لا أحب مصطلح التكيف مع البيئة أفضل أن تكون البيئة هي من يتكيف معي ..

.....................................................

🐢 .....🥬

مع استجماع أصلان لشتات نفسه عاد للغرفة مُثقل القلب ، متعب الروح ، لكن شعلة العزيمة للإستمرار في المضي قدماً لم تنطفئ داخله.. هبّت عليها بعض رياح الوجع مخلخلة صورتها لبعض الوقت إلا أنها لم توقفها عن التوقد مشتعلة بجمر التصميم وجذوع الأمل الراسخ بأن المرحلة الأحلك من حياته انتهت وحلّت بعدها مرحلة أخرى لا يمكنه التيقن من مدى صعوبة هذه المرحلة لكنها مختلفة.. وسينهيها كما فعل مع سابقتها بكل تأكيد.

دخل الغرفة مغلقاً الباب خلفه بهدوء متوقعاً سماع أصوات الصغار لكن الجو كان ساكناً في الغرفة بشكل مريب والأنوار الأساسية تم إطفائها مع ترك المصابيح الثانوية مُضاءة.. إنتابته بعض الهواجس السيئة لكنه ألجمها عابراً المدخل القصير بهدوء وعند دنوه من الردهة حيث مكان الجلوس رأى فارس نائماً على الأريكة الأكبر بشكل فوضوي جاعلاً رجله فوق ظهرها واللحاف منبعجاً تحته وأمامه أميرة تقف معقودة الأذرع ويبدوا وكأنها تفكر في كيف تسحب اللحاف من تحته لتضعه فوقه..

من عند أصلان كان المشهد لطيفاً للغاية فأخرج هاتفه خلسة ناوياً توثيق ذلك بالسر وما إن رفع هاتفه على تطبيق الكاميرا مثبتاً يده لتظهر الصورة بشكل في خِفّة الإنارة إلتفتت أميرة نحوه برأسها جزئياً فجأة ومن خلف شاشة أصلان ظهرت عيناها وهما تشعان في الظلام مثل غزال بري يقف أمام المصابيح الأمامية لسيارة مما أجفل أصلان لينزلق الهاتف من بين يديه ويوشك على السقوط إلا أنه برد فعل سريع دفعه لأعلى باستخدام ظهر يده بزاوية منحنية ليست بالمحترفة بل مرتجلة ليرتفع في الهواء قليلاً فيعاود السقوط فتلقفه أصلان سريعاً بالإطباق عليه بين كفيه وهو منحن لأسفل مرتكز الوزن والوقفة على قدم واحدة في وضعية مضحكة بملامح جِدّ متوترة تحولت لتنهيدة راحة بعد إتمام عملية إنقاذ الهاتف دون خسائر.

تفقد هاتفه للحظة ثم عاد بعينيه ناحية القصيرة التي تطالعه بنظرات مرتخية ' يبدوا أنها تشعر بالنعاس' فكر أصلان مقترباً منها حيث جثى على ركبة واحدة أمامها ووضع يده على رأسها قائلاً بصوت منخفض حتى لا يزعج النائم قربهما "متى نام؟ "

" قبل سبعة وعشرين دقيقة وخمس وسبعين ثانية "

" هـ هذا دقيق جداً.. هل رأيته يأخذ الدواء الذي على الطاولة قبل نومه؟ "

" تعني المُسكّن؟ "

" أجل "

" نعم "

" ... إذا .. " قال بتمديد شبه محرج وهو مدار الرأس عنها ناظراً في الأرجاء عله يجد ما يشغل باله عن شعور بالإحراج الذي يفرضه الجمود الجاثم بينهما..تم تنضيف الطاولة وإغلاق الأنوار والنافذة أيضاً 'أهذا ما يدعونه بالطفل المستقل ذاتياً؟ '

" عمل جيد ما فعلته بالمكان " قال مربتاً على رأسها بثناء ثم نهض ليحمل فارس ويضعه في فراشه..

بعد تغطيته لفارس جيداً بحيث لا يجعل الغطاء تحته مرة أخرة خرج من غرفة النوم حيث وضع النائم عائداً إلى جلسة المعيشة ليجد أميرة مرتمية ببطنها على مسند الأريكة الكبيرة بشكل مضحك ويداه تتدليان من فوقه وهي تشاهد التلفاز بضجر. تفقد ساعة الحائط ليجد أنها (7:12) ولازال الوقت مبكراً ليرسلها لكي تنام رغم ما يظهر عليها من نعاس أو ربما بسبب خفوت الضوء؟. زفر بتعب متقدماً لرمي جسده على الأريكة الفردية عن يمينها ويتخذ الصمت جليساً لعدة دقائق متظاهراً بمشاهدته التلفاز بعدم اكتراث معها إلا أن الإعتذار كان يشغله حيزاً ليس بالقليل من مشاغل عقله.

مرت بضعة دقائق حتى استجمع شجاعته عند ظهور إعلان طعام قطط معلب ليستفتح أعتذاره وهو يدلك خلفية عنقه مصوباً نظره لرجل الطاولة وقد إعتدل في جلسته نوعاً ما " بمناسبة ما حدث سابقاً أنا . "

" إذا كنت ستستجوبني فسأتهرّب من الحديث بالنوم " قاطعت كلامه وهي رافعة لرأسها فوق المسند تحدق به بضجر وهو رفع نظرة نحوها طارفاً بتفاجئ مشوب بالإستنكار " ...حسناً هذا مباشر جداً. ما كنت سأقوله هو أني أسف إذا ضايقتك عندما سألت عن ندبت لكن عليك أن تعلمي أن سؤالي مدفوع بقلقي عليك " رمقها في نهاية حديثه بنظرة آسفة والندم الحزين يسود ملامحه وأردف برجاء أكثر من كونه سؤلاً " هلا سامحتني؟ "

" لم أكن منك غاضبة أو بسببك حزينة لكي أسامحك على ما سببته لي من مشاعر سلبية لم تتولد لدي في الأصل إثر سؤالك عن ما يخصني في ظرف كبحك لإنفعالاتك العصبية " قالت بموضوعية تشرح بها أن أسفه ليس في محله فلم يسبب لها ضرراً بالأساس لكي يندم دون داعٍ وفي المقابل بادلها الثاني التحديق بوجه متشنج معدوم الإستعاب عظيم الإستغراب لما نسبته به تواً.

حرفياً هذا الاثنان لا يفهمان بعضهما بتاتاً البتة.

في صباح اليوم التالي نزل الثلاثي المرح لتناول الفطور في مطعم الفندق لكن إحتاج حصول ذلك إلى مفاوضات سياسية لجعل فارس يرضى بتناول الطعام في مكان عام.

" مستحيل! " عارض فارس بقوة متشبثاً بمسند الأريكة بما قدرت عليه أطرف من إحتضان.

" لا تهول الأمور إنها مجرد وجبة إفطار لن يقترب منك أحد أعدك "

" لا لا لا مستحيل! " صاح محركاً رأسه برفض تام.

" هيا ليس وكأنني سأخذك للطبيب.. سمِعت أن لديهم كعكات شيكولات لذيذة هنا~ " قال أصلان محاولاً ثنيه عن عناده عن طريق إغراءه بكعكات الشوكولاته التي اكتشف أنه يعشقها بشدة.

" أبداً أبداً لن أبرح هذه الأريكة دعوني وشأني! "

" فارس أنا لا أقوم بجذبك حتى " قال أصلان بملامح باردة مراقباً ضرب فارس للفراغ الذي يقوم بسحبه من قميصه داخل مخيلته لجعله ينهض على ما يبدوا.

بعثر أصلان شعره بضيق لا يدري ما يفعل.. يعرف أنه يتحسس من التجمعات الكبيرة ولا يُحبذها لكن لا يمكنه الرضوخ لما يريده الأصغر وإلا ترك ذلك أثراً على شخصيته على المدى الطويل وشجعه على تجنب الخروج لتفادي التجمعات إلى أن يغدو منطقياً في النهاية.

تنهد للمرة المئة محاولاً إيجاد حل لهذه المعضلة فتقدمت أميرة نحو فارس الثائر بعد أن رأت قلة الحيلة في وجه والدها وقالت له شيئاً ما لم يستطع أصلان سماعه بسبب نواح فارس لكن يبدوا أن صوتها وصل لأذني الثائر لأنه وبطريقة ما توقف عن الصياح رامقاً أميرة باستغراب " أنتي جادة؟ " سأل رافعاً حاجباً ومنزلاً الآخر بعدم تصديق فهزّت أميرة رأسها بالإيجاب بضجر فعبس فارس وهتف بتكذيب " أقسمي على ذلك! "

"أقسم" قالت ليبتسم فارس بعبثية مضيّقاً عينيه وهو يرمقها بنظرة إستخفاف متحدي من نوع ' لنرى إن كنتي ستفين بكلامك ' ثم نهض عن الأريكة ذاهباً ليرتدي حذاءة فتضاعف فضول الأكبر أكثر من قبل حول ما قالته له وجعله يرضى بالذهاب بهذه السرعة.

خلال وجبة الإفطار في المطعم كان أصلان يرتشف قهوته السوداء ويمرر عينيه بين التوأم وهما يتناولان الإفطار.. فارس يضع قلنسوة سترته البنفسجية منذ خروجهم ويأكل الفطائر المحلا بالشيكولاته بتلذذ بعد أن أخذ بعض الوقت ليعتاد المحيط الحيوي حولهم ويبدأ في الأكل براحة وأما أميرة فتأكل بهدوء وبشكل فوضوي يدل على عدم معرفتها لآداب المائدة الأساسية.

كلاهما مزيج غريب ما بين الحيوية والحذر و الجمود والطفولية..

" أوه يا إلهي يا لكما من لطيفين ~ " تلك الجملة بتلك النبرة المزعجة جعلته يشرق في القهوة رافعاً رأسه لأعلى ليرى فتاة بملابس عصرية تحمل عصا سيلفي وهي تنظر للتوأم بإعجاب خصوصاً فارس الذي اقشعر بدنه بعدم راحة لكل هذا كم من الانتباه في عيني الفتاة نحوه.

لا يمانع مشاهدة ولكن قطعاً ليس إفتراسه بصرياً وكأنه سلعة نادرة!

يحب الأضواء؟.. بالطبع.

يحب الطفليات اللزجة؟.. إطلاقاً.

" هل يمكنني إلتقاط صورة سيلفي مع طفليك يا سيدي لأجل الدعاية للمكان؟ " سألت الفتاة بنبرة وديًة وقد كانت تصور فيديو حي في الأساس دون إستئذان وطلبت منه ذلك وهم على الهواء مباشرة .. وهل يهتم أصلان لذلك؟ .. طبعاً لا .. ليذهب كل أبناء هذا الجيل التافهين ليعيشوا داخل الانترنت بدل إزعاج من حولهم بجعلهم محتوى يجلب المال لقنواتهم السخيفة.

" أرفض ذلك فهلا تسمحين؟ أنتي تفسدين وجبتنا بوقوفك هنا " قال بأسلوب متحفظ لتعقد الفتاة حاجبيها بإنزعاج من أسلوبه الجاف الوقح.. ليس وكأنها ستموت لالتقاط صورة مع طفليه الغبيين لكن المشكلة أنها ستتلقى الكثير من الإنتقادات من قبل متابعيها إذا رحلت هكذا لذا لن ترحل دون تلك الصورة لحفظ ماء وجهها المزيف أمام أشخاص أكثر زيفاً.

إقتربت الفتاة من جهة كرسي فارس وقالت برجاء مصطنع وهي تسمك زاوية ظهر كرسيه وعصا السيلفي معلقة فوقها تصور ما تفعل بيدها الاخرى وهي تتمسكن " هيه يا صغير والدك لا يريد إلتقاط صورة لي معك~.. لقد أحزنني هذا كثيراً! هلا توافق أنت وتُسعد أختك الكبرى؟ "

انسحب فارس لحافة الكرسي ممسكاً بها ليحافظ على توازنه بينما يضع ذراعه الأخرى كحاجز بينه وبين تلك الطفيلية المزعجة رامقاً لها بنظرات عدائية وملامح مستنفرة.. ذلك الهاتف المعلق فوف عينيه تنبثق به العديد الرسائل بسرعة جنونية وهذا يعني أن العديد من الأشخاص يرونه الأن .. بهذا التفكير تصبب ظهره عرقاً بارداً مستعداً لعض وخدش أي يد قد تطاله ناوياّ جعل ذاك الهاتف يختبر تجربة الطيران أولاً.

قام أصلان عن مكانه ناوياً ابعاد هذه الطفيلية عن ابنه بأن يزجرها بصوت عالٍ دون أن يهتم لمظهره أمام كل العيون التي تتابعهم في المطعم ولكن استوقفه مظهر الفتاة وهي تهوي أرضاً فجأة وقد حدث ذلك بسرعة كبيرة...

كانت الفتاة ترمق فارس بعدم فهم وبعض الإنزعاج لتعابير وجهه الغريبة وكأنه يرى غولاً برأسين أمامه ليجذب انتباهها شعورها بأصابع تنقر على كتفها فاستدارت لتلقى نطحة قوية من رأس أميرة التي وقفت على كرسيها لتوازي بعض طول الفتاة الواقفة بين مقعدها ومقعد فارس وقامت بنقر كتفها ثم ثنت قدميها في وضعية القرفصاء لتثب كالضفدع موجهة نطحة إلى جبين الفتاة عند إستدارتها ناحيتها لتقعةالفتاة صريعة على الأرض بجبين محمر سالت منه الدماء بانفتاحه بجرح شبه غائر..

غطت الفتاة جبينها برعب من منظر الدماء وهي تنزف نزولاً لجسر أنفها ومن هول الصدمة بدأت تشهق بختناق والدموع تتجمع في عينيها بنظرة جزعة لم تستوعب ماذا حدث بالضبط فتلقائياً نظرت للأعلى لترى من قام بنطحها وهي تغطي جبينها بكلا كفيها بملامح مصعوقة انقلبت لمرتاعة عندما رأت أميرة تنظر لها بنظرات باردة من فوق الكرسي ونهران صغيران ينزفان من جرح جبينها هي يمتدان ليعبرا بحيرتي الدماء في عينيها.

" أنا هي أخته يا بقرة " قالت أميرة بنبرة باردة للفتاة من أعلى الكرسي.

في عدة دقائق تضخم الأمر و أُحدثت بلبلة تم فيها استدعاء رجال لأمن والمدير وأيضاً كل رواد المطعم بلا استثناء كانوا يتابعون ما يحدث عند طاولة أصلان حيث كان المدير في صف الفتاة الباكية مع بعض الأشخاص الذين قرروا الوقوف ونصرتها لكونها الضحية هنا ومقابلهم يقف أصلان وحيداً يتلقى كافة الصراخ والهجوم والطعن الأتي من أنصار الفتاة المظلومة التي كانت قد أُجلست على كرسي وراحت تبكي بشدة أثناء تلقي العلاج وأنصارها المشفقون عليها يتهافتون على أصلان بمختلف الإتهامات مثل الإستهتار في التربية وافتعال العنف المنزلي ليكون لديه طفلة بهذا الرد العنيف الغير مبرر.

هو فقط بقي واقفاً مكانه بصمت بملامح باردة يخفي تحتها ذاته المنهزمة التي جثت على الأرض تنزف من كل بقعة في جسده إثر سهام اتهاماتهم الباطلة التي إخترقت شتى أجزاء جسده دون رحمة ودون أن يستطع الرد.. فكيف يرد؟ نفي كونه أباً مستهتراً أمر لا يستطيع فعله فهو كذلك بشكل أو بآخر فلم يتولي تربية ابنته بل لا يعرف أي نوع من التربية اكتسبت طوال فترة عيشها بعيداً عنه..

كونها هكذا ليس خطأها بل خطأه بالكامل واحتمال هذا القدر من الألم لا يُكَفِّرُ ولو جزءاً صغيراً من ذنب قدره تسع سنوات.. لكنه سيتحمله فهذا حِمل يتوجب عليه حَمله واحتماله وحده.

في تلك المساحة الوهمية داخل خلد أصلان حيث كان يتلقى السهام المقذوفة نحوه بتتابع عشوائي وهو جاث على ركبتيه متقبلاً كل نغزة ألم برضى ناجم عن شعور بالإستحقاقية شعر بيد صغيرة تقبض على كم سترته فالتفت نحوها بفتور شخص قد فقد اتصاله الحسي بالواقع والأشخاص من حوله.

لا يوجد غيره هو الألم فقط.. كان هذا الواقع داخل عقله لكن ما رآه حين إلتفاته جعل عينيه تهتز شاخصة بصدمة.. كانت هي.. واقفة قربه.. الدماء قد جفت على وجهها ولطخت كمامتها قليلاً.. لا أثار دموع أو وجع.. فقط نظرتها الضجرة المعتادة وكأن شيئاً كهذا لا يمكنه كسر قشرة المبالغة وإظهار هشاشتها.

تجمد فاقداً القدرة على النطق ضائعاً عن كيفية التصرف ولسبب ما كل الأصوات بدأت تخفت بالتدرّج وكأن كل صوت يخفت بدوره عندما يجد رفاقه قد هدأوا فيقلدهم.. الهدوء النسبي ترك لأشباح الندم المجال لأن تعاود همسها الجماعي المرهِب والمحيط له من كل حدب وصوب جاعلاً منه مركز المأساة لكن لم تحصل على الفرصة للبدء في نشاطها الخبيث لأن أميرة قالت تزامناً مع هدوء الأصوات الغاضبة وتحولها لغمغمة " أجِّل الإنغماس في جلد ذاتك حتى تتفقد ابنك الذي يرتجف تحت الطاولة "

تلك الجملة البارد كانت كصفعة أيقضته مما كان به.. ما الذي كان يفعله؟ .. أأعجبه الوقوف وتلقي الأعدام رجماً بينما ابنته نزفت دمائها حتى جفّت وابنه متكور على نفسه ويرتجف بخوف أسفل طاولة؟.. عليه استجماع شتات نفسه حالاً! .. الطفلان بحاجته وهو يقف هناك كالأحمق!

في لحظة الإدراك تلك هدأت ملامحه المصدومة وببطئ مالت للإتزان حتى عادت خلايا عقله للعمل على نحو سليم ووقف..استدار ومشى نحو الطاولة ثم انحنى أسفلاً منها مرتكز الثبات بكفه لحافتها ليرى طفله محاوطاً لساقيه بذراعيه وداساً لرأسه بينهما وهو يرتعش بعنف إزاء كل أولئك الأشخاص المتجمعين وأصواتهم المتداخلة والغاضبة وحتى مع هدوئهم الحالي لم يتوقف جسمه عن الإنتفاض بسبب الخوف المستذكر عمّا تحمله الجلبة معها من مآسي.

مآسي لم يبصر أشنع منها إلا أن هذه تذكره بها.

رمق أصلان ابنه بنظرة متألمه لحاله وحدثه بصوت خافت عسى أن يجد الأصغر الطمأنينة به " لا تخف ..أنا هنا بجانبك بني "

لم يتوقف جسد فارس عن الإرتجاف و أخذ يشد ذراعيه حول ساقيه أكثر وهو يميل بجسده المكتور للأمام والخلف مصدراً صوت أنين مكتوم وقال بصوت مختنق ببحة بكاء من بين أنينه دون أن يرفع رأسه " أرجـ..ـوك خذنـ.ـي من هنا "

" لك ما تريد سنعود للمنزل الأن .. حسناً يا بطل؟" نبس أصلان بنفس الوتيرة الهادئة ثم مد ذراعيه متلقفاً ذلك القنفذ الخائف بروية وما إن حاوطت ذراعه جسد الصبي الصغير حتى قام فارس بتشبث به دافناً وجهه في كتفه متعلقاً برقبته وكأنها طوق نجاته الوحيد..

استقام أصلان وهو يربت على ظهر الفتى ملاحظاً أخيراً أن الضغط على أذنيه صار أخف بكثير وكل الأصوات صارت عبارة همسات.. أبعد عينيه عن صغيره مستمراً ببث الأمان له ناظراً حيث كان أنصار الفتاة يقفون ليجد كل واحد منهم عاد لمكانه السابق من ذات نفسه والمتفرجون الذين لم يتحركوا من البداية كانوا يشاهدونه متبادلين الهمسات فيما بينهم ومعالم الإستغراب وعدم الرضى تطغى على وجوه الأغلبية..

ارتفع حاجباه لما آل إليه الوضع من تغيير مفاجئ لكن لم يهتم حقاً.. وقع تركيزه على القصيرة التي أخذت تعبث بجيبه منتشله محفظته على مرأى منه وأخرجت منها عدة ورقات نقدية ووضعتها على الطاولة..

رمقها بنظرة محايدة لا تحمل مضموناً معيناً فردت عليها بضجر وهي تعيد محفظته لجيبه " لا تقلق أجيد الحساب واستخسرت فيهم البقشيش "

ضيق عينيه مستمراً بالتربيت على ظهر فارس ثم تنهد مقرراً تجاهل الامر.. جثى على ركبة واحدة فارداً ذراعه الحرة يدعوها لتأتي إليه فتقدمت نحوه ليحملها كذلك ويخرج من المكان بصمت حاملاً لكلا توأميه على ذراع متبوعاً بعدة عيون فضولية.

وصل لسيارته وفتح الباب الخلفي بصعوبة ليضع كلا التوأم على الكراسي الخلفية لكن فارس أبى أن يترك عنقه فمسح أصلان على ظهره بشكل دائري " فارس أختك مصابة وعلي علاجها " قال مستمراً بالمسح على ظهره منتظراً بصبر أن تدخل كلماته لعقل الفتى المتعلق به بقوة.

كان فارس لا يريد ترك ملجأه الآمن لأي سبب لكن كلام والده ذكره بوجود أخته وذكره بوجهها الذي سالت عليه الدماء ما سبب له بداية نوبة الذعر التي تفاقمت مع هجوم الناس على طاولتهم.. استجمع شجاعته ليترك عنق والده ويرتكز بكفيه المرتجفين على جلد مقعد السيارة بوجه اختفت ملامحه أكثر من قبل تحت شعره الذي تلاصق ببعضه إثر تبلله بالدموع.

رفع غرته عن وجهه بانزعاج كاشفاً عن عينه العسلية التي تشاركت مع أختها السوداء في الإحمرار المنتفخ تحتها بسبب البكاء.. رأى والده يسحب منديلاً مبللاً من العلبة الموجودة قرب ناقل الحركة ثم جلس مقرفصاً بعد اجلاسه لأميرة على طرف المقعد للتتدلى قدماها خارج السيارة وشرع في تنضيف وجهها من آثار الدماء منزلاً كمامتها التي تلطخت ببعض بقع الدم.

" حمقاء! لما فعلتي ذلك؟! " صرخ فارس فجأة جاعلاً الأكبر وحده يجفل وكليهما يحول نظره نحوه ما بين استغراب وضجر ما دفعه للشدّ من حدة تجهمه محمر الوجه باحراج يُنكره بثبات على عدوانيته.

لم يقصد الصراخ بصوت عالٍ لكنه كان منزعجاً لكونها تأذت وساخطاً عليها بسبب ذلك أيضاً.

قالت أميرة وهي ملتفته للخلف ناحيته وأثر الدماء صار باهتاً إزاء مسح أصلان له قليلاً قبل مقاطعة فارس له " أخبرتك أني سأفعل وجعلتني أقسم كيف نسيت بهذه السرعة ألديك قُصر ذاكرة؟ " قالت باستنكار ضجر لسؤال الغاضب.

صاح فارس بعصبية على ما قالت " لم أظنك ستفعلين حقاً أيتها المجنونة! "

حملقت بتوأمها من غير فهم لعصبيته الزائدة واصفة له بـ ' ملك دراما ' في عقلها فقاطع أصلان ذلك النقاش مستدعياً انتباه من اتضح أن جرح جبينها بالكاد يكون خدشاً متوسطاً لكن مازال يحتاج إلى تضميد" مهلاً مهلاً نقطة نظام!.. عما تتحدثان كلاكما؟ "

أزاحت أميرة نظرها عن الغاضب المرتجف وقابلت وجهه والدها المستفهم بشمل لا يترك مجالاً للمراوغة قائلة وهي تشير لفارس الذي يجلس خلفها بقليل بسبابتها " أخبرته أني سأقوم بنطح أي من قد يزعجه "

" نعم؟! " هتف أصلان باستنكار وصدمة لما سمعه وأردف بانفعال مستأنفاً عملية تنظيف وجهها بعناية رغم توبيخه" أتمزحين معي؟ لا يمكنك إعطاء وعد كهذا! "

" لم يكن وعداً كان كلمة مفعول بها مني وجعلني أقسم عليها كتأمين لتأكيد حصولها إذا حدث ودعت الحاجة لفعلها " قالت وهي مغمضة لعينها اليسرى حيث كان يمسح خط الدماء الذي سار قربها بحرص مفرط بسبب وقوع الندبة هناك.

" أياً كانت! .. هذا عمل سيء! لا يمكنك نطح كل من يزعجك أهذا ما فعلته لتلك السيدة سابقاً؟! " سأل بعدم تصديق لإحتمالية كون هذه عادة لديها.

" لا ، إستخدمت برميـ .."

" أتعرفين لا أريد أن أعرف.. فقط لا تتكلمي " قاطعها أصلان واضعاً يده فوق رأسه بحسرة وصداع قوي يفتك برأسه من كل هذا الجنون.

بقي كلا التوأم صامتين حتى فرغ أصلان من وضع لاصقة طبية على شكل إصبع على خدش جبين أميرة ليعقد حاجبيه ناظراً لكليهما فبادله التوأم التحديق بصمت وتعابيرهما ما بين قلق وضجر فعرف أن الميكروفون بيده الأن والكلمة له.. من الصعب دوزنة ما سيقوله وزوج من الأعين الكبيرة يناظره.

زفر مخللاً أصابع يده بشعره بضيق " اسمعا أنا لست غاضباً.. حسناً ربما غاضب قليلاً ومستاء للغاية مما فعلته يا أميرة فما فعلته خاطئ وبشدة!.. كما ترين عندما يأتيك أحد حضوره يزعجك أفضل طريقة لإبعاده هي بطرده بشكل مهذب أو بتغيير مكانك كي يفهم أنك لا ترغب بتواجده قربك البشر. يتواصلون بالكلمات لا بالرؤوس " قال مشيراً لجبينها في النهاية معيداً عقد حاجبيها باستياء.

رمقته أميرة بنظرة ضجرة قائلة " عُلم " لم يستطع تحديد إذا ما كانت فهمت الأمر حقاً أم تقوم بالتسليك له ولكن إعتمد على الإحتمال الأول ليريح رأسه.

" وأنت " قال أصلان ناظراً ناحية فارس الذي جفل من تحول الحديث نحوه ليشعر بالألم عندما قام أصلان بقرص خده قائلاً بعتاب " لا تأخذ وعوداً من قبل أختك مجدداً قد تقتل أحداً بالخطأ بنطحها له كما المصارعين"

" لا أجيد المصارعة للعلم " نبست أميرة مصححة المعلومة المغلوطة عنها فردّ أصلان بضجر وهو مستمر بقرص خد فارس المتألم دون رحمة " إنها إستعارة لا أقول أنك كذلك "

" أياياي!.. توقف هذا مؤلم! " قال فارس بتألم محاولاً إبعاد يد والده دون جدوى.

" كل هذه المشاكل حدثت فقط لأنك ظريف بشكل لافت من أين لك بكل هذه الوسامة؟ أشعر بالغيرة " قال أصلان بمشاكسة مرخياً يده ليسمح للأصغر بالفكاك منها فأبعد فارس يد أصلان عنه ببعض الحدة وفرك خده بكف يده رامقاً له بنظرة منزعجة للغاية " لا تعبس وإلا ظهرت لك التجاعيد " قال أصلان مرخياً العقدة بين حاجبي الأصغر بإسبابته ليزيد عبوس الأصغر دافعاً يده جانباً مبعداً لها عن وجهه رامقاً له بشيء يشبه الوعيد تحت الإخضاع.

حدّق كل من التوأم به بملامح متفاوته بين الضجر و

الغيظ فابتسم متذكراً أنه لم يعاقبهما بعد.

" بالمناسبة كأب مسؤول يتوجب علي عقابكما على أفعالكما المتهورة " قال بأكثر ابتسامة لطيفة مرعبة على الإطلاق.

🥞

🍋

🍧

" هذا تعذيب غير إنساني! "

" لو أردت تعذيبك لجعلتك تشرب قهوة سوداء دون حليب أو سكر.. كف عن صنع الضجة وأنهي ما في يدك "

" هذا ليس منطقياً لما تشرب هذا الشيء إذا؟! " قال مشيراً لكوب القهوة في يد أصلان فرفع رأسه عن هاتفه قائلاً ببتسامة متكلفة ومستفزة" لأني بالغ.. أنهي ما في يدك " قال مشيراً بحاجبيه لشريحة الليمون في يد فارس ليعاود الأخير الجلوس بتذمر ليرجع لمحاولة إنهاء تلك الشريحة الحامضة.

ما حدث هو أن أصلان أخذ أشيائه من الفندق ومن ثم دخل مقهى وطلب كوب قهوة سوداء وثلاث شرائح من الليمون.. طبعاً استغرب النادل هذا الطلب فابتسم أصلان متحجّجاً إلى أنها إحدى وسائل التربية الحديثة.

جلس يتصفح هاتفه ويتفقد التوأم من حين لآخر وكان من الطريف رؤية أميرة تحدق بشريحتين الليمون خاصتها وكأنها قتلت لها قتيلاً أو هذا ما يراه هو.. رفعت نظرها لأصلان عندما ضبطت تحديقه فقال دون أي خجل " حصلت على اثنتين لنطحك وشتمك سابقاً "

" أوه هيا هي لم تقل شيئاً حتى! كُفّ عن إذلالنا كل دقيقة! "

" المخطؤون يجب أن يعاقبوا " قال مرتشفاً قهوته بعدم اكتراث لإعتراضات الأصغر.

" لكني لم أفعل شيئاً! "

" الحياة ليست عادلة.. لستُ مستمتعاً بهذا أيضاً كما تعلمان " قال رافعاً كتيفه بخفة وفي الحقيقة كان يكذب.. هو مستمتع جداً برؤية ملاح الانزعاج على كليهما.

" إذا كنتَ أنتَ الحياة " علّقت أميرة ليزجرها أصلان بنظرة حادة فيقوم فارس بكبت ضحكاته على ما قالت عن طريق قضمه قشرة شريحة الليمون.

مع إكمال العقاب الحمضي شرب التوأم كوبي ماء في محاولة لترطيب حلقيهما لكن الطعم اللاذع لم يذهب فأشفق أصلان عليهما واشترى كوبي مثلجات لكل منهما وبعدها انطلقوا نحو المطار.

" إذا إلى أين نحن ذاهبون؟ " سأل فارس الجالس على المقعد قرب السائق متناولاً غرفة من مثلجات الشكولاته بملعقته الصغيرة.

" إلى الوطن مصر " أجابه أصلان وعيناه على الطريق.

" اممم .. " همهم فارس وأردف " إذا هل أمي على قيد الحياة أم ميتة؟ " سأل مفاجئاً أصلان الذي تصنم ممسكاً مقود القيادة بتعبير مدهوش لعدة ثواني.. لقد باغته حقاً بهذا السؤال دون يكون هناك مناسبة لطرحه.. لكن بعد التفكير .. يوجد .. هم عائدون للمنزل لذا تسآئل الفتى في نفسه إن كان هناك أحد بانتظارهم هناك.

تمالك أصلان نفسه زافراً الهواء من أنفه بصمت ثم بعثر شعر فارس مجيباً له دون أن يحيد عن الطريق أمامه " أعتذر يا صغير لكنها توفيت منذ وقت طويل جداً " نبرته كان أقرب لتعزية تغلّف على مشاعره الخاصة.

" فهمت " نبس فارس بعدم اكتراث ظاهري عابثاً بمثلجاته الذائبة جزئياً بملعقته.

" لكن سارة توجد في المنزل وهي لطيفة جداً " قال أصلان مبتسماً باشتياق لذكره ذاك الاسم ناوياً رفع معنويات التوأم وطرد الجو الكئيب وفي لحظة واحدة نبس كلا التوأم بتزامن حيث أطلت أميرة برأسها من بين المقعدين الأماميين سائلة في استجواب عجل بيننا سأل فارس بحماسة " أهي كلب؟! / " أهي زوجتك؟! "

" ما..؟؟ .. بل أختكما الكبرى أيها الأبلهان! "

صاح بغضب والغيظ اكتسح وجهه.. سؤال أميرة على الأقل منطقي رغم أنه بدى كاتهام خطير لكن حقاً فارس؟! .. من في هذا العالم قد يسمي كلبه سارة!!

رمش التوأم مرتين ثم نظرا لبعضهما البعض لثواني ثم عاودا التحديق بأصلان بصمت بملامح تطالبه بالشرح.. أوه تم رمي الميكرفون عليه مجدداً.

'لما يتفقان على فعل هذا معاً؟ ' فكر بإنزعاج شاعراً بأن هذا الموقف حصل معه من قبل.

" لديكما أخت كبرى وتدعى سارة وهي في الخامس عشرة وهناك عثمان أيضاً وهو أكبر من سارة بخمس سنوات ويدرس الهندسة.. كما قلت سارة مرحة وطيبة للغاية وستحبانها بالتأكيد أما عن عثمان فـــ.. هو جيد لكنه متحفظ بعض الشيء ومتعالي إلى حد ما لكنه شاب جيد دون شك "

" رائع مُعَقَّد نفسي آخر " تمتم فارس مشيحاً برأس ناحية النافذة.

.

.

.

وصل الثلاثة إلى المطار وبعد عدة إجراءات روتينية خانقة صعدوا للطائرة أخيراً والآن يجلسون منتظرين شروع الطائر في الإقلاع..فرض فارس نفسه على المقعد قرب النافذة كما فعل مع مقعد السيارة فجلست أميرة قربه ومن ثم أصلان حثيما ألصق غراب الشعر وجهه بالنافذة وعيناه تطلق نجوماً من فرط الحماسة " يا للروعة الجناح طويل حد المجرّة! " قال وهو يكاد يقفز في مكانه من الفرح غير أن حزام الأمان منعة من ذلك لحسن الحظ. راقب أصلان حماسه المفرط بقلة حيلة ثم ارجع ظهره للمقعد مريحاً لعينيه لبعض الوقت حتى تبدأ الطائرة إقلاعها..

" أين أخفيتَ ثُلث البرنقيل المبتهج؟ " سمع صوتاً يهمس في أذنه بجملة غريبة التركيب.. رفرف عينه مستعيداً وعيه بعد أن غفى دون أن يدرك فضاقت حدقة عينيه بدخول الضوء لها فهسّهس بألم مديراً رأسه صوب التوأمين بجانبه ناظراً لهما بتشوش فالتفت أميرة لفارس " رأيت؟.. قول جملة معقدة وغير متناسقة مع المألوف يحفز العقل على الإستيقاض أكثر من محاولة هزّه لكي يفيق "

" حسناً أعترف أن طريقتك الغريبة فعّالة " قال فارس رافعاً كتفيه بعدم اهتمام لكونها محقة.

لم يستوعب عقل أصلان من كلامهما غير أنه كان نائماً وحاولا إيقاضه كما يبدوا " كم نمت من الوقت؟ " قال بصوت متحشرج ماسحاً بيده على وجهه لعل رؤيته تتضح أكثر ومع إنزاله ليده لاحظ حركة منتشرة في أرجاء الطائرة فضرب الإستعاب عقله ليلتفت للتوأم قائلاً بدهشة " وصلنا؟! "

هزّ الاثنان رأسهما بالإيجاب فقطب حاجبيه موبخاً" لما لم توقضاني في وقت أبكر؟ "

" لما نفعل ذلك؟ ليس وكأنك من سيهبط بالطائرة / بدوت متعباً بشدة " نطق التوأم بتزامن ما بين ضجر من أميرة وبديهية من فارس.

غطى أصلان وجهه بين كفيه منزلقاً بظهره على المقعد أمام نظرات التوأم المستغربة من ناحية فارس.. هو لا يلومهما على عدم إيقاضة بل يلوم نفسه على تركهما وحدهما. صحيح أنهم يجلسون على مقاعد متجاورة وليس لديهما المجال ليتحركا من مكانيهما بما أنه جلس على رأس صف المقاعد الثلاثية لكن هفوة كهذه يرعبه تخيل حصولها وسط مكان عام حيث قد يقع أي شيء على حين غفلة منه.. لن يسمح لذلك أن يتكرر!

" أيجب عليك مسك أيدينا وكأنك تخاف أن نهرب؟ " تذمر فارس بإنزعاج أثناء سيرهم في المطار بعد نزولهم من الطائرة. سمع الأكبر ما تمتم به ولكن قرر تجاهله وبعد خروجهم من المطار واستقلالهم لسيارة أجرة وصلوا أخيراً لمحطتهم الأخيرة.. منزل بحديقة أمامية يانعة يحيط به سور أبيض عال عُلقت عليه فوانيس سوداء معدنية الهيكل برتقالية الزجاج.

بدى بيتاً لذوي الطبقة المتوسطة لكنه جميل دون أي شك.

دخل الثلاثة البوابة الأمامية حيث كان فارس يجول ببصره في الأرجاء معجباً بالمكان لكن لم ولن يظهر ذلك على وجهه فقد فعّل وضع عدم الإكتراث كي لا يبدوا فتى قادماً من الأحياء 'المتدنية'

وقفوا أمام الباب الأمامي فأوشك أصلان على فتح الباب غير أنه تم فتحه من الداخل من قبل فتاة شقراء بأعين زرقاء سماوية قفزت محتضنة لأصلان صائحة بسعادة دون سابق إنذار " بابا عاد! " بادلها أصلان الحضن قائلاً بنبرة حانية " شمسي الصغيرة اشتقت لك "

شاهد التوأم مشهد لم الشمل العاطفي بين الأب وابنته من على الهامش منتظرين انتهاء حلقة السؤال عن الحال والاشتياق بينهما بصبر .. ليس لديهما ما يفعلان على أي حال لا يمكن تغيير هذه المحطة ذات الحوار المتكرر.

انزلقت مقلتا عيني سارة الزرقاء ناحية التوأم بعد هنية فابتعدت عن والدها رامقة لهم بملامح متفاجئة ارتفعت للصدمة ومن ثم تحولت ملامحها لتختلجها الكثير من المشاعر ما بين الفرح ، والذهول ، وعدم التصديق، ودموع السعادة.

تقدمت ناحية التوأم نازلة على ركبتيها وضمتهما في عناق مشترك صائحة بنواح نابع من فرط الفرحة " الحمدلله!! " لتبدأ ذرف الدموع وهي تحاوط كليهما بأذرع مرتعشة وكأنها لا تزال مرهوبة بواقعية الموقف.

راقب أصلان من وراء ظهر سارة تعابير التوأم المصدومة من فعلة سارة مبتسماً بفرح حزين .. فرح لتصرف سارة العطوف والذي طمأنه على كونها ستكون داعماً أساسياً في إعطاء التوأم بعض الحنان الذي حرما منه 'ستكون أختاً كبرى عظيمة' فكر أصلان مقوساً عينيه بحزن متمنياً لو أن زوجته كانت على قيد الحياة لترى ذاك المشهد.

قوله أنه يتمنى لو كانت على قيد الحياة لتعيشه معهم أنانية لا يجرؤ على التصريح بها حتى بينه وبين نفسه لذا من أعماقه تمنى فقط لو ترى.. وتطمئن.

خلف الكواليس كان كلا التوأم يكادان يقتلعان شقفة من لحم بعضهما البعض.

' أبعد يدك عني' أمرت أميرة بصرياً بأعين ضجرة باردة وهي تقرص خاصرة فارس وربما كليته تعتصر بين أصابعها.

' في أحلامك .. أنسيتي ما اتفقنا عليه؟! ' قال فارس بصرياً بأعين مشدودة بسبب صرخة الوجع التي يكبتها داخله غارساً أظافره في عضد ذراعها مانعاً لها من الحركة.

' لم أوافق على اقتراحك ذاك ' قالت بصرياً مستمرة فيما تفعله.

' لم يكن اقتراحاً! ' زجرها بأعين حمراء مستمراً فيما يفعله ولم يتنازل أي منهما عن موقفه المتضارب مع موقف الأخر.

ما الذي يتجادلان عنه بصريّاً؟

تحتاج معرفة ذلك لعودة إلى الوراء ...

🍉🍉🍉🍉🍉🍉🍉🍉🍉🍉

أسلوب بابا صوصو في التربية قليلاً 🫤.. لا؟

2026/02/13 · 3 مشاهدة · 4513 كلمة
كاجو
نادي الروايات - 2026