان، سأتولى أنا حراسة المكان."

‏هز إدريان رأسه برفضٍ قاطع وأجاب: "كلا، سأبقى معك قليلاً لأساعدك.. كما أنني لا أستطيع النوم، لستُ معتاداً على أجواءٍ كهذه."

‏أومأ آرثر برأسه وتراجع مستنداً إلى الصخر البارد، وهو يغرس نظره في الأفق المجهول: "كما تشاء إذن."

‏ساد الصمت بينهما مجدداً، صمتٌ لم يقطعه سوى أزيز الرياح المعدنية البعيدة، بينما كان كلاهما يدرك أن "النوم" في حضرة الموت هو ترفٌ لا يملكه إلا من فقد عقله، أو من وثق تماماً في السيف الذي يحميه

2026/04/02 · 14 مشاهدة · 1347 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026