[معاناة مكابدة اللإصلاح: العقد ]

"...حاولتُ قتله أو إضعافه، لكنه كان يجاريني في السرعة رغم ضخامة جسده وثقل سلاسله. بدأ جسدي يخور، وقواي تستنزف. وفجأة، رأيتُ ضوءاً أحمر ينفجر في السماء؛ كانت تلك الإشارة المنتظرة.. لقد اكتملت الأفخاخ.

صرختُ بكل ما أوتيت من قوة: 'إلى الداخل! تراجعوا فوراً!'. استطعتُ الفرار منه بأعجوبة، ولم ينجُ من رجالي سوى مئة وأربعة وستين جندياً من أصل ثلاثمئة. بدأت الوحوش تُظهر ذكاءً مفاجئاً بتراجعها هي الأخرى، مما منحنا فرصة لالتقاط الأنفاس. لكن الرعب كان قد تغلغل في نفوس الرجال؛ اقترب مني أحد الجنود، يرتجف خوفاً، وقال بصوت مخنوق: 'أرجوك أيها القائد.. لا أحتمل مشهد الموت أكثر، الخوف يقتلني، أريد العودة لعائلتي!'.

رمقته بنظرة حازمة وصحتُ فيه: 'أعلم ما تشعر به، لكننا جميعاً وافقنا على هذه المهمة! تضحيتنا هي الوحيدة التي ستؤخر تقدم تنين الشر، وبفضلها ستتمكن آلاف العائلات من الوصول إلى مملكة الجان وأمان شجرة العالم. عُد إلى رفاقك واستجمع شتات نفسك؛ أن تموت بشرف خيرٌ من أن تعيش عاراً جباناً ما بقي لك من عمر! انصرف!'. استعاد الجندي بعضاً من ثباته وعاد لصفوفه، بينما همستُ لنفسي: 'لن نصمد أكثر من يومين.. آمل أن يصلوا في الوقت المحدد'.

النهاية الكارثية:

في منتصف اليوم التالي، حدث ما كنا نخشاه. ظهر تنين الشر بنفسه، محلقاً فوق المملكة كغيمة سوداء من الموت. وبنفثة واحدة من نيرانه الأسطورية، أحال كل شيء إلى رماد. نيرو، جينكا، فيران.. كلهم سقطوا. نجوتُ بعجوبة من الحريق الأول، وكنت أترنح بحثاً عن جرعة شفاء تخفف ألم جسدي الذي يقطر دماً، ويدي اليمنى التي تعطلت عن الحركة تماماً.

هبط التنين على الأرض، فأحدثت رياح هبوطه عاصفة اقتلعت ما تبقى من صمودي. سقطتُ أرضاً تحت وطأة هديره المرعب. أدركتُ حينها أنه لا مفر. استجمعتُ بقايا كبريائي، وتقدمتُ نحو التنين. انحنى الوحش برأسه الضخم أمامي، فرفعتُ سيفي المكسور في وجهه وصحتُ بأسنان كزّة:

'اللعنة عليك.. وعلى من أعاد تجسيدك! ستكون هذه آخر أرض تطؤها قدماك...'.

في تلك اللحظة، لمحتُ شخصاً مجهولاً يقف بجانب التنين، أشار بيده نحوي ببرود، فما كان من التنين إلا أن أطلق أنفاسه الأخيرة عليّ. مات رويس دريمونس.. ومات معه رفاقه، لكن تضحيتهم لم تذهب سدى، فقد وصل الناجون إلى مملكة الجان.

المكان المجهول والعهد الأسود:

استيقظتُ في فراغ لا ينتهي، سواد دامس يحيط بي من كل جانب. صرختُ من ألمٍ فظيع في رأسي وجسدي، وكأن عظامي تُعاد صياغتها. وفجأة، ظهر أمام عيني وحش قصير القامة، يطوف في الهواء بابتسامة خبيثة: 'أعشق صراخ البشر.. لكن ليس لدي وقت لهذا الآن. أنا هنا لأعقد معك صفقة يا رويس دريمونس. أولاً، دعني أعالجك'.

بفرقعة من أصابعه، اختفى الألم تماماً. نهضتُ فزعاً وحاولت استلال سيفي، لكن يدي لم تجد سوى الفراغ. تراجعتُ للخلف، فزمجر الوحش منزعجاً: 'اسمي (بيرو 078)، ولا تسألني عن الرقم! لقد متَّ بالفعل يا رويس، لكن قبل أن تُسحق روحك في العدم، تم استدعاؤك لتحصل على فرصة ثانية'.

تسمرتُ في مكاني: 'فرصة ثانية؟ أتقول إنني أستطيع العودة ومنع الكارثة؟'.

رد بيرو ببرود: 'أجل، ولكن ليس بالمجان. عليك أن توقع عقداً لتصبح محارباً تابعاً لي في (لعبة البقاء). سأرسلك إلى عالمٍ قانونُه الوحيد هو (البقاء للأقوى). ستنافس، تخدع، تقتل، وتحالف.. لا يهم الطريق، المهم هو الفوز. إذا منحتني الفوز في تلك اللعبة، سأمنحك الفرصة التي تتمناها وأفسخ العقد'.

سألتُه بنبرة حذرة: 'كيف سأعرف أنني فزت؟ وهل من سأواجههم بشر مثلي؟'.

أجاب: 'ستعرف كل شيء في وقته. أما خصومك.. فليسوا جميعاً من جنسك. الخيار لك الآن: إما التوقيع، أو الفناء الأبدي'.

فكرتُ في عائلتي والمملكه، في نيرو ورفقائي، وقد يكون في الحقيقة أن شجرة العالم قد لا تصمد لفتره طويله. قلتُ بحزم: 'سأوقع. سآخذ الفوز بيدي، ولن يدع أحداً يعترض طريقي'.

ظهرت ورقة من العدم بابتسامة وحشية من بيرو، وتم توقيع العقد بالدم. قال لي بيرو وهو يلاشي المكان من حولي:

'نصيحة أخيرة: لا تكشف سر وجودك لأحد، ولا تدع مشاعرك العاطفية تجرك للهاوية. توحد مع الظلام، كن وحيداً، بارداً، وافترس كل من يقف أمامك.. فالبقاء هنا للأقوى فقط!'."

"مرة أخرى، وبفرقعة من أصابعه، غاب رويس عن الوعي. وعندما استيقظ، وجد نفسه ملقىً على أرض غريبة في بداية جديدة. كان سلاحه بجانبه؛ سيفٌ بمقبض ذهبي ونصل فضي خالص يلمع كالمرآة.

وجد رويس نفسه في قلب غابة عملاقة خضراء، فنهض وبدأ باستكشاف المكان. ساد الهدوء لفترة قبل أن يلمح بعض الأرانب البرية. فكر رويس: 'عليّ أن أصطاد أحدها لأسدّ جوعي'. تحرك بخفة وسلاسة، مستغلاً خبرته السابقة في الصيد وسرعته الفائقة التي تميز بها دائماً.

وفي لحظة اقترابه، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ التفت الأرنب نحو رويس، وتحولت عيناه إلى اللون الأحمر القاني، وبدأ حجمه يتضاعف بشكل مرعب! صرخ رويس في نفسه: 'اللعنة! ما هذا بحق الخالق؟!'.

استلّ سيفه بسرعة وغلفه بـ 'المانا'، ثم اندفع نحو الوحش قبل أن يكتمل تحوله. صاح: 'سيف المانا: طعنة التفجير!'. (وهي قدرة تضخ كمية هائلة من المانا في رأس السيف عند ملامسة الهدف، مما يؤدي إلى انفجار المانا داخل الجسد وإحداث ثقب فتاك).

نجحت الطعنة وأحدثت فجوة في جسد الأرنب العملاق، مما أضعف حركته، فقفز رويس معززاً قدميه بالمانا ولوّح بسيفه ليقطع رأس الوحش بضربة واحدة. تنهد قائلاً: 'يبدو أن قوتي ما زالت موجودة، لكن هذا العالم غريب حقاً؛ لم أرَ كائنات تتحول بهذا الشكل من قبل'.

استمر رويس في استكشاف الغابة المترامية الأطراف حتى وجد بحيرة، فاصطاد أربع أسماك، وجمع الحطب لإشعال النار، ثم اغتسل في مياه البحيرة لينظف نفسه. حلّ ليله الأول في هذا العالم، وتذكر كلمات 'بيرو 078' عن المشرفين الذين سيظهرون ليشرحوا قواعد النظام، لكن لم يظهر أحد.

مرّت واحد وعشرون يوماً ورويس يعيش على الصيد والتدريب، حتى أنه بنى كوخاً صغيراً ليحتمي به. وفي اليوم الحادي والعشرين، وبينما كان يواجه مجموعة من الغيلان، حدث أمر مفاجئ؛ تلاشت الغابة من حوله وانتقل في لمح البصر إلى ساحة شاسعة تحيط بها بنايات شاهقة وشقق ومعامل من العصر الحديث.

كان المكان يضجّ بضوضاء صاخبة؛ بشر، ووحوش تتكلم، وجنس 'الإلف' (الجان). وفي السماء، كان يطوف ثلاثة وحوش بلقطات فخمة ومهيبة. قام الوحش الذي في المنتصف بنشر هالته المرعبة، فخيم الصمت المطبق على الجميع، واستقر الرعب في قلوب الحاضرين."

2026/02/06 · 1 مشاهدة · 939 كلمة
نادي الروايات - 2026