“…كُلْها.”
دفعت إيفلين الصغيرة الطعام نحو وجهي.
ضغطت المعجّنة على خدي، ولطّخته بقليل من الكريمة.
“كُلْها!”
كان واضحًا أنها بدأت تنزعج، لذلك، وبشيء من التردّد، أمسكت بالمعجّنة وأخذت قضمة صغيرة منها.
'حلوٌة جداً .'
لم أكن بارعًا مع الطعام.
وبحلول ذلك الوقت، كنتُ قد أدركت السبب بالفعل. التبديل الذي حدث في جسدي بيني وبين جوليان جعلني أحتاج إلى طعامٍ بلا نكهة، وجعل الحلويات… حلوة أكثر مما ينبغي.
'لا، في الأصل لم أكن جيدًا في التعامل مع الحلويات.'
لا الآن، ولا في الماضي.
لم أكن من محبّي الحلويات أصلًا.
ولهذا السبب…
“كيف طعمه؟”
"…"
“جيد؟”
"…"
“قُل لي.
"…"
“جوليـ—
غُلْب!
تمكّنت أخيرًا من ابتلاع الطعام قبل أن أرفع إبهامي إلى الأعلى.
“جـ… جيد.”
"…."
على الرغم من صِغر سن إيفلين، إلا أنها استطاعت أن تكشف كذبي وبدأت تحدّق بي بغيظ. لم يكن بوسعي سوى أن أُجبر نفسي على قضمة أخرى.
لكن—
“بتفف!”
انتهى بي الأمر بأن أبصق كل شيء عليها.
تجمّدت إيفلين الصغيرة في مكانها، تنظر إليّ بصدمة، وعيناها متّسعتان.
عرفت في تلك اللحظة أنني ارتكبتُ خطأً فادحًا.
'اللعنة…'
“شم… شم…”
وعندما سمعتُ شهقاتها المكبوتة، تأوّهتُ في داخلي.
“أنتَ… أنتَ…”
“…أنا لا أحبّه.”
قلتُ ذلك أخيرًا بصراحة، وأنا أُخرج معجّنة أخرى وأناولها لإيفلين.
“جرّبيه أنتِ."
“لا—همم!”
حاولت إيفلين إبعاد يدي بصفعة، لكنني تجاهلتها ودسستُ الطعام في فمها.
“كُليه. أخبريني كيف طعمه.”
ظلّت عينا إيفلين متّسعتين، لكن ما إن سجّل لسانها طعم الطعام حتى بدأ وجهها يلين. عضّت عليه، وعقدت حاجبيها للحظة، قبل أن تُبعد يدي برفق وتبدأ بتذوّق النكهة ببطء.
“…إنه لذيذ.”
تمتمت أخيرًا، وهي تأخذ منديلًا لتنظّف فمها.
“ليس حلوًا أكثر من اللازم، لكنه جيد.”
بدا أنها تقدّم نقدًا صادقًا.
“هذا كل شيء؟”
لكنني لم أكن مهتمًا حقًا. ما كان يشدّ انتباهي هو تلك الطبقة البيضاء التي كانت تغطّي جسدها. كنت أعلم أنها لن تبقى طويلًا قبل أن تتلاشى، وأردت أن أقضي أكبر وقت ممكن محاولًا فهمها.
“هاه…؟ ألا يفترض أن يكون هناك المزيد؟”
“بالطبع.”
أجبتُ بلا مبالاة، وأنا أضيّق عينيّ محاولًا تركيز انتباهي على تلك القوة.
“أنتِ لا تعطينني وصفًا كافيًا. تقولين إنه ليس حلوًا أكثر من اللازم، لكن ماذا عن القوام؟ ماذا عن النكهات الأخرى؟ ما الذي يجعل هذه المعجّنة جيدة إلى هذا الحد؟ لن أجرّبها ما لم تقدّمي لي تفاصيل حقيقية.”
لا، حقًا…
كمّ الهراء الذي كان يخرج من فمي كان كافيًا ليجعلني أعجز عن الكلام.
لكنّه نجح.
تجهمت حواجب إيفلين بشدة وهي تميل للخلف متكئة على الكرسي، وراحت يدها الصغيرة تستقر عند ذقنها بينما بدأت تفكّر بعمق في أسئلتي.
“القوام؟ ليست تفاصيل كافية…؟ الحلاوة؟”
بدأت عيناها تدوران وهي تحاول فهم ما الذي أرمي إليه، لكنني تركتها وشأنها وأغمضت عينيّ بدلًا من ذلك.
“سأنتظر حتى تعطيني إجابة مناسبة.”
تحوّل بصري إلى ظلام.
وفي ذلك الظلام، ركّزت كامل انتباهي على تلك القوة البيضاء العكرة التي تمكنت من رؤيتها.
'على الرغم من أنها خافتة، فقد شعرتُ بالفعل بارتباط مع الـمصدر. ما تبقّى لي هو إنشاء اتصال مباشر معه كي أستطيع استخدام قواه. لكن…'
ترددتُ قليلًا ترددتُ قليلًا.
كنتُ أعلم أن اللحظة التي أُنشئ فيها اتصالًا كاملًا بالمصدر، ستتجه نحوي أنظار الكائنات الخارجية. لقد تمكنتُ من المرور دون أي مشاكل لأنني لم أكن قويًا بما يكفي لأستحق انتباههم، ولأنني كنت أفتقر إلى أي ارتباط حقيقي بالمصدر.
لكن ما إن أُنشئ ذلك الاتصال، فهذا يعني بالضرورة جذب انتباههم.
'هل يعني هذا أن عليّ إخفاء أفكاري؟ هل يجب أن أخلق شخصية مختلفة تمامًا، كما فعلت الحكام الأخرين ؟'
جعلتني هذه الفكرة أتردد.
وفجأة، تذكّرتُ كل المرات التي شاركتُ فيها في المسرحيات، فضحكتُ في داخلي.
ربما كان هناك ما هو أعمق مما تصورت في البداية.
قد لا يكون الأمر كذلك. على أي حال، سأضطر إلى اكتشاف ذلك أثناء اتصالي بالمصدر. ينبغي أن يكون هذا هو همّي الأكبر في الوقت الحالي. لا أعلم كم من الوقت تبقّى لي، وإن عدتُ إلى إيفلين في 'الحاضر'، فأنا متأكد أنني سأموت لا محالة.
كان هذا سباقًا مع الزمن، وكنتُ أضيّع وقتًا أكثر مما ينبغي.
“هوو.”
أطلقتُ زفيرًا منخفضًا، غامرًا كل الضجيج من حولي بالصمت.
ولحسن الحظ، كانت إيفلين لا تزال منشغلة بالتفكير في كل ما قلته لها، بينما غرقتُ أنا أعمق في أفكاري، محاولًا التركيز على الإحساس الذي شعرتُ به في الماضي.
'المصدر… المصدر… المصدر…'
كنتُ قد شعرتُ بالمصدر من قبل، لكنني لم أتجاوز ذلك الإحساس أبدًا.
لم يكن الأمر لأنني لم أرغب، بل لأنني لم أكن أعرف كيف أفعل ذلك. ولحسن الحظ، فإن ذاتي السابقة كانت قد منحتني تلميحًا جيدًا، بينما حاولتُ استشعار تلك القوة البيضاء العكرة المنبعثة من جسد إيفلين وتتبع أصلها.
لم تكن هذه الخطوة صعبة، لكن ما تلاها كان مختلفًا، إذ ظهر في مجال رؤيتي خط أبيض طويل ورفيع.
امتدّ إلى الأعلى بلا نهاية، وبدأتُ أوجّه أفكاري ببطء في اتجاهه.
'اهدأ… ابقَ هادئًا.'
كان الإحساس الذي مررتُ به أثناء ذلك غريبًا.
شعرتُ بأن رأسي خفيف، وكأنني أطفو، بينما بدأت 'القوة' تضعف شيئًا فشيئًا مع مرور كل ثانية. ومع ذلك، كان يبدو وكأن هذا الخط الطويل لا نهاية له، وأنا أتبعه بأقصى ما أستطيع.
كلما صعدتُ أكثر، ازداد شعوري بالدوار.
كان الأمر أشبه بأن جسدي بأكمله بدأ يتمدّد…
لا، بل يتفكك، بينما تغيّر المحيط من حولي، وأصبح الظلام مختلفًا كلما ارتفعتُ أعلى وأسرع.
'اهدأ… ابقَ هادئًا.'
كان عليّ أن أُذكّر نفسي مرارًا وتكرارًا بأن أبقى هادئًا، بينما كنت أشعر بموجاتٍ من الذعر ترتفع عميقًا في داخلي. وفي مثل تلك اللحظات، كنت أعلم أن عليّ إطفاء جميع مشاعري، إذ بدأ عقلي يشعر بازدياد عدم الارتياح.
لم أكن أعلم كم من الوقت قد مرّ، لكنني ظللتُ عنيدًا.
لم يكن لديّ خيار آخر.
كان هذا أمرًا لا بدّ لي من فعله.
وهكذا، وأنا أقبض على أسناني، واصلتُ تتبّع ذلك الخط الذي كان يترقّق أمام ذهني ذاته. كنت أشعر بوجوده يضعف أكثر فأكثر، وللحظة، عاد الذعر الذي تمكنتُ من كبته داخل عقلي ليطفو من جديد.
'لا، ليس الآن! القليل فقط…!'
كنت أشعر بأنني أقترب أكثر فأكثر من المصدر.
كنت أحتاج فقط إلى مزيدٍ من الوقت.
القليل فقط—
با… ثَمب!
دوّى فجأة صوت 'دقّة'عالية في الظلام.
أوقفني في مكاني تمامًا.
با… ثَمب! با… ثَمب!
استمر النبض، وهذه المرة كان أقوى من ذي قبل.
بدأتُ أشعر بأن المحيط من حولي يتغيّر، وبإحساسٍ خانقٍ يضغط على عقلي، بينما أخذ الفضاء من حولي ينبض.
شعرتُ بصِغَري داخل ذلك الظلام المحيط بي، وازداد ارتجاف المكان، وكأن شيئًا ما كان يحاول أن يُثبّت تركيزه عليّ. وما إن أدركتُ ذلك حتى علمتُ أن البقاء ساكنًا ليس خيارًا، فانتفضتُ خارج الحالة التي كنتُ فيها، وواصلتُ تتبّع الخط الأبيض الرفيع الذي كان يصبح ارق مع كل ثانية تمرّ.
على الرغم من أنني لم أرَ له نهاية، إلا أنني كنتُ متأكدًا من أنني أقترب من 'المصدر'.
لكن كلما اقتربتُ منه، ازداد 'النبض' قوة.
با… ثَمب!
أصبح الصوت أثقل، يتردّد في مكانٍ ما عميق داخل الظلام. ومع كل دقّة، كانت التموجات تعبر الفراغ، ملتويةً حول الخط الأبيض الرفيع أمامي. تمايل. ارتعش. وللحظة، ظننتُ أنه سينقطع.
ثم بدأت الهمسات.
لم تأتِ من الأعلى ولا من الأسفل.
بل جاءت من كل مكان.
من داخل رأسي.
من الظلام.
من الخط الأبيض نفسه.
"■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■"
"■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■"
"■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■"
كانت أصواتهم تزحف تحت جلدي.
بدأت أفكاري تتشوّش، وأنفاسي تصبح متقطّعة وأنا أحاول التمسّك بذلك الخيط أمامي.
'إنهم…'
لقد… لاحظو.
وجودي.
وما إن أدركتُ ذلك، حتى بدأ الفضاء من حولي يلتوي. كنتُ أشعر بهم… بأحجامٍ شتّى، كائنات غير مرئية، موجودة خلف حدود الإدراك.
انطبق المحيط على عقلي، وكأن يدًا هائلة كانت تضغط عليه بإحكام.
ومض الخط الرفيع مرةً أخرى، متقلّصًا تحت وطأة حضورهم.
بدأ عقلي يئنّ. في كل مرة حاولتُ التركيز، كانت الهمسات تضغط أكثر، تغوص في داخلي.
"■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■"
"■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■"
أيًّا كانت الكلمات التي خرجت من أفواههم، لم أستطع فهمها.
لا…
كان الأمر أشبه بأن عقلي نفسه غير قادر على استيعابها، إذ أخذ يتلوّى مع كل 'ضجيج'أسمعه، بينما كانوا يضغطون على أفكاري، يلوونها، ويحاولون الكتابة فوقها.
ولثانية واحدة… نسيتُ من أكون.
نسيتُ لماذا كنتُ أتسلّق.
لكن ذلك لم يدم طويلًا.
سرعان ما استعادتُ وعيي.
لم يكن عقلي ضعيفًا. هذا القدر… كان شيئًا أستطيع تحمّله، فواصلتُ التقدّم. كان الخط الأبيض الرفيع ينبض بخفوت تحت إرادتي. شعرتُ بوعيي يتمدّد ويترقّق… وكأنني أذوب داخل الظلام.
جسدي، أفكاري، وحتى إحساسي بذاتي بدأ يتلاشى. لكنني لم أتوقّف.
كلما صعدتُ أكثر، ازداد الضغط. بدا وكأن الهواء نفسه قد تصلّب. كل نبضة كانت تتردّد عبر الفراغ، تضغط عليّ بثبات من كل الاتجاهات.
لكن سرعان ما—
رأيتُه.
ضبابٌ أبيض خافت في البعيد، بينما كان الخط يومض بضعف.
كنتُ بالكاد أستطيع رؤيته من خلال الضباب، لكنني كنتُ أعلم أنه هناك.
المصدر.
ارتجف الفضاء من حولي. بدأت أشكالٌ تتحرّك في البعيد… ظلال بلا هيئة، تُقوّس الواقع حيثما مرّت. لم أستطع رؤيتها بوضوح، لكنني استطعت أن أشعر بها.
كانوا جميعًا يراقبونني.
ارتجف الخط بعنف.
وفي اللحظة التي مددتُ فيها إرادتي نحوه مجددًا، أمسك بي شيءٌ غير مرئي. جُذِبَ عقلي إلى الأسفل، وابتلعته فوضى من التشويش والضجيج. تحوّلت الهمسات إلى صرخات، صرخاتٍ استطعتُ تمييزها بعقلي وهي تعوي بصوتٍ حاد.
'آه!'
قاومتُ، دافعًا بكل ما أملك من إرادة إلى الأمام. استخدمتُ سحري العاطفي، أهدّئ عقلي بلا توقف بينما واصلتُ الصعود.
كان هذا هو الجزء الأصعب.
كان عليّ أن أصل إلى المصدر وأُنشئ اتصالًا معه.
في اللحظة التي أفعل فيها ذلك، سأتمكن من استخدام قواه.
تقطر… تقطر…
شعرتُ بالدم يسيل من أنفي، رغم أنني لم أكن متأكدًا أصلًا إن كنتُ ما زلتُ أملك جسدًا.
'القليل فقط…!'
تشقّق الظلام.
اندفع الضوء من خلال الشقوق، غامرًا مجال رؤيتي. ازدادت الصرخات داخل عقلي حدة، تضغط عليّ من كل الاتجاهات، لكنني تجاهلتُها.
واصلتُ الصعود.
لم يكن هناك ما يستطيع إيقافي. ولن أسمح لشيءٍ أن يفعل.
غمر الضوء الأبيض كل شيء، حارقًا عقلي ببريق شعرتُ أنه سماوي ولا يُطاق في آنٍ واحد.
ثم رأيتُه.
كرة من بياضٍ نقي، معلّقة في مركز الفراغ المنهار.
لم تكن تتوهّج.
لم تكن تشعّ.
كانت… موجودة فحسب.
حضورٌ يمحو كل ما حوله.
بدأت الكائنات الخارجية بالتحرّك. انطبق الضغط عليّ، محطمًا آخر خطوط الدفاع التي أملكها.
لكن…
كنتُ أستطيع أن أشعر أيضًا بأن هذا كان حدّهم.
لم يكونوا قادرين على إيقافي، حتى لو أرادوا ذلك.
كان هناك شيءٌ ما يمنعهم من التدخّل.
وسرعان ما—
مددتُ يدي نحو المصدر.
تلاشت أصابعي، وراحت تومض وتذوب في الضوء كلما اقتربت من الكرة.
"■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■"
"■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■"
اندفعت الأصوات عليّ مرةً أخرى، لكنني لم أتوقّف.
لم أستطع.
'…قريباً !'
مددتُ يدي إلى الأمام، وكانت آخر قوتي تتلاشى. لكن سرعان ما… لمست أصابعي سطح الكرة.
في تلك اللحظة، تجمّد العالم.
اختفى الصوت. اختفى الظلام. حتى أفكاري اختفت.
لم يبقَ سوى الضوء—
ضوء أعماني تمامًا.
ومن مكان ما داخل ذلك الضوء، تردّد صوت صغير.
"…كُلْها."
صوت إيفلين.
عندما رفعتُ رأسي، ظهرت أمامي معجّنة صغيرة، ويد صغيرة تدفعها نحو فمي.
"القوام ناعم، لكنه ليس مطاطيًا كثيرًا، وهذا جيد لأنه لا يعلق في الأسنان. الكريمة ليست حلوة أكثر من اللازم، لكنها ذات طعم جميل جدًا يجعل المعجّنة كلها تبدو فاخرة. أعتقد أنها متوازنة… مثل شيء تأكله في مكان مهم."
هزّت رأسها عدة مرات، تبدو راضية.
"ستة من عشرة."
صوتها الصغير أخرجني من غيبوبتي.
"هذا تقييمي."